الأسرة اليمنية: حجر الزاوية في ترسيخ التعايش المجتمعي
في ظلّ التحديات المتسارعة التي يعيشها مجتمعنا اليمني اليوم، تقف الأسرة أمام مسؤولية كبرى لا تقل أهمية عمّا تحمله الدولة أو المؤسسات الاجتماعية. إذ إن الأسرة، منذ القدم، كانت الحاضن الأول للقيم والمبادئ، وهي التي تزرع في الفرد أول بذور الانتماء، والتسامح، والاحترام المتبادل.
ولعلّ ما يمر به اليمن اليوم من أزمات سياسية واقتصادية وثقافية، يجعلنا نعيد النظر بعمق في الدور المحوري الذي يمكن أن تلعبه الأسرة في تعزيز التماسك المجتمعي وبناء أرضية مشتركة للتعايش.
في المجتمع اليمني، ورغم كل ما مرّ به من صراعات وتحولات، بقيت الأسرة متماسكة إلى حد كبير، محافظة على روابطها، مستندة إلى إرث ثقافي وديني عريق، يعلي من قيمة التعاون والاحترام المتبادل بين أفراده. غير أنّ واقع اليوم يستوجب منا أن نطور هذا الدور، وأن ننقله من مجرّد تماسك داخلي إلى قدرة فاعلة على بناء مجتمع يتقبّل الاختلاف ويحترم التنوّع، ويؤمن بأن قوة المجتمع في تنوعه، لا في تشكيله القسري كلون واحد.
فالأسرة ليست فقط وعاءً للتربية والتنشئة، بل هي بمثابة مختبر إنساني صغير، تتفاعل فيه شخصيات متباينة، وآراء متعددة، ومشاعر متقلبة. وهي بهذا المعنى مدرسة يومية لصناعة التفاهم والتسامح والتقدير المتبادل. إنّ تجربة العيش المشترك بين الأب والأم، والإخوة والأخوات، تُنمّي في الفرد مهارات الحوار، وحسن الإنصات، وتقبّل الآخر المختلف. فإذا نجحنا في ترسيخ هذه القيم داخل الأسرة، فإن الفرد اليمني سيحملها معه إلى فضاء المجتمع الأوسع، ويُصبح قادرًا على بناء علاقات إنسانية سليمة تتخطى حدود القبيلة أو الطائفة أو الجغرافيا.
من هنا، فإن تعزيز التعايش المجتمعي يبدأ من داخل جدران المنزل. وهنا تبرز أهمية القيم التي يجب أن تترسّخ في كيان الأسرة. أول هذه القيم هي العدالة، والتي تقتضي أن يُعامل جميع أفراد الأسرة بالمساواة، وأن تُمنح الفرص والحقوق دون تمييز. ثم يأتي الاحترام المتبادل، وهو حجر الأساس في أي علاقة إنسانية صحية. احترام الأب للأم، واحترام الأبناء للوالدين، واحترام الإخوة لبعضهم البعض، يخلق مناخًا يجعل من الحوار أسلوبًا لحلّ الخلافات، لا العنف أو الإقصاء.
كذلك لا بد من غرس قيمة الصدق كأساس للثقة، وقيمة التعاون كأسلوب للعيش، وقيمة الخدمة للغير كمبدأ يعزّز الانتماء والمسؤولية. فحين يُربى الطفل على أن له دورًا في خدمة الآخرين، تنشأ لديه روح المبادرة، ويكبر وهو يدرك أنّ له مسؤولية تجاه مجتمعه.
ولأن اليمن بلد متنوّع في ثقافته ولهجاته ومذاهبه وأديانه ومناطقه، فإن الأسرة تُشكّل المكان الأنسب لغرس قيمة الاحتفاء بالتنوّع. أن نعلّم أبناءنا أن الاختلاف لا يعني التهديد، بل هو مصدر غنى وتكامل. هذه الفكرة لو ترسّخت في جيل جديد، فإنها ستكون صمّام أمان لمستقبل البلد بأكمله.
ولهذا إذا أردنا لمجتمعنا اليمني أن ينهض من أزماته ويخطو نحو مستقبل أفضل، فإن البداية الحقيقية ليست في السياسات ولا في المؤتمرات فقط، بل في داخل بيوتنا، في الطريقة التي نتعامل بها مع بعضنا البعض كأفراد أسرة. فكما تبدأ الشعلة الصغيرة من عود ثقاب واحد، يمكن أن تبدأ نهضة مجتمع بكامله من أسرة واحدة قرّرت أن تجعل من التعايش قيمة يومية لا شعارًا عابرًا.