صنعاء 19C امطار خفيفة

عيد الجلاء بعد 58 عاماً: احتفاء منقسم وأسئلة مفتوحة عن مصير الدولة اليمنية

عيد الجلاء بعد 58 عاماً: احتفاء منقسم وأسئلة مفتوحة عن مصير الدولة اليمنية

احتفل اليمنيون شمالاً وجنوباً، هذا العام، بالذكرى الـ58 لعيد الجلاء في 30 نوفمبر، كلٌّ بطريقته ورؤيته لما يعنيه هذا اليوم. وبينما تتنازع أطراف الصراع على أحقيّة الاحتفاء بيوم الاستقلال، يرى سياسيون وصحفيون ومثقفون تحدّثوا إلى "النداء" أن الأولوية اليوم يجب أن تتجه نحو نقاشات جادة تعيد تقييم مسار ثورات سبتمبر وأكتوبر ونوفمبر، وتستخلص دروس الماضي بما يساعد اليمنيين على فتح صفحة جديدة تليق بنضالاتهم وتضحيات روّاد التحرر.

الإرث الاستعماري

يرى الكاتب الصحفي علي سالم المعبقي أن استحضار ذكرى الثلاثين من نوفمبر لا يكتمل دون التوقف أمام حقائق تاريخية أساسية. فإلى جانب نضالات الثوار اليمنيين، ساعدت عوامل دولية في تسريع خروج آخر جندي بريطاني من الجنوب، أبرزها الإنهاك الاقتصادي والعسكري الذي أصاب بريطانيا بعد الحرب العالمية الثانية، وصعود حكومة عمالية دفعت باتجاه إنهاء المستعمرات، إلى جانب تأسيس الأمم المتحدة، وانتشار ثقافة حقوق الإنسان ورفض الاستعمار داخل أوروبا ذاتها.
ويشير المعبقي في حديثه لـ"النداء" إلى أن هذه التفاصيل موثقة في الأرشيف البريطاني، مضيفاً: «السؤال الجوهري اليوم ليس كيف خرج الاستعمار، بل ماذا حقق اليمنيون بعد خروجه؟».
علي سالم المعبقي
ويتوقف للقول إن القوى الوطنية التي تسلمت الحكم بعد الاستقلال لم تستثمر الإرث الإداري والقانوني الذي تركته بريطانيا، بل دمّرته - في رأيه - وأقامت بدلاً عنه أنظمة تسلطية حدّت من الحريات وضيّقت على المجتمع.
ويذهب المعبقي إلى أبعد من ذلك، معتبراً أن ما يسميه بـ"الاستحمار الداخلي" أكثر خطراً من الاستعمار نفسه، وأن مراجعة مسارات ما بعد نوفمبر وثورات المنطقة العربية لا تحتاج شعارات، بل تحتاج إلى قياس عملي قائم على: المؤسسات، الحريات، القوانين، ومستوى الرفاهية العامة.

نخب فشلت في السلم والحرب

من جانبها ترى الكاتبة والأديبة نجلاء العمري أن ذكرى الجلاء تستدعي في الوجدان صلابة الإرادة اليمنية التي انتصرت على الإمبراطورية التي "لا تغيب عنها الشمس"، وأسّست بداية ليمن جديد، لولا ما تعرضت له البلاد لاحقاً من صراعات ومؤامرات داخلية وخارجية.
وتقول العمري لـ"النداء": «واقع اليمن اليوم مؤلم وشبه منهار، وهذا الانهيار ينعكس على حياة المرأة بشكل مضاعف، فتتراجع حقوقها التي اكتسبتها عبر عقود من النضال بسبب الحرب والنزوح وغياب أبسط الحقوق الإنسانية».
نجلاء العمري
وتنتقد العمري أداء النخب، مؤكدة أنها لم تتمكن من إدارة البلاد في أوقات السلم حتى تُطالب بإدارة مرحلة الحرب، مضيفة أن غياب الرقابة وتصدّر أصحاب المصالح للمشهد جعلا مسار الإصلاح أكثر تعقيداً.

مسار السلام

بدوره، يستعيد العقيد فارس الكندي، مدير الشؤون الخارجية في التوجيه المعنوي والعلاقات العامة بوزارة الداخلية، دلالات 30 نوفمبر بوصفه محطة محورية في تاريخ جنوب اليمن. ففي هذا اليوم من عام 1967 انتهى رسمياً الوجود البريطاني بعد 129 عاماً، لتبدأ حقبة الدولة الوليدة: جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية.
غير أن الكندي يلفت إلى أن مرحلة ما بعد الجلاء لم تُبنَ على انتقال منظم للسلطة أو دعم دولي يمكّن الدولة الجديدة من النهوض، ما ترك الجنوب أمام تحديات كبيرة عصفت باستقراره عقوداً طويلة. ويرى جزء من الرأي العام الجنوبي بأن هذه الفجوة في عملية الانتقال تمثل مسؤولية تاريخية تقع على عاتق بريطانيا.
فارس الكندي
ويضيف الكندي في حديثه لـ"النداء" أن الشمال بدوره عاد إلى دائرة الصراع، وكأن ثورة سبتمبر لم تترسخ بما يكفي لخلق دولة مستقرة. وفي سياق الذكرى، تتجدد اليوم الدعوات الموجهة إلى المملكة المتحدة للعب دور إيجابي وأكثر فاعلية في دعم عملية السلام، باعتبار ذلك - وفق أصوات عديدة - استحقاقاً أخلاقياً مرتبطاً بمرحلة الخروج من عدن.
ويؤكد أن استقرار اليمن شمالاً وجنوباً لن يتحقق إلا بمعالجة جذور الأزمات، والاعتراف بالأخطاء التاريخية، وإشراك القوى الدولية المؤثرة في دعم التنمية وإسناد جهود الدولة، بما يعيد لذكرى الجلاء معناها الحقيقي: التحرر… لا الفراغ الذي قاد إلى نصف قرن من الصراع.

الكلمات الدلالية