صنعاء 19C امطار خفيفة

بلقيس في إسطنبول: البداية والنهاية بين الإعلام والسياسة والهوية

بلقيس

أصدرت قناة بلقيس الفضائية المملوكة للناشطة اليمنية الحائزة على جائزة نوبل توكل كرمان، قبل أمس الموافق 28 نوفمبر، بيانًا قصيرًا قالت فيه إن ظروفًا قاهرة أوقفت بثها من إسطنبول. لا توضيح، لا تفاصيل، فقط جملة عابرة تركت جمهورها في حالة تساؤل وتعاطف وتشفٍّ.

وبعد عشر سنوات من العمل الإعلامي -اتفقنا معه أو اختلفنا- استيقظ عشرات الموظفين العاملين في هذه المؤسسة على خبرٍ موجع: ليجدوا حالهم بلا عمل، في مدينة عملاقة لا ترحم من يكافحون لتأمين معيشتهم، خصوصًا في ظل موجات التضخم المتصاعدة في البلد.
بدأت القصة في 2015، وانتهت في أواخر 2025. بلقيس ليست الأولى ولا الأخيرة، لكن عقدًا من الزمن يكفي لتغيير كل شيء. تركيا، البلد الذي احتضن قناة بلقيس اليمنية، طوى صفحات من الخصومات الإقليمية، بينما استمرت القناة في صراع مفتوح مع الخصوم أنفسهم في الداخل اليمني، مرورًا بالإمارات والسعودية، ووصولًا إلى تغطية المظاهرات الأخيرة في المغرب؛ كل ذلك أحيانًا بمهنية، وأحيانًا بدوافع الممول والمالك. ويبدو أن المشكلة تكمن مع مالكة القناة -توكل كرمان- لا مع المؤسسة الإعلامية نفسها، نظرًا لخطاباتها التي لا تتوافق مع طبيعة المرحلة الحالية.
صارت إسطنبول خلال السنوات الماضية محمية للمعارضة العربية، أو وكرًا للإخوان المسلمين كما يصفها البعض في زمن ما بعد الربيع العربي، لكنها في الوقت نفسه احتضنت ملايين السوريين الفارين من جحيم الحرب. المدينة مفتوحة ومترامية الأطراف، تضم كل الأطياف، إلا أن الصوت الأعلى كان للنخب الإسلامية -خصوصًا الإخوان المسلمين- القادمين من مصر، وليبيا، واليمن، وغيرها. هذا الانفتاح منح تركيا قيمة ثقافية واقتصادية، لكنه في الوقت نفسه حمّلها فاتورة سياسية باهظة. ففي مخيلة أردوغان، كان هذا المسار محاولة لصياغة توازن جديد بين روحي الشرق والغرب، بينما رآه آخرون انحرافًا نحو الشرق وانتقاءً للنخب الإسلامية على حساب الروح الكمالية. وهكذا، ظل هذا المسار بين قبول وريبة ورفض داخلي، في وسط نخبوي ملتهب تتنازعه التيارات الإسلامية والعلمانية والقومية، ولكلٍّ رؤيته وتصنيفاته. وعليه، تُقاس الذات الأجنبية هناك حسب معايير الهوية والانتماء: "يشبهنا... أم لا يشبهنا". وقد سمعت هذا التعبير من نخبة تركية علمانية خلال إحدى النقاشات حول اللاجئين السوريين: "اللاجئ القادم من دول البلقان يشبهنا... أما اللاجئ السوري فلا يشبهنا"، وهو يعكس جدل الهوية وأزمتها في تركيا، بين الاعتقاد النمطي بصعوبة اندماج العربي التقليدي في المجتمع التركي الحديث من جهة، والتجريف التدريجي للإرث الكمالي من جهة أخرى.
إسطنبول تشبه القاهرة، فهي مكان يجد فيه العربي -محافظًا كان أو ليبراليًا- مساحة للحياة، لكن تواجهه ثلاث عقبات رئيسية: صعوبة التواصل بسبب اللغة وضعف إجادة الأتراك للغة وسيطة مثل الإنجليزية، والقطيعة بين النخب التركية والعربية، وأخيرًا حالة النفور الاجتماعي الناتج عن موجة اللجوء السوري، التي يراها كثير من الأتراك "صدمة ديموغرافية وثقافية". نتيجة لهذه العوامل وتراكم الضغوط -داخلية وخارجية- اضطرت كثير من النخب العربية إلى الرحيل مجددًا، وكأن الهجرة قدر لا ينتهي. ومع تشدد الداخل التركي في التعامل مع الأجانب، وسعي المعارضة لتقليص هذا الحضور الكثيف، إضافة إلى الضغوط الناتجة عن الملف الخارجي الذي يدفع نحو عودة بعض اللاجئين أو ترتيب تفاهمات إقليمية للتهدئة، بدأت إسطنبول تضيق أكثر فأكثر، ومع مرور الوقت سيغدو البوسفور والفاتح مجرد ذكرى.
