تشومسكي في فخ "صناعة الرضا"
إذا كان ستيفن هوكينغ انجذب إلى مدار إبستين بوصفه العقل الغارق في النجوم، فإن ظهور اسم نعوم تشومسكي في مراسلات الملياردير المشبوه يثير إحراجاً أكبر. المفكر الذي قضى عمره في تفكيك آليات الهيمنة وصناعة القبول وجد نفسه داخل أحد مختبرات تلك الهيمنة، واسمه يظهر محفوظاً في مراسلات رجل حوّل المال إلى أداة اصطياد رمزي للنخب.
جلوس صاحب نظرية "صناعة الرضا" على مائدة إبستين منح المكان وقاراً لغوياً جاهزاً، وحوّل الشبهة إلى جلسة ثقافية، وألبس المال قناع المعرفة. وتحول المفكر من موقع الشارح إلى موقع الشاهد، ومن دور الناقد إلى قطعة معروضة في واجهة صالون أنيق، وكأن أفكاره صارت جزءاً من ديكور صامت يُفهم بالعين أو بابتسامة المصور التذكاري.
تكشف المراسلات أن إبستين لم يكن صديقاً عابراً لعالِم اللسانيات بل منسقاً دقيقاً للتفاصيل. رحلات خاصة من بوسطن إلى نيويورك ولقاءات منتقاة وطاولة تجمع تشومسكي ووودي آلن وايهود باراك وفضاء اجتماعي يُدار كما تُدار المؤتمرات، مع فارق بسيط أنه لا توجد أوراق علمية ولا بيانات ختامية وإنما صور ذهنية عالية القيمة.
هكذا يتحول المفكر إلى إثبات حضور يعلّق على الجدار. تشومسكي تحول إلى تلميذ مدرسة "الواقعية السحرية" للمال القذر. عشرات السنين في تفكيك هياكل السلطة لم تمنع لحظة واحدة من جعل الذكاء الراديكالي جزءاً من مراوغة اجتماعية، يتعلم فيها مفاهيم التمويل والطائرات الخاصة ولحظات موسيقى الجاز، كأنها مادة دراسية مطبوعة على ورق الذهب تحت إشراف رجل يحوّل المال إلى مشهد رمزي.