اليمن بين سندان الظلم والاستبداد ومطرقة الفوضى والفساد نداء للإنقاذ قبل فوات الأوان
اليمن، بلد الأوجاع، أنهكتها الحروب العبثية، ومواطنوها أغلبهم جوعى ينخر الفقر في عظامهم، فأكثر من 80% منهم يعيشون تحت خط الفقر، ويفتقرون إلى ادنى الخدمات الصحية والإنسانية، وإلى الهامش المعقول من فضاءات الحرية!
واليمن تعاني من الانقسام السياسي والمذهبي والجغرافي، بفعل الفساد الذي يتحكم فيه ويديره مجموعة ساسة أغلبهم يمتهنون سرقة الأموال العامة والنهب الممنهج للموارد الوطنية السيادية، ويعتسفون الناس بجباياتهم المجحفة غير القانونية، ويمارسون المحسوبية بتعيين أقاربهم وأبناء جلدتهم وقراهم غير الأكفاء من الذكور والإناث الكبار والصغار، في مختلف المناصب الحكومية العسكرية والقضائية والدبلوماسية والأمنية!
ولا يعتريهم أدنى الحرج بسبب شيوع ممارسة الرشوة والابتزاز علنًا في مختلف المواقع الحكومية التي يديرونها، وعلى مختلف المراكز التي يشغلونها، فضلًا عن أنهم لا يستحون في قيامهم بقطع رواتب الموظفين ومصادرة أموال الناس المودعة في البنوك، وسد أبواب مصادر الرزق في وجوه عباد الله بقيامهم باحتكار السوق والسيطرة على التجارة والاقتصاد، مما دفع الملايين من أبناء اليمن إلى التشرد في شتى أصقاع الأرض، وألجأ الكثير من أصحاب رؤوس الأموال إلى مغادرة البلاد بأموالهم إلى الخارج، والكثير من أصحاب المشروعات الصغيرة اضطروا تحت ضغط الجبايات المتعددة والمجحفة إلى إغلاقها!
وبالمناسبة، فالفساد في التعليم هو الأكثر خطرًا -برأيي- حين تتحول المدرسة والجامعة وبيوت الله إلى فضاء لتلقين مذهبي عنصري فارغ، وحين يُهمَّش التعليم الحديث ويغيّب التفكير النقدي، فحينئذٍ يُصنع جيل مؤدلج منغلق الفكر وعاجز عن الفهم والإبداع وتحمل المسؤولية؛ وبشكل عام فهؤلاء الساسة هم الفاسدون بحجم الوطن، وهم السبب القوي في تدهور الوضع الاقتصادي والاجتماعي والتعليمي والسياسي في اليمن، وهم السبب في حرمان أبناء الشعب اليمني في الشمال والجنوب من أن يحيوا الحياة الكريمة، ومن أن يتمتعوا بحقوقهم الأساسية، إذ حولوا الخدمات التعليمية والصحية والإنسانية من حقوق عامة لجميع المواطنين إلى امتيازات محتكرة لذوي قربتهم وأتباعهم ومن يرضون عنهم...!
هذا البلد المنهك الموجوع بفعل فشل نخبته وعمالة أغلب كبار ساسته، له تاريخ عريق وحضارة قديمة، وآثار ومعالم تاريخية عظيمة، وتكتنز أرضه بثروات ومعادن هائلة، فضلًا عن كونه يتمتع بطبيعة خلابة، مع جبال وأودية وشواطئ جميلة، كما أن الشعب اليمني مشهود له بالطيبة ومعروف بكرمه وسخائه، وله قيم اجتماعية قوية ونبيلة، وله طموح وآمال كبيرة لمستقبل أفضل، مع رغبة في بناء دولة مدنية وديمقراطية!
باختصار، فاليمن بلد الأوجاع بسبب المعاناة التي يعيشها شعبه، وبلد الأحلام بسبب تاريخه العريق وطبيعته الخلابة وثرواته الهائلة وشعبه الطيب الطموح يتطلع لحياة كريمة، وهو يعيش اليوم لحظة فارقة في تاريخه. فالشعب اليمني، الذي عانى من ويلات الحرب والفقر، يطالب بوقف النزيف وبدء صفحة جديدة من الحوار والسلام.
