صنعاء 19C امطار خفيفة

الأسرة ومساهمتها في تقدم الحضارة الإنسانية

في زحمة التحديات التي تعصف بعالمنا اليوم، من الحروب والنزاعات إلى الفقر وعدم المساواة، تبرز الحاجة إلى إعادة النظر في المؤسسات الاجتماعية الأساسية التي تشكّل وجدان الإنسان وتوجّه سلوكه. وعلى رأس هذه المؤسسات تأتي الأسرة، بوصفها النواة الأولى في بناء الفرد، ومن ثم المجتمع والحضارة.

غالبًا ما يُنظر إلى الأسرة باعتبارها ملاذًا خاصًا، يدور حوله حبّ الآباء للأبناء، وسعيهم لتأمين مستقبل أفضل لهم، وتوفير الحماية والدعم. وهذه مشاعر فطرية لا غنى عنها في حياة الإنسان. إلا أن الإشكالية تظهر حين يُختزل دور الأسرة في دائرة ضيقة من المصالح الشخصية، دون اعتبار للأثر الذي تتركه على محيطها الاجتماعي، أو للرسالة الأوسع التي يمكن أن تؤديها في بناء مجتمعات أكثر عدلًا ورحمة.
من هنا، تبرز الحاجة إلى إعادة تعريف مفهوم النجاح الأسري، لا بوصفه تحقيقًا لمصالح مادية أو امتيازات فردية، بل باعتباره مساهمة فعالة في رفاه المجتمع ككل. فحين يُربّى الأبناء على أن سعادتهم لا تنفصل عن سعادة الآخرين، وعلى أن عزتهم الحقيقية تكمن في إسهامهم في الخير العام، فإن العائلة تكون قد أدت أعظم أدوارها التربوية.
من التحديات الأخلاقية التي تواجه الأسر اليوم، هو كيفية تحقيق التوازن بين حبنا العميق لأبنائنا، ورغبتنا في منحهم كل ما نستطيع من فرص، وبين التزامنا بالمبادئ الإنسانية التي تضمن العدالة للجميع. ففي عالم يزداد فيه التفاوت بين الطبقات، قد تصبح الرغبة في "تفضيل" الأبناء، وإن كانت بحسن نية، سببًا في تغذية النزعة الفردية وتعزيز مفهوم "نحن وهم".
لا يمكن أن تتقدم الحضارة الإنسانية على أساس التنافس غير العادل، أو الهيمنة الاجتماعية، أو التحيّز لصالح مجموعة على حساب أخرى. فهذه الأسس تؤدي إلى مزيد من الانقسام والاحتقان. أما الأسرة التي تُربّي أبناءها على قيم العدل، والتسامح، والتضامن مع الآخرين، فإنها تُسهم بصورة مباشرة في بناء مجتمع أكثر تماسكًا وإنسانية.
وهنا يأتي دور الوالدين، ليس فقط كمصدر للحب والدعم، بل كقدوة حية في كيفية التفاعل مع المجتمع. فحين يرى الطفل أن والده لا يُعامل الآخرين بتمييز، وأن والدته تنخرط في أنشطة تخدم الصالح العام، فإنه يتشرب هذه القيم دون حاجة إلى محاضرات نظرية. التربية بالقدوة من أقوى الأدوات التي تمتلكها الأسرة في بناء الإنسان.
لكن هذا لا يعني أن على العائلة أن تُهمل مصالحها الخاصة، أو أن تتخلى عن طموحاتها في تحسين أوضاعها. بل المقصود ألا تُبنى هذه الطموحات على حساب الآخرين، أو على تجاهل القيم الإنسانية. فالرغبة في رفعة الأبناء يجب أن تسير جنبًا إلى جنب مع الحرص على رفعة المجتمع.
لقد أثبتت التجربة الإنسانية أن الحضارات التي نجحت في إرساء أسس العدالة والرحمة والتكافل، كانت تقف على أسر واعية، زرعت في أبنائها حب العلم والعمل والخدمة. ولم يكن صدفة أن تنهض مجتمعات حين قررت أن تُوسّع من مفهوم "الأسرة" ليشمل كل البشر، فيما يشبه عائلة إنسانية كبرى.
في السياق اليمني، ومع ما تمر به البلاد من تحديات، يصبح دور الأسرة أكثر حيوية وإلحاحًا. فهي الحصن الذي يقي الأطفال من تبعات الانقسام، والمدرسة التي يمكن أن تنشئ جيلاً يؤمن بأن مستقبل اليمن لا يُبنى على التناحر، بل على التكافل والعمل المشترك. يمكن لكل بيت أن يكون نواة للتغيير نحو الأفضل، ولكل أم وأب دور في إشعال شمعة أمل في هذا الظلام.
وفي النهاية، إن تقدم الحضارة لا يبدأ من قاعات المؤتمرات ولا من قرارات الحكومات فقط، بل يبدأ من البيت، من طريقة حديث الوالدين مع أطفالهما، من الأسئلة التي يُسمح بطرحها، من القصص التي تُروى، من الأحلام التي تُزرع في القلوب الصغيرة. فحين تزرع العائلة في أبنائها أن العالم بيتهم الأكبر، وأن كل إنسان أخٌ لهم في الإنسانية، فإننا نخطو خطوة حقيقية نحو حضارة تنتمي للجميع.

الكلمات الدلالية