صنعاء 19C امطار خفيفة

محمد العبسي.. الصحفي الذي دفع ثمن الحقيقة

محمد العبسي

لم يكن محمد عبده العبسي مجرد صحفي يكتب عن الفساد، بل كان حالة استثنائية في مشهد إعلامي أنهكته الاستقطابات السياسية وأفرغته من دوره الرقابي. اختار العبسي طريق الصحافة الاستقصائية في بيئة طاردة للحقيقة، فدفع ثمن هذا الخيار حياته، وبقيت قضيته مفتوحة على أسئلة لم تجد إجابات حتى اليوم.

عرفه القراء كصحفي مستقل، يعمل بصمت، ويقترب من الملفات الحساسة بلغة الوثيقة والرقم، لا بلغة الشعارات. لم ينخرط في الاصطفافات، ولم يحوّل قلمه إلى أداة تحريض أو تبرير، بل حافظ على مسافة واحدة من الجميع، وهو ما منحه ثقة واسعة لدى الرأي العام، وجعله في الوقت ذاته هدفًا مكشوفًا.
في مساء 21 ديسمبر/كانون الأول 2016، عاد العبسي إلى منزله في صنعاء بعد تناول وجبة عشاء، ليشعر بعدها بآلام حادة وتقلصات مفاجئة في المعدة. خلال وقت قصير، فارق الحياة. في البداية، أُعلن أن الوفاة ناتجة عن سكتة قلبية، لكن لاحقًا كُشف أن السبب كان التسمم، ما فتح باب الشكوك حول ظروف رحيله، ودفع بالقضية إلى دائرة الغموض التي لم تغادرها حتى الآن.

صحافة بلا حماية

ما ميّز تجربة محمد العبسي أنه خاض العمل الاستقصائي بجهد فردي، دون مظلة مؤسسية تحميه أو تدافع عنه. في بلد تفتقر فيه الصحافة الاستقصائية إلى التمويل والحماية القانونية، كان هذا الخيار محفوفًا بالمخاطر. ومع ذلك، أصر العبسي على المضي في كشف قضايا فساد معقدة، لا سيما في قطاعات النفط والسوق السوداء، مستندًا إلى معلومات موثقة وتحقيقات معمقة.
بعد ساعات من وفاته، تسابقت أطراف سياسية وإعلامية إلى تسريب رسائل ومحادثات قديمة له تتعلق بملفات كان يعمل عليها، في مشهد عكس حجم العبث الذي طال حتى موته. وبينما رأى كثيرون في ذلك استغلالًا فجًا لاسم الراحل، اعتبر آخرون أن هذه التسريبات تعزز الشكوك حول أن العبسي لم يمت ميتة طبيعية.

أثر يتجاوز الغياب

لم يكن حضور العبسي محصورًا في الصحافة الورقية. مدونته الإلكترونية، التي تجاوز عدد زوارها المليون، تحولت إلى منصة مفتوحة لنشر التحقيقات الجريئة، ومقالات الرأي، وإعادة نشر أعمال زملائه. كانت المدونة بمثابة أرشيف حي للحقيقة في زمن تُدار فيه المعلومات بانتقائية شديدة.
بدأ العبسي مسيرته الصحفية في صحيفة "الثورة" الرسمية، في القسم الثقافي، وكان شاعرًا وله ديوان منشور، وناشطًا في المجتمع المدني، قبل أن يتجه مبكرًا إلى التحقيقات الاستقصائية، حيث وجد صوته الحقيقي. هذا التحول لم يكن مهنيًا فقط، بل أخلاقيًا، من التعبير إلى المساءلة.
موت بلا إجابة
حتى اليوم، لا تزال وفاة محمد العبسي محاطة بالأسئلة أكثر من الإجابات. لم تُقدَّم للرأي العام رواية رسمية مقنعة، ولم تُغلق القضية بحقيقة واضحة. هذا الغموض لا يخص أسرته وحدها، بل يمس كل صحفي يمني، وكل قارئ، وكل مواطن يؤمن بأن معرفة الحقيقة حق أصيل.
إن خطورة ما حدث لا تكمن فقط في فقدان صحفي موهوب، بل في الرسالة التي يبعثها موته: أن كشف الفساد قد يكون مخاطرة بلا ضمانات، وأن الحقيقة تُترك وحيدة في مواجهة العنف.
خاتمة
محمد العبسي لم يمت فقط مسموما، بل مات لأن الحقيقة في اليمن بلا حماية. ومع ذلك، بقي أثره شاهدًا على أن الكلمة الصادقة، حتى حين تُقمع، تترك أثرها، وتفضح ما أريد له أن يبقى مخفيًا.
غاب الجسد،
لكن السؤال بقي حيا:
من يخاف من الحقيقة إلى هذا الحد؟

الكلمات الدلالية