كيانات صغيرة على ممر كبير
في السياسة لا توجد لفتات بريئة ولا اعترافات إنسانية خالصة، هناك دائماً جغرافيا تتنكر في هيئة أخلاق. الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال لم يكن دمعة متأخرة على شعب منسي، بل خطوة محسوبة بدقة لاعب شطرنج يعرف أن تحريك جندي صغير قد يربك الرقعة كلها.
من يعترف بأرض الصومال لا يقف عند حدود القرن الأفريقي بل يضع قدمه عملياً على عتبة اليمن. لا بوصفه دولة ذات سيادة بل بوصفه ممراً وهاجساً أمنياً. فجأة يصبح البلد الذي انطلقت من سواحله استهدافات السفن الإسرائيلية جاراً مباشراً لوجود إسرائيلي معلن، لا يحتاج إلى كثير من الضجيج، يكفيه أن يكون قريباً بما يسمح بالرؤية، ومع هذا الوجود يصبح البحر الأحمر مساحة مراقبة لصيقة، لا تحتاج إلى أقمار صناعية بعيدة بقدر ما تحتاج إلى قواعد ثابتة وعيون لا ترمش.
هنا تتراجع رومانسية الاعتراف ويبرز وجهه العملي. كيان يبحث عن اعتراف، وآخر يبحث عن موقع. الأول يقدّم الامتنان، والثاني يقدّم الشرعية. تبادل بسيط خالٍ من الأسئلة الثقيلة. دولة وظيفية بالمعنى الدقيق للكلمة، لا تسأل كثيراً عن تعقيدات السيادة ولا تمانع في لعب دور أكبر من حجمها طالما أن الثمن هو الوجود والاعتراف.
في هذا السياق لا يبدو ما يجري في جنوب وشرق اليمن حدثاً معزولاً. تقدم المجلس الانتقالي الجنوبي خطوة إضافية في مسار الانقلاب على الشرعية لا يمكن فصله عن المشهد الأوسع. التزامن هنا ليس مصادفة بريئة بل جملة سياسية مكتوبة بحبر غير مرئي. تفكيك المركز، إنهاك الدولة، وتكريس الكيانات الصغيرة، كلها خطوات تخدم من يبحث عن إقليم قابل للإدارة لا عن دولة كاملة السيادة. الدول المتماسكة مزعجة أما الدول المتشظية فهي فرص استثمار.
حين تتآكل الدول المطلة على الممرات الحيوية، تصبح هذه الممرات مفتوحة لمن يملك التنظيم لا لمن يملك الشرعية الورقية. إسرائيل في هذا المشهد لا تحتاج إلى تحالفات صاخبة في اليمن، يكفيها أن ترى لوحة مزدحمة بكيانات ضعيفة متنافسة تبحث عن حماية أو اعتراف أو مجرد صورة في نشرة الأخبار. كيانات مستعدة لتقديم خدمات عسكرية ولوجستية مقابل بعض الضوء الأخضر الدولي وبعض التسويق السياسي.
هذه السردية لا تحتاج إلى نظرية مؤامرة كبرى، بقدر ما تحتاج إلى قراءة هادئة للجغرافيا. البحر الأحمر ليس مجرد ممر مائي، بل دفتر حسابات مفتوح. كل من يضع قدمه على ضفتيه يطالب بنصيبه من النفوذ. إسرائيل التي أدركت متأخرة أن أمنها لا ينتهي عند حدود فلسطين، قررت تأمين خاصرتها البحرية من المنبع. وأرض الصومال التي تنتظر منذ عقود من يقول لها "أنتِ دولة"، بدت فرصة مثالية: موقع استراتيجي، هشاشة داخلية، وامتنان سياسي مضمون.
أما اليمن فهو الحاضر الغائب. بلد يمتلك أطول سواحل على واحد من أخطر الممرات البحرية في العالم، لكنه يعجز عن تحويل الجغرافيا إلى سياسة. في هذا الفراغ يتحرك الجميع، قوى محلية تبحث عن كيان، قوى إقليمية تبحث عن نفوذ، وقوى دولية تبحث عن نقطة مراقبة إضافية.
المجلس الانتقالي في هذا المشهد ليس استثناء بل عرضاً جانبياً لمرض أعمق: انهيار الفكرة المركزية للدولة. لا يرفع راية الانفصال لأنه قوي بل لأنه لا يرى دولة مكتملة ليبقى ضمنها. وحين تُختزل الشرعية إلى عنوان بلا مضمون يصبح الانقلاب مجرد اختلاف في التوصيف لا في الجوهر.
العلاقة بين المجلس الانتقالي وإسرائيل لا تحتاج إلى كثير من الخيال الإعلامي، هي نتاج توازنات معقدة تحرّكها رافعة إماراتية وطموحات إسرائيلية واضحة. الانتقالي بدعم أبوظبي يلوّح بإمكانية الاندماج في منظومة تطبيع تفتح له باب الاعتراف، وفي المقابل ترى تل أبيب فيه ورقة إضافية في لعبة تأمين الممرات ومواجهة خصومها. ومع دخول قوات طارق صالح إلى المشهد، يتضح أن المشروع لا يقوم على حليف واحد بل على شبكة وكلاء، تجعل التطبيع فعلاً عملياً يسبق الإعلان السياسي.
إسرائيل لا تحتاج إلى إعلان تحالف مع انفصاليي اليمن، يكفيها أن ترى البحر الأحمر يتحول إلى فسيفساء كيانات صغيرة متنافسة، تحتاج جميعها إلى ضامن أمني. وعندما تتكاثر الكيانات الهشة، يصبح اللاعب الأكثر تنظيماً هو الأكثر نفوذاً، ومن يسيطر على باب المندب لا يحتاج إلى رفع صوته كثيراً.
ما نشهده ليس مؤامرة مكتملة بل تلاقح مصالح في لحظة ضعف عام. الجنوب يبحث عن كيان، أرض الصومال تبحث عن اعتراف، إسرائيل تبحث عن نفوذ بحري، والشرعيات التقليدية تبحث عن نفسها في أرشيف الأمم المتحدة. وفي الخلفية يتقدم التفكك بهدوء واثق، لا يصرخ ولا يعلن، بل يبتسم ابتسامة بيروقراطية هادئة.