السلطات الحكومية (الشرعية) والحوثيين، وكل سلطات الأمر الواقع في شرق اليمن وغربه وجنوبه وشماله، إنها لحظة الحقيقة، اعرفوا كلكم أن الشعب يعرف أن فيكم من لا يريد لليمن أن يخرج من هذه الحالة الراهنة، وأن الشعب يعرفهم حق المعرفة أنهم تجار الحروب والأزمات الذين يغذون النار ويزيدون من معاناة الناس.
واعرفوا كلكم أن الشعب اليمني كله بكل فئاته وجغرافيته، لا يريد أن يكون ضحية للعبة قذرة تدار من الخارج، وتنفذ في الداخل بأيادي ساسة وقادة انقلابيين ومرتزقة يقدمون مصالح الخارج على مصالح الوطن..!
الشعب يريد السلام، يريد الاستقرار، يريد أن يسترد دولته ويعيش بكرامة.
لهذا، نناشد الشرفاء في صفوف، السلطات الحكومية، وفي كل سلطات الأمر الواقع في اليمن كله، أن يجلسوا على طاولة الحوار، وأن يضعوا مصلحة الوطن فوق كل اعتبار، فالبقاء في المنطقة الرمادية سيكلف اليمن والأجيال أثمانًا باهظة، وأنتم أيها الساسة تجار الحروب السبب..
وسيزيد من الفقر وأنتم السبب.
وسيزيد من الجوع، وأنتم السبب.
وسيزيد من معاناة الناس وأنتم السبب.
وكونوا على يقين أن الشعب لا يمكنه أن يسمح بهذا، وليس من الحكمة في شيء استمراركم في التمادي باختبار صبره!
ونصيحتي أن تضعوا لصممكم عن أوجاع الشعب نهاية حتى لا يقذف بكم كلكم إلى طريق سيل الله، واسمعوا أصوات الشعب اليوم مختارين قبل أن تسمعوها غدًا مرغمين حين يأتيكم سيل الله "الجماهير"، فتقذف بكم إلى حيث لا تتمنون!
فالإخوة الحوثيون، الذين يسيطرون على العاصمة صنعاء بالغلبة وقوة السلاح، يجب أن يعرفوا أن الشعب اليمني لا يريد أن يكون رهينة لسياساتهم، وأن يعرفوا أن الناس يريدون أن يعيشوا في دولة مدنية، دولة قانون، دولة ديمقراطية، وأن الناس مرحبون بمن يعلنه صندوق الانتخابات رئيسًا لهم!
والحكومة، التي تمثل الشرعية، يجب أن تثبت أنها قادرة على تطهير ذاتها من عفن الفساد وسذاجة الطاعة العمياء للحليف، وأنها قادرة على قيادة البلاد نحو السلام والاستقرار. كما يجب أن تثبت أنها ليست مجرد واجهة أو مظلة للفاسدين ولتجار الحروب.
ويجب أن يعلم الجميع حق العلم أن ما يسمعون من أنين الناس وأوجاعهم إلا أقل القليل، وكل ما يسمعونه أو يقرؤون من نقد وسخط هَيِّن بالقياس إلى المسكوت عنه!
حكوماتنا وكل أطراف العمل السياسي في بلادنا الموجوع بظلمكم وفسادكم وطغيانكم واستبدادكم، اتقوا غضب الشعب، فالشعوب إذا غضبت لا تقف أمامها سلطات ولا جيوش، واستنطقوا التاريخ إن كنتم تعقلون!
وغضب الشعب اليمني آتٍ لا محالة، وسيجعلكم تندمون بقوة على تجاهلكم عن أوجاعه واختياراتكم المريحة البديلة عن مواجهتها بمعالجتها أو تخفيفها على الأقل، صدقوني تجنبوا سخط الشعب واتقوا غضبه، واعلموا أن قوة الله مع المظلومين وفي صفهم، وأنتم قد ظلمتم الشعب اليمني أيما ظلم، والله تعالى لا يرضى بدوام الظلم واستمرار الطغيان والفساد، وتدبروا آياته الناطقات والفاعلات والمحذرات جلت عظمته وانتو أخبر!
فما أنا إلا ناصح لكم أمين..!
اللهم فاشهد..!