غرفة حسن!
وتدور الأيام فنفتقد أجملها... وأحسنها.. أغناها بهجة.
الزمان: حين كانت الساعة تدور فلا ندري بأنفسنا.
والمكان: ذلك الذي كنا نحج إليه كل صباح.. لا بد.. لا بد.
لا يكاد يمر صباح لا نذهب إالى حيث كنا نحرص على أن نكون.
من منا يمكن أن ينسى المبنى القديم لوزارة الإعلام، وضف إليها الثقافة بين الحين والآخر...
في كل زاوية لنا ذكرى، وفي كل منعطف من المبنى ذي الطابقين ثم الثلاثة، ألف حكاية...
وقبل المبنى بوفية عبدالله الحمادي، المعلم الذي سكن أرواحنا بلطف الرجل، ونضاله في سبيل العيش الكريم... كم جلسنا على كراسي البوفيه، كم تحدثنا، كم ضحكنا، كم سألنا عن بعضنا، كم وكم...
إذا أردت فلانًا من الزملاء ستجده هناك، وإذا غاب عنك آخر تلتقيه هناك...
نتوزع بين تلك المكاتب لا نبرحها، فإذا مررت الآن وسألت الجدران ستحدثك عن عز الدين ياسين، عن الدحان، عن إسماعيل الكبسي، عن المترب، عن عبدالرحمن مطهر، عن ثابت الغياثي، عن حسين العزي، عن عباس الديلمي، عن إبراهيم عبدالحبيب، عن حميد الدين، عن حميد زنبور، عن أحمد ثابت الأنيق، عن لجنة رقابة أفلام السينما المساح ورفاقه... وهناك ستجد حسين باسليم ومحمد شاهر...
ستجد الكون كله هناك في مكتب الصحافة والمعلومات، جرائد ومجلات، من آخر ساعة والأهرام حتى النهار والأنوار، وبينهما الرأي العام والقبس والسياسة... هناك تجد صباح الخير وروز اليوسف والموعد والكواكب والمصور، وما شاء لك أن تجد من مطهر حسين نيابة عن إبراهيم إذا انشغل... هناك علي الأسدي، ومن الممر يمر الغابري...
وفي المسرح الصغير ستجد روح حسين الأسمر، وإميل جرجس، ومديحة الحيدري، ونبيل حزام، والفأر في قفص الاتهام... كم ستذكر وكم ستتذكر!
زمن طويل مر من هناك حتى أضحى المبنى يبابًا لا روح فيه... كم من الأقدام صعدت ذلك السلم، وكم نزلت منه... وكم مروا ذهبوا عادوا ولم يعودوا، أين أحمد الراعي عنوان المكان اسمه من كنا نطلق عليه تحببًا "وزير الوزير"، أين محمد علي الشامي، وكم قصيدة كتبها على كرسي اليمن الجديد؟ وأين روح إسماعيل الوريث ومحمود الحاج وعبدالباري ومحمود صغيري وكم وكم... وكم من الوزراء كانوا علامات وصاروا ذكرى حسنة في دفتر المبنى القديم:
يحيى العرشي، حسن اللوزي، باسندوة، عبدالرحمن الأكوع، أحمد الرعيني، أحمد دهمش، وآخرون مروا من هناك...
وكم من الوكلاء والوكلاء المساعدين...
ونحن...
ماذا عنا؟
لقد كنا جزءًا من المشهد.
نبدأ من بوفية الحمادي، وننتهي عند إبراهيم، قل عند عبدالكريم بدري، قل عند علي شيكان، قل عند عبدالملك السندي، لنحط الرحال صباحات الطفر القصوى عند حسن، وما أدراك ما حسن!
المساح، بجاش، أحمد قاسم دماج، محمد الشامي، زبائن لابتسامة حسن مشراح وهو ليس بالشخص العادي، بل الإنسان الجميل شكلًا وموضوعًا:
أنت طفران ولا يوجد في الجيب يا مساح حق الشاي، الحق لك رشفة عند حسن، ستجد الكأس لاتزال مملوءة... أنت خرمان يا بجاش لخيط من الدخان، أسرع ففي يد حسن حبة روثمان، خذ نفس وارتشف من كأس الشاي العتيق، واسأل عن الشيخ الذي لا يكذب خبرًا:
يطل بوجهه البشوش:
يا حسن أين الكلب ابن الكلب؟
يضحك حسن:
اسأل ابن الشيخ.
أضحك أنا:
نزل الآن عند إبراهيم عبدالحبيب يدور جرائد وسيعود.
تطل ابتسامة ابن المساح سريعًا:
أين أنت يا أحمد قاسم؟ نحنا طفارى يا أخي.
يضحك الشيخ:
أمي أرسلت الدخن، تعالوا اليوم نتغدى عصيد.
لا أكرم من أحمد قاسم لقمة وشعرًا وموقفًا..
يظل حسن مشرح من يجمع الطفارى والمحتاجين، موزعًا بين كأس الشاي، من بقي ذلك الصباح بدون رشفة بن أو شاهي!
عالم لو أن هنا صناعة سينما لصنع مخرجًا عبقريًا وكاتب سيناريو مبدعًا فيلمًا قصيرًا اسمه "غرفة حسن" أو عالم حسن..
زمن ذهب كان حسن مشرح مرجعنا إليه، نذهب بهمومنا وحاجتنا، نضم البضاعة كلها إلى همومه وحاجته، فنجد كل صباح اليوم يدبره المساح، آخر أنا، ثالث الشيخ، رابع أي مرتاد جميل لغرفة حسن التي كثرت فيها الكراسي والماسات، وغاب عنها البشر إلا حسن، لأنها غرفة الطفارى الطيبين!
زمن جميل ذهب وولى، وظل يسكن أرواحنا، ذهب رموزه، توزعت أيدي سبأ، لم يبقَ منه إلا بوفية الحمادي في الجانب الآخر، وشوقه لمن مروا...
كم هو الحنين يسبق الشيء إلى تلك اللحظة الأجمل في زمننا، زمننا الشخصي الذي قولبناه كما نريد بفهمنا، بقدرتنا، بمواقفنا...
يظل المبنى القديم للإعلام معلمًا على زمن مر وتوزع بين بشر طيبين مبدئيين، وآخرين انتهازيين، لكنهم ضاعوا، لم يبقَ في الذاكرة سوى الذهب الذي كلما مر الوقت ازداد لمعانًا...
أين أنت يا حسن؟
هذا بعض مما في الذاكرة، وليس كله ولا نصفه.
يلزم الزمن كتاب للمبنى وأهله.
للذكرى ومن يحملها.
للتذكير ومن له قدرة على أن يحكي..
اليوم كلما أرى حسن أمامي في الفيس، ولم يعد هنا، أحس بالحنين إلى ذلك الزمن..
شيء اسمه الحنين يا صاحبي، لم يكذب محمد عبدالولي، ولم يدعِ.
بالفعل في أعماق كل منا شيء اسمه الحنين.
لقد تركت هنا دمعة وذهبت...
