صنعاء 19C امطار خفيفة

العلاهية.. حكاية صغيرة في سجل الغلو

تيار خرج من أطراف العاطفة الدينية ومضى في رحلة الغلو حتى نهايتها، فاستقر في منطقة غامضة تتجاوز حدود التأويل إلى عمق الأسطورة. ظهرت العلاهية كتأويل متطرف يرفع الإمام من مقام القيادة إلى أفق تتداخل فيه إشارات الإنسان وإيحاءات الغيب.

تكاتفت الأسئلة حول معنى السلطة الروحية وموقع آل البيت في قلب التجربة الإسلامية، فبرزت العلاهية كرؤية اندفعت نحو تقديس الشخصية العلوية بشكل مطلق، معتبرة أن الجوهر الإلهي اتخذ من صورة علي بن أبي طالب مظهراً له، فتجاوزت الإمامة حدود التكليف البشري إلى مقام الألوهية الصرفة.

ارتبطت هذه الفرقة باسم علباء بن ذراع الدوسي، الاسم الذي تذكره كتب المقالات والفرق، بوصفه صاحب دعوة حملت التقديس إلى أفق بعيد عن المعنى. المعنى الذي استقر في مدارس الفقه والكلام.

تشكلت الرؤية العلاهية في القرن الثاني الهجري داخل مدينة الكوفة، حول فكرة تجعل الإمام مركز الحركة في العالم. في خطابهم يتحول علي بن أبي طالب إلى حضور تتجلى فيه الإرادة العليا، فتتشكل حوله هالة رمزية تتداخل فيها حدود البشر والقداسة. يحل اللاهوت في الناسوت، فيغدو الإمام نقطة التقاء بين السماء والأرض، كأن المعنى الإلهي وجد في جسده مرآة تعكس أثره في الكون.

من داخل هذا البناء ظهرت فكرة الحلول، التي تمنح الشخصية التاريخية بعداً كونياً. يتحدث الخطاب العلاهي عن حضور إلهي يتجلى في جسد الإمام، ثم تتسع الدائرة لتعيد ترتيب العلاقة بين النبوة والإمامة. تغدو الإمامة في مخيلتهم مقاماً تتصل به حركة الرسالة نفسها، ويتشكل تصور خاص للمعاد، حيث تنتقل الروح بين الأجساد في مسار دائري، يربط الحياة بسلسلة من التحولات المتتابعة.

الشريعة أخذت معنى مختلفاً مع هذا النسق الباطني، فتحولت العبادات إلى رموز تشير إلى معرفة الإمام. المعرفة تُقدم باعتبارها الباب الذي ينفتح على المعنى العميق، فتغدو الطقوس إشارات إلى سر روحي يتكشف لمن بلغ مقام الإدراك.

في البيئة الشيعية التي حاولت هذه الأفكار الانتساب إليها، جاء الرد واضحاً، إذ تنقل المصادر عن جعفر الصادق رفض هذا الاتجاه، والتنصل من أقوال علباء بن ذراع، مع تأكيد أن الأئمة عباد لله يُجرى عليهم ما يُجرى على البشر من حدود العبودية. من هنا تبلورت مسافة بين التشيع الإمامي وتيارات الغلو، التي جعلت من العاطفة باباً لتأويلات بعيدة.

داخل الفضاء الإسلامي الأوسع، نظر علماء الكلام والفقه إلى العلاهية كمثال على المسارات التي تفتحها المبالغة في التقديس، حين تنفصل عن ضوابط النص، فدخلت هذه الفرقة كتب الفرق باعتبارها أثراً فكرياً، يكشف عن ظاهرة الغلو أكثر مما يعبر عن مذهب مستقر.

مع مرور الزمن تجددت مظاهر الفكر العلاهي في جنوب العراق الحديث منذ عام 2020. ظهرت جماعات صغيرة تُعرف بالعلاهية أو حركة القربان، يقودها عبدالعظيم صاحب، المعروف باسم عبد علي منعم ولقبه "المولى"، ويقيم حالياً في إيران بعد هروبه من العراق. يمارس أتباعها قرعة لاختيار شخص يُقدم قرباناً لمعتقداتهم الغامضة، وسُجلت عشرات حالات الانتحار خلال الأشهر الأخيرة في مدن وقرى جنوب العراق. هذه الجماعة التي يقتل أفرادها أنفسهم برضاً تام، يتسع انتشارها بين الشباب الشيعي الضائع، ويكتنفها غموض كبير.

التاريخ لم يمنح العلاهية زمناً طويلاً كي تتحول إلى تقليد دائم. الرفض الصريح من أئمة الشيعة، وضغوط السلطات في العهدين الأموي والعباسي، دفعا حضورها إلى الظل حتى تلاشت صورتها التنظيمية. بقي اسمها في سجل الفرق كحكاية صغيرة، تروي إحدى لحظات الغلو في تاريخ العقائد، وتكشف كيف يمكن للفكر العلاهي أن يجد مساحات جديدة حتى في العصر المعاصر.

الكلمات الدلالية