اليمن.. توظيف الثروات وصراع النفوذ الصامت في اقتصاد ما بعد الحرب
لم يعد يفهم ما يجري في اليمن من منطق الحرب والهدنة، ولا عبر خرائط الجبهات المتحركة اليوم. هو عبارة عن تشكيل خريطة جديدة من قبل النفود الإقليمي والصراع على الثروة والسلطة. ربما يكون الأمر أعمق من ذلك بكثير، فهنالك اقتصاد يُعاد ترتيبه في الظل، وثروات يُعاد توظيفها خارج إطار الدولة، ونفوذ يُدار بهدوء شديد، بينما تتآكل الشرعية الرسمية إلى دور شكلي لا يتجاوز التمثيل السياسي. اليمن يتغير دون إعلان، كأنه يدخل مرحلة ما بعد الدولة، لا ما بعد الحرب والهدنة.
الحرب أضعفت الدولة، والهدنة علّقت هذا الضعف بدل معالجته، لكن الفراغ لم يبقَ بلا فاعلين. على العكس، امتلأ بقوى محلية وإقليمية تتعامل مع اليمن بوصفه مساحة موارد وممرات ومشاريع قادمة، لا دولة ذات سيادة مكتملة. النفط، الغاز، الموانئ، السواحل، والجزر لم تعد عناصر في مشروع وطني جامع، بل أدوات في معادلات نفوذ جديدة.
ومع تسارع المشهد في الجنوب بوضوح أكبر، لم يعد الحديث عن "قضية جنوبية" فقط، بل عن بناء استقلال ذاتي فعلي على الأرض، يبدأ بالاقتصاد قبل السياسة، وقد تتأطر بعودة تشغيل الموانئ بشكل جزئي، إدارة الموارد، وتنظيم حركة التجارة والخدمات، كلها مؤشرات على مسار يتجاوز فكرة الانتظار السياسي الجامد. الجنوب اليوم يُدار كمكون بالكاد قابل للحياة اقتصاديًا، حتى وإن بقي سياسيًا دون إعلان رسمي.
عيدروس الزبيدي يتحرك باعتباره رأس هذا المشروع الواقعي أمام المجتمع الدولي، فهو حتى اللحظة لا يطرح استقلالًا معلنًا، لأنه قد تسقط المظلومية، ويأتي من يعارضه، لكنه يرسخ أسسه اليومية الاعتيادية أمن، إدارة، موارد، وعلاقات إقليمية. الجنوب، في هذا السياق، لم يعد ورقة ضغط، بل عبارة عن مساحة نفوذ قائمة بذاتها، تتعامل مع العالم من باب المصالح لا من باب الشعارات. الثروات هنا لا تُهدر، بل يُعاد توظيفها لإثبات القدرة على الإدارة، وهي النقطة الحاسمة في أي مشروع سياسي قادم.
بالتوازي، وعلى نفس السياق، يتحرك طارق صالح على خط مختلف، محاولًا أن يستقل تنمويًا أيضًا وعسكريًا، لكن مقتطعًا الساحل الغربي، فتحوّل إلى نموذج آخر للاستقلال الذاتي غير المعلن، فهو يملك قوة عسكرية منظمة، سيطرة على ممرات حيوية، وإدارة أمنية واقتصادية مستقلة عن مركز الشرعية. طارق لا ينازع الجنوب خطابه، لكنه ينافسه في الفعل، كلاهما يبنيان نفوذهما خارج مؤسسات الدولة الرسمية، وكلاهما يدركان أن من يسيطر على الأرض والموارد هو من يفرض شروطه لاحقًا.
في المقابل، تبدو الحكومة الشرعية في وضع صوري متقدم. شرعية معترف بها دوليًا، لكنها غائبة فعليًا عن إدارة الثروات، وعن القرار الاقتصادي، وعن التحكم في الموانئ والمعابر. تحركاتها محصورة في إطار إداري محدود، ومحاولاتها الاقتصادية لا تتجاوز المعالجات المؤقتة. الدولة هنا لم تعد مركز الفعل، بل واجهة سياسية تُستخدم عند الحاجة الدبلوماسية.
إقليميًا، كانت الإمارات الأكثر وضوحًا في قراءة هذا التحول. تعاملت مع الجنوب والساحل باعتبارهما واقعًا طويل الأمد، لا مرحلة انتقالية. السيطرة على الموانئ والجزر والسواحل ليست مجرد تموضع عسكري، بل استثمار في الجغرافيا والاقتصاد. بناء نفوذ مستقر يبدأ بإدارة الموارد، لا بانتظار التسويات السياسية.
السعودية، من جهتها، أعادت تعريف أولوياتها. بعد سنوات من الاستنزاف، انتقلت من مشروع الحسم إلى إدارة المخاطر تأمين الحدود، حماية خطوط الطاقة، وضمان عدم الانهيار الشامل لم تعد تسعى لفرض نموذج سياسي موحد، بل لتثبيت حد أدنى من الاستقرار يسمح لها بالخروج المنظم من الحرب. علاقتها بالإمارات لم تعد تحالفًا مطلقًا ولا خصومة، بل توازن مصالح وتبادل أدوار محسوب مثلها مثل سلطنة عمان وقطر.
دوليًا، تراقب الصين بصبر. ترى في اليمن موقعًا استراتيجيًا مرتبطًا بمشروع "الحزام والطريق"، لكنها لا تدخل قبل اتضاح من يملك القدرة على حماية الاستثمارات. ما يجري اليوم هو اختبار لقدرة القوى المحلية على إدارة الموارد وتأمين الممرات، لا لاختياراتها الأيديولوجية.
مصر تتابع من زاوية البحر الأحمر وقناة السويس، وتفضّل الحضور الأمني البحري والتنسيق، لا التورط المباشر. أما إسرائيل، فحساباتها اقتصادية وأمنية بحتة. باب المندب بالنسبة لها ليس ملفًا يمنيًا، بل عقدة في شبكة التجارة العالمية ومشاريع الربط الإقليمي. لا تبحث عن وجود مباشر، لكنها معنية بألا يتحول هذا الممر إلى مساحة غير قابلة للضبط. ومع غزة والصمت لما يجري لها اليوم فهي تسعى إلى وضع الممر المائي وبشكل هادئ دون ضجيج.
في الشمال، يرسخ الحوثي سلطته كأمر واقع، يدير الأرض والناس والموارد عبر اقتصاد حرب مغلق، هو الحاكم والجلاد بذات الوقت، قائم على الجبايات والتحكم في السوق. اقتصاد لا ينتج تنمية، لكنه ينتج قدرة على البقاء والتفاوض والتهديد والابتزاز. الجميع يراه مشكلة، لكن الجميع يتعامل معه كجزء من المعادلة، لأنه يصارع لينتزع الاعتراف به دوليًا.
المشهد اليمني اليوم لم يعد صراعًا بين شرعية وانقلاب، بل خريطة نفوذ اقتصادي، ومن هنا نرى أن جنوب يُدير موارده كمكون ينتظر الاستقلال، ساحل غربي يُبنى كنقطة قوة ذاتية، شمال محكوم بسلطة أمر واقع، ودولة رسمية فقدت أدوات الفعل.
السؤال الحقيقي لم يعد عن الوحدة أو الانفصال، بل عمن يملك القدرة على توظيف الثروة وإدارة الحياة اليومية. من يسيطر على الميناء، الطريق، والموارد، هو من يكتب مستقبل اليمن. أما الشرعية، إن لم تتحول من رمز إلى فاعل، فستبقى شاهدًا على ولادة يمن جديد يُبنى الآن بصمت، وبمنطق المصالح، لا الخطابات.