مأزق اليمن.. من الثورة إلى الحرب
يبدو واقع اليمن، بعد عقد من الحرب، حالة من اللانظام والفوضوي المريبة، واقعًا مليئًا بالتناقضات والتعقيدات المركبة، التي أفرزتها الحرب، وانعكس أثرها العميق على كل المستويات، في السياسة والاقتصاد والتعليم والصحة، والبنى الاجتماعية والثقافية، وبات كل ذلك خطرًا داهمًا يهدد النسيج الاجتماعي والوطني والهوية الوطنية على حد سواء؛ هذا هو الواقع اليوم بلا مواربة.
جذور الأزمة
كيف لنا -بعيدا عن أي تحيز أو تعصب- أن نواجه واقعنا هذا، بكل ما به من تشوهات عميقة، تطيل أمد الصراع، وتشعل نزاعات عبثية هنا وهناك، بصبغات طائفية، جهوية، مناطقية، وغيرها من التعبيرات التي تعمل في المجمل على مزيد من التفكك.
إن مأزق اليمن الحقيقي، يكمن في ما يعيشه أبناؤه من تخلف وجهل، جعلهم فريسة سهلة لأدوات الحرب وأمرائها، بتحشيدهم وتجييشهم على مختلف الجبهات، ليكونوا وقودًا لحرب لا لهم فيها سوى ما تخلفه من مآسٍ وآلام. كما أن هشاشة الوضع المعيشي والاقتصادي للبلاد قبل وبعد الحرب، والتخلف السياسي والثقافي والاجتماعي العميق الذي تعيشه منذ عقود، له أثره البالغ، في ما وصلت إليه البلاد من وضع كارثي.
ثورة فبراير وتراكمات ما قبلها
كثير من الناس، يلقون باللوم، في ما آلت إليه الأوضاع، على ثورة 11 فبراير، وشبابها الذين خرجوا إلى الساحات، مطالبين بإسقاط النظام، وهذا في مجمله طرح سطحي، كما أن هذا الخطاب التبسيطي المخل، نجده للأسف عند كثير من القيادات والنخب السياسية والمثقفين، في كتاباتهم ونقاشاتهم، ويروجون له عند عامة الناس، بمناسبة وبدون مناسبة، في عملية هروب من الحقيقة المرة والقفز عليها، والمكابرة بعدم الاعتراف بالأخطاء، وإنكار حقيقة ما كان عليه وضع البلاد قبل 11 فبراير 2011، متناسين حالة الانسداد السياسي الذي وصل ذروته، حين أعلن سلطان البركاني، "تصفير العداد"، وكيف كانت البلاد على وشك انهيار اقتصادي، كنتيجة حتمية للفساد المستشري في مفاصل الدولة، وصفقات بيع الغاز والنفط، وتوقف المنح والمساعدات الخارجية على اليمن، التي كانت مشروطة بإجراء إصلاحات سياسية واقتصادية شاملة.
لا ننسى أيضًا نتائج الحروب الداخلية التي خاضها نظام صالح، وإدارته للبلاد بالأزمات، بعد تحقيق الوحدة بين شطري اليمن الجنوبي والشمالي، في العام 1990م، ومحاولاته المستميتة، القفز على نتائج هذه الحروب والأزمات، خصوصًا حرب صيف العام 1994م، وتجاهله المطالب السياسية والشعبية بمعالجة آثارها، في سياق وطني شامل، ينهي المظالم ويجبر ضرر الضحايا، والعودة إلى مسار بناء الدولة الوطنية، بل كان يتجه إلى توريث الحكم وحصره في عائلته، والاستئثار بالسلطة والثروة لصالح قلة قليلة من أعوان نظامه. وهذا مثّل مقدمات طبيعية لانفجار غضب شبابي شعبي واسع، في 2011، وكان قد سبقه بسنوات حراك جماهيري في كافة مدن الجنوب رفض لنتائج الحرب، وبقية التفاصيل معروفة للجميع، وصولًا إلى مخرجات الحوار الوطني 2013-2014؛ الذي شاركت فيه مختلف المكونات السياسية والمدنية والاجتماعية، وكانت هذه المخرجات تتويجا لمطالب وأهداف ثورة فبراير، والممكن أن تلبي الحد الأدنى من طموح اليمنيين، في بناء دولة وطنية؛ رغم ما شابها من انحراف في بعض القضايا، خصوصًا القضية الجنوبية وشكل الدولة، إذ عملت القوى النافذة -التي كانت شريكة في الحرب- على حسمها بإرادة سياسية، بعيدًا عن مجريات وقواعد الحوار، لكن تلك المخرجات سرعان ما واجهت ثورة مضادة، بتحالف علي صالح مع جماعة الحوثي، والانقلاب على الشرعية التوافقية، والذهاب إلى حرب واسعة لإخضاع البلاد بالقوة والغلبة، بنزعة ثأرية وانتقامية من الشعب.
فشل مواجهة الثورة المضادة
كان ثمة إمكانية للتصدي لهذه الثورة المضادة، لو أن القوى السياسية -التي كانت تمثل المعارضة، وأصبحت جزءًا من سلطة ما بعد صالح، بواقع النصف- ذهبت إلى تشكيل تحالف وطني شعبي عريض، يضم كل المكونات السياسية والمدنية والمجتمعية، ومكونات شباب ثورة 11 فبراير، كتحالف وطني، بعيدًا عن الوصاية والاستئثار والسيطرة، وصاحب المصلحة الحقيقية في التغيير وبناء الدولة الوطنية، وتكون من مهامه الرئيسية حماية مخرجات الحوار الوطني. كما أن هذه السلطة -رغم ما حظيت به من دعم أممي ودولي واسع- لم تستكمل هيكلة الجيش على أسس علمية وطنية، تحت قيادة موحدة، كان من المكن أن يحمي هذا الجيش، لو أنجزت مهمة هيكلته، مخرجات الحوار الوطني والعملية السياسية برمتها، حتى الوصول إلى بر الأمان. غير أن بعضًا من أطراف السلطة الانتقالية، أسهمