صنعاء 19C امطار خفيفة

رئيس الفراغ الوطني

رشاد العليمي رئيس بلا أفق وبلا سردية وبلا حلم وبلا خطاب. لا يلهم الناس ولا يخيف الميليشيات، ولا يشعل أي شغف وطني. حضوره يشبه موظفًا يفتح البريد الرسمي ويقرأ التقارير بصوت خافت، بينما البلد يحترق خارج نافذة مكتبه. كل كلمة يقولها، وكل قرار يبدو أنه يتخذه، ليست أكثر من تمرين متقن في إدارة الفراغ، لا في إدارة الدولة.

هو رئيس متقن فن التأجيل، محترف في ترحيل كل شيء إلى وقت لاحق، وبارع في إبقاء الفوضى ضمن حدود "مقبولة". لا يرى في انهيار الدولة درسًا، بل ظرفًا طارئًا يمكن التعايش معه إلى ما لا نهاية. يستهلك الزمن بدلًا من استثماره، ويترك الدولة تتدحرج بلا مقاومة، وكأن التأجيل تحوّل إلى استراتيجية وطنية بحد ذاته. لا يرفع صوته، ولا يغيّر النظام، ولا يحرّك شيئًا، حتى يظن الجميع أن الوضع، رغم كل شيء، طبيعي. وهذا النوع من "القيادة" يصلح لإدارة الجمود، لا لإدارة دولة.

في عهده لم يتحول مجلس القيادة الرئاسي إلى مؤسسة بل إلى ساحة انتظار. كل طرف يحتفظ بسلاحه ومشروعه وارتباطاته، بينما يكتفي العليمي بدور منسق المرور السياسي. يمنع التصادم المباشر، لكنه لا يحدد الاتجاه. النتيجة سلطة بلا هيبة، وشرعية بلا أسنان، ورئيس يعرف كل شيء عن التوازن، ولا شيء عن الحسم.

العليمي يفتقر إلى الخيال السياسي، لا بمعنى الأحلام الكبرى بل بمعنى القدرة على تخيّل مخرج. لا يقدّم سردية، لا يملك قصة يرويها للناس، ولا حتى وهمًا جذابًا. في بلد يعيش على الخطابات، يظهر رئيس بلا خطاب. لغته تقنية، حضوره باهت، ومفرداته أقرب إلى تقرير أمني منها إلى خطاب دولة. لا يلهم أحدًا، ولا يخيف أحدًا، وهذه معضلة كبرى في بلد لا يحترم إلا من يفعل أحد الأمرين.

هو رئيس المرحلة التي لا تريد أن تنتهي، لأن نهايتها تعني مواجهة الأسئلة المؤجلة. رجل يصلح لإبقاء الوضع كما هو، لكنه غير صالح لنقله إلى مكان آخر. وفي بلد مثل اليمن، هذا النوع من القيادة ليس محايدًا، بل مكلف. لأن الوقت هنا ليس عنصرًا محايدًا، وكل يوم بلا قرار هو، في جوهره، قرار ضد الدولة.

العليمي لا يقود الانهيار، لكنه لا يمنعه. لا يصنع الكارثة، لكنه يتعايش معها ببرود مهني. وربما هذه هي مشكلته الحقيقية. أنه يتقن البقاء داخل الأزمة، لكنه لا يعرف كيف يخرج منها، ولا يبدو أنه يفكر جديًا في ذلك.

وحين تشتد اللحظات، يختار لغة التعمية والبرود. لا يسمي الأشياء بأسمائها، لا يحدد الخصوم، لا يعلن النجاحات، ولا يواجه الفشل. رئيس يفضّل السلامة اللفظية على السياسة الواقعية، ويخشى أن يغضب الجميع، فينتهي به الأمر غير قادر على إرضاء أي أحد. رئيس الفراغ الوطني، بامتياز.

الكلمات الدلالية