هكذا أصبحت إسطنبول اليوم مدينة بوجهين: فرص واسعة... وشكوك أوسع. استثمارات عربية ضخمة... ومخاوف إقليمية ممن يعمل من قلب تركيا. حزب العدالة والتنمية نفسه يحمل عبئًا ثقيلًا منذ الربيع العربي وأزمة قطر وصولًا إلى ما بعد 7 أكتوبر. في إسطنبول قُتل خاشقجي؛ ومنها تُبث قنوات إخوانية ومعارِضة؛ وفيها تقيم قيادات من الإخوان وحماس. غير أن هذا المشهد لم يدم طويلًا؛ فما إن بدأ قطار التهدئة والصفقات بالتحرك -من المصالحة الخليجية، إلى تحسن العلاقات التركية -السعودية -الإماراتية، وصولًا إلى التقارب مع مصر- حتى تغير كل شيء. عندها طلبت القاهرة من أنقرة ضبط الإعلام المصري المعارض في إسطنبول، فاستجابت الأخيرة وأُغلقت قناة مكملين وغيرها.
وكما تحملت قطر تبعات احتضان بعض قيادات حركة حماس، يبدو أن تركيا هي الأخرى في طريق تحمل نصيبها. إسرائيل قصفت موقعًا لقيادات حماس في الدوحة وهددت باستهداف أي خطر في أي مكان، ما دفع البعض للتساؤل: هل يمكن أن يصل ذلك إلى تركيا نفسها؟ ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد؛ إذ انتهى مؤخرًا بقرار تنفيذي للرئيس الأمريكي ترامب يصنف بعض فصائل الإخوان جماعات إرهابية.
يبدو أن الأمر أكبر من مجرد إيقاف قناة بلقيس بعد عشر سنوات من البث. فالسؤال الأوسع الذي يفرض نفسه هو: هل نحن أمام تفاهم سياسي يطوي صفحة "إسطنبول العربية" ومرحلة "إخوان إسطنبول"؟ ومع من تحديدًا؟ هل يمثل القرار خطوة تركية داخلية لمراجعة الإرهاق الذي سببه الحضور الكثيف للنخب العربية، إسلامية واخرى؟ أم أنه يأتي ضمن شبكة تفاهمات إقليمية مع السعودية والإمارات ومصر، تعيد رسم ملامح المنطقة بعد ثلاثية صراعاتها الممتدة من الربيع العربي، مرورًا بأزمة الخليج، وصولًا إلى ما بعد 7 أكتوبر؟
أحد موظفي القناة كتب أنهم لم يعرفوا بالإغلاق إلا لحظة دخولهم الاستوديو. لو كان الأمر قضائيًا، لكان شكله مختلفًا. قبل فترة قريبة، توعدت السلطات المغربية بمقاضاة قناة بلقيس بتهمة التحريض وإثارة الفتنة خلال المظاهرات الأخيرة في البلاد.
على أية حال، إغلاق مؤسسة يمنية يعيش منها عشرات اليمنيين في إسطنبول موجع، وله أثر إنساني ورمزي كبير. فهو يعكس حالة اليمني في كل مكان: يدفع ثمن حرب لا يعيشها وحده في وطنه، بل يعيشها في غربته أيضًا.
تركيا لها فضل كبير على اليمنيين -هذا لا جدال فيه- فقد احتضنت طلابًا ومقيمين وفتحت أمامهم فرصًا حقيقية. غير أن ما يجري اليوم لا يتعلق بفضل أو جحود، بل بطبيعة مجتمع وسياسة تتحركان وفق مزاج اللحظة وتقلباتها. فالانفتاح التركي لم يكن يومًا ثابتًا؛ ولولا التحول الذي قاده حزب العدالة والتنمية وانفتاحه على العالم بعد عقود من الانغلاق والحذر الذي طبع النخب الكمالية، لما حصلتُ أنا -وآلاف غيري من أبناء الشرق والغرب- على منحة دراسية في ذلك البلد، ولما وُجدت أصلًا قناة بلقيس، ولا مشايخ دين ينتمون لحزب الإصلاح اليمني، مثل صعتر والزنداني، في إسطنبول.
وفي النهاية، فإن الحرية التي منحتها تركيا لنخب الربيع العربي قامت على دافعين: دافع إنساني وأخلاقي يُعد أحد أبرز مصادر القوة الناعمة لحزب العدالة والتنمية، ودافع آخر وظيفي تُوظف فيه هذه النخب ومؤسساتها في خدمة السياسة الإقليمية للحزب.
وبين سؤال: ماذا جرى لبلقيس؟ وسؤال: ما مصير الإخوان ومن يرتبط بهم في تركيا؟ يبرز سؤالان جوهريان آخران: الأول يطرحه العربي: ماذا سيكون مصير آخرين في حال تغير النظام الحاكم؟ والثاني يطرحه الأتراك أنفسهم: كيف سُمح لنخب عربية بممارسة معارضتها من إسطنبول، بينما ضُيّق الخناق على نخب ومؤسسات تركية معارضة داخل بلدها؟
هكذا، يظل الإعلام وسيلة لغاية أكبر، وتبقى تركيا جميلة كعادتها، لكنها تمنحك فقط نصف استقرار ونصف حلم، وتتركك معلقًا في منتصف الطريق بين الشرق والغرب، وبين الماضي والحاضر.

الكلمات الدلالية