صنعاء 19C امطار خفيفة

تصعيد الانتقالي شرقًا يعيد رسم القواعد الإقليمية للعبة في اليمن

لم تعد التطورات الأخيرة في حضرموت والمهرة مجرد حلقة تصعيد ميداني عابر، بل لحظة سياسية كاشفة، أعادت طرح الأسئلة المؤجلة حول حدود القوة، ومعنى الشراكة، وسقف ما يمكن احتماله إقليميًا في الجنوب اليمني.

تزامنت المواقف، مع إجراءات عسكرية تبدو تحذيرية اتخذتها السعودية، بقصف جوي لمواقع قوات المجلس الانتقالي في حضرموت. فبين موقف وزير الدفاع السعودي، وتحالف دعم الشرعية، وموقف المجلس الانتقالي الجنوبي، بعد دعوة رئيس مجلس القيادة الرئاسي للتحالف بالتدخل العسكري، ينتقل الصراع من هامش المناورة إلى مركز القرار.

الرد السعودي.. أكثر من مجرد احتواء

ما قاله الأمير خالد بن سلمان لا يمكن قراءته بوصفه رسالة تهدئة تقليدية أو نصيحة أخوية. اللغة كانت مباشرة، والسقف واضح: خروج قوات المجلس الانتقالي من حضرموت والمهرة، وتسليم الملف للسلطة المحلية وقوات الدولة. هذا الموقف يتجاوز حادثة عابرة، فهو يمثل محاولة لتثبيت قواعد اللعبة الجديدة لما بعد الحرب في اليمن. الرسالة السعودية تؤسس لمبدأين: الأول، لا مكان للتوسعات العسكرية الأحادية التي تهدد الاستقرار الهش. الثاني، الشرعية السياسية -حتى وإن كانت ضعيفة- تبقى الإطار الوحيد المقبول للتفاوض حول أي مطالب، بما فيها المطالب الجنوبية.
من المهم فهم أن هذا الرد الحازم يأتي أيضًا كتصحيح لمسار ونتيجة لسلسلة أخطاء استراتيجية سابقة. فوفق تحليلات متخصصة، كانت السياسة السعودية الساعية لخلق توازن قوى في حضرموت قد أسهمت -دون قصد- في تمهيد الطريق لهذا التصعيد. فعملية استبدال القوات المحلية بأخرى موالية للرياض تركت فراغًا استغله الانتقالي ببراعة، مما وضع السعودية في موقف رد فعل على انتهاك ما اعتقدته خطوطًا حمراء واضحة.
الرد الحازم، يأتي كذلك متقاطعًا مع أولويات أطراف دولية تركز على استقرار اليمن واحتواء الحوثيين، مما يجعل من الموقف السعودي جزءًا من توافق إقليمي -دولي ضد أي تصعيد يفتح جبهات جديدة.

مأزق الانتقالي.. بين خيارين مُرين

في المقابل، لايزال المجلس الانتقالي يبدي موقفًا دفاعيًا، يسعى إلى إعادة تعريف المشهد أمنيًا: مكافحة الإرهاب، قطع خطوط التهريب للحوثيين، حماية الخدمات. وهي عناوين مألوفة في الخطاب السياسي، لكنها في هذا السياق تبدو محاولة لتبرير الفعل بعد وقوعه، لا لتأسيس سياسة متوافق عليها.
الموقف الذي أبداه المجلس الانتقالي، في اجتماع أعلى هيئة له، أمس السبت، جمع بين انفتاح لفظي على التنسيق مع السعودية، ونبرة تحدٍّ ترفض أي مسار قد يفسر كتراجع، ما يكشف عن مأزق وجودي حقيقي. فالانتقالي يدرك أن المضي قدمًا بلا غطاء إقليمي مغامرة مكلفة، لكنه في الوقت نفسه لا يملك سردية تتيح له العودة خطوة إلى الوراء دون خسائر رمزية داخل معسكره.
هنا يواجه خيارين كلاهما مُر: الاستمرار في التمترس يعني تحمل عواقب المواجهة المباشرة مع الضغط السعودي، مع مجازفة فقدان "الغطاء الإقليمي" الذي بنى عليه معظم مكاسبه السياسية. أما الانسحاب تحت مظلة تفاوض فيتطلب سردية ذكية لشرحه داخليًا دون أن يبدو استسلامًا، وقد يحتاج إلى "فوز سياسي تعويضي" يصعب الحصول عليه بعد حركته الأحادية.

الشرعية.. الاحتماء بمن يملك القرار

في تطور إضافي، جاء إعلان رئيس مجلس القيادة الرئاسي، رشاد العليمي، عن استجابة التحالف العربي الفورية لطلبه حماية المدنيين في حضرموت، كدليل عملي على أن أي تحرك أحادي يواجه سقفًا محددًا إقليميًا. الطلب الرئاسي، الذي تزامن مع تحذيرات التحالف من أي انتهاك لجهود خفض التصعيد، يبرز هشاشة قدرة الشرعية على ضبط الميدان داخليًا وحدها، ويؤكد على ضرورة ربط القوة العسكرية بالسياسة وحماية المركز القانوني للدولة.
هذه الاستجابة السريعة لا تمثل مجرد تدخل لحماية المدنيين، بل تعكس إطارًا ضابطًا للتوازن الإقليمي، والحفاظ على وحدة الصف، ومنع أي تحول للسيطرة الميدانية إلى أداة تفجير داخلي.

المفارقة الأكبر.. من يستفيد من هذا التصعيد؟

في جوهر المشهد، نحن أمام إعادة رسم للخطوط:
السعودية تعيد ضبط قواعد اللعبة، وتقول بوضوح إن ما جرى تجاوز السقف المسموح، أو الخطوط الحمراء إن صح القول.
المجلس الانتقالي يختبر هذا السقف، مدفوعًا بإغراء السيطرة السريعة، وبوهم أن القوة قد تسبق السياسة.
الشرعية تحاول الاحتماء بالإطار الإقليمي، لا من قوة، بل لأنها تمثل الشكل الأخير للدولة المعترف بها.
المفارقة المؤلمة هنا أن القضية الجنوبية بوصفها قضية مركزية وسياسية عادلة، تجد نفسها مرة أخرى محاصرة بعسكرة مفرطة قد تضعف مضمونها بدل أن تعززه. فالقوة، حين لا تترجم إلى مشروع سياسي توافقي، لا تنتج حسمًا، بل توسع دائرة الخصوم، وتكون مرهومة بالاحتواء بدل الاعتراف.
الخاسر الأكبر في هذه المعادلة، الجبهة المضادة للحوثيين؛ فكل انشغال للتحالف والسعودية والمجلس الرئاسي والانتقالي بصراع داخلي في الجنوب يمنح الحوثيين فرصة كبيرة ووقتًا لإعادة التنظيم، ويعزز سرديتهم بأن خصومهم "مرتزقة وعملاء متصارعون".
هذه قد تكون الكارثة الإستراتيجية الكبرى لهذا التصعيد. والأمر يتعدى كونه فرصة مؤقتة للحوثيين؛ فالتنافس السعودي -الإماراتي في الجنوب يعتبر حجر عثرة رئيسيًا أمام توحيد المعسكر المناهض للحوثيين. هذا الانقسام لا يضعف الجبهة فحسب، بل يعيد ترتيب أولويات خصوم الحوثيين، ويعطل أي جهد حقيقي وموحد لمواجهتهم، مما يمنحهم ميزة استراتيجية متعاظمة.
تضاف إلى ذلك أهمية القوة -المشكلة من أبناء الجنوب- الموالية للمجلس الانتقالي، في مواجهة الحوثيين والجماعات الإرهابية، فهذه القوة تعد عنصر فاعل وركيزة أساسية في معركة استعادة الدولة. تجاهل هذا المعطى أو محاولة إزاحة هذه القوة من المعادلة سيؤدي إلى مزيد من الضعف في الجبهة المناهضة للحوثيين، لا إلى تحصينها.

الدور الدولي.. الاحتواء لا الإقصاء

في قلب المشهد، يبرز موقف المبعوث الأممي إلى اليمن، ما يكسبه دلالة خاصة. فدعوته الأخيرة، والمتكررة، إلى ضبط النفس وخفض التصعيد وتجنب الإجراءات الأحادية لا تأتي كخطاب شكلي، بل إدراك أممي بأن أي تصعيد غير منضبط في حضرموت والمهرة سيقوض مسار التهدئة وإمكانية الوصول إلى حل سياسي شامل.
يجب قراءة هذا الموقف الأممي والدولي أيضًا في ضوء تحول استراتيجي أوسع، بخاصة من جانب الولايات المتحدة. فالأولويات الغربية في اليمن تحولت من التركيز على عملية السلام وإعادة بناء الدولة، إلى انشغال ضيق بحماية الممرات البحرية الاستراتيجية، ومواجهة التهديد الحوثي المباشر.
هذا التحول، المتمثل في تعليق المساعدات وعدم الدفع بجهود المبعوث الأممي، وعدم تعيين واشنطن مبعوثًا جديدًا لها، يفسر جزئيًا هذا النهج الدولي القائم على "الاحتواء" وعدم الرغبة في الانخراط العميق، مما يمنح الأطراف الإقليمية والمحلية هامش حركة أكبر، وإن كان محفوفًا بالمخاطر.
غير أن هذا الحرص على الاحتواء لا يعني الدفع نحو منطق الإقصاء الكامل أو محاولة شطب الوقائع على الأرض. فالقوات الجنوبية، بما فيها المجلس الانتقالي، تمثل عاملًا فاعلًا في معادلة المواجهة مع الحوثيين، وأية مقاربة تسعى إلى إخراجها من المعادلة ستفضي، بلا شك، إلى إضعاف الجبهة، لا إلى تعزيز الاستقرار. التحدي الحقيقي يكمن في كيفية إدارة هذه القوة وضبط أدوارها، وعقلنة خطابها، السياسي والإعلامي، ضمن إطار سياسي وأمني جامع.

مستقبل الجنوب.. ثلاثة مسارات محتملة

تثبت التجارب أن الذهاب بالتصعيد نحو منطق الإقصاء الكامل أو كسر شامل لموازين القوة القائمة، لا يبدو خيارًا عقلانيًا. فالقوه الميدانية يجب أن تحول إلى أداة منضبطة ضمن الإطار السياسي الجامع، لا إلى وسيلة لتفجير الانقسامات الداخلية.
تقف الأطراف حاليا أمام ثلاثة مسارات محتملة:
مسار "الخروج المُهندس":
وساطات مكثفة (سعودية، إماراتية، عمانية) تنتج صيغة لـ"إعادة انتشار" قوات الانتقالي من مواقع حساسة، وتسليم الإدارات المدنية للحكومة ممثلة بالسلطة المحلية، مع تشكيل لجنة أمنية وعسكرية مشتركة. هنا "ينسحب" الانتقالي عمليا لكنه "ينقذ ماء الوجه" سياسيًا.
مسار "الجمود المكلف":
يرفض الانتقالي الانسحاب الصريح، وتصر السعودية على شرطها. تستمر حالة التوتر مع تجميد للتطورات. هذا هو الأسوأ بالنسبة للجميع، لأنه يستهلك الطاقة ويجعل حضرموت والمهرة ساحة مواجهة دائمة.
مسار "التصعيد الحرج":
حدوث اشتباكات محلية تدفع السعودية لتدخل عسكري مباشر ومحدود لفرض الأمر. هذا سيكون نقطة لاعودة في العلاقة مع الانتقالي، وهو ما تريد الرياض على الأرجح تجنبه.

الخلاصة.. قوة بلا مشروع سياسي توافقي عبء

التصعيد الأخير في حضرموت والمهرة يعكس اختبارًا حقيقيًا لسقف القوة وحدود الرعاية الإقليمية، ويطرح السؤال الاستراتيجي المركزي: من يملك القدرة على تحويل السيطرة الميدانية إلى سياسة مستقرة تحمي مصالح اليمن بما فيه الجنوب والشرعية والمصلحة الإقليمية في الوقت نفسه؟
الإجابة التي تفرضها الوقائع هي: لا أحد يملك هذه القدرة بمفرده في الوقت الراهن. لكن الطرف الذي يملك أفضل فرصة لمحاولة فرض هذه المعادلة هو السعودية، شريطة أن تقدم شيئًا أكثر من مجرد قمع التصعيد باستخدام القوة، ولن يتحقق ذلك إلا بمساعدة جادة من دولة الإمارات، كونها تمثل الغطاء الإقليمي لتحركات الانتقالي؛ فلولا الدعم الإماراتي القوي لم يكن الانتقالي ليتجرأ على هذا التصعيد والتحدي.
الدرس المستفاد للأطراف اليمنية جميعًا، يتمثل: في ظل غياب مشروع سياسي جامع، تتحول كل "قوة ميدانية" إلى عبء، وكل "نصر تكتيكي" إلى فخ استراتيجي. التحدي الآن هو هل يمكن تحويل أزمة حضرموت والمهرة إلى صفعة إيقاظ تدفع الجميع إلى طاولة التفاوض حول مستقبل اليمن والجنوب، أم أنها ستكون شرارة تشعل حرب في جبهة جديدة؟ فالإجابة على هذا السؤال تحدد مستقبل اليمن في المرحلة المقبلة.

الكلمات الدلالية