الرحيل المُرّ.. مبخوت بن ماضي يغادر ومشهد حضرموت يزداد وجعًا
يرحل مبخوت بن ماضي، ويترك وراءه صمتًا يوجع القلب أكثر من كلمات الوداع. لم يكن مجرد محافظ عابر، بل كان رجلًا حمل حضرموت كما يحمل الأب ابنه؛ بحرص، وبحُب، وبخوفٍ على مستقبلها.
جاء في زمنٍ قاسٍ، حين توقّف الدعم الرئاسي 25% نسبة النفط للمحافظة، وحين كانت خزائن المحافظة تصارع الجفاف المالي، ومع ذلك لم يتراجع. أعاد ترتيب الأولويات، وحافظ على ما يمكن إنقاذه، وأنعش ما خمد رغم ضيق اليد وشح الإمكانات.
واجه أزمات النفط التي سبّبتها شلة الهضبة، ورأى الناس طوابير الوقود تمتد بلا رحمة، لكنه ظل يقاتل حتى لا تتوقف الحياة. لم يكن يشتكي، بل يعمل بصمت، ويرمّم ما يهدمه الآخرون بلا ضجيج.
سنوات طويلة كانت فيها حضرموت مثقلة بـ"الببلاوي" التي ورثتها من الإهمال والفساد والتراكمات المؤلمة، فدخل الرجل إليها بثبات، وبدأ يضبط الفوضى، ويعيد للمدينة أنفاسها، وللمؤسسات شيئًا من انضباطها.
ميزة بن ماضي لم تكمن في المشاريع وحدها، بل في صفاته : قريب من الناس… حكيم في إدارة الأزمات… ثابت الموقف… قليل الكلام كثير الفعل… رجلٌ إذا وعد أوفى، وإذا تصدى لملف أكمله، وإذا أعلن موقفًا وقف عليه حتى النهاية.
لذلك كان الرحيل مُرًّا؛ لأنه ليس رحيل مسؤول فحسب، بل رحيل رجل نزيه في زمن ندر فيه النزاهة.
ولأن حضرموت تعرف—كما يعرف الناس—أن المخلصين قليل، وأن من يغادرون بصمت نظيف هم الأكثر وجعًا عند فقدهم.
سيبقى اسمه حاضرًا في ذاكرة حضرموت:
في قلب الأم التي رأت ابنها العامل يجد باب المحافظة مفتوحًا،
وفي عين الشاب الذي شاهد مشاريع تعود للحياة،
وفي كل زاوية شعرت أن هناك رجلًا يحاول، رغم كل شيء، أن يصنع بصيص أمل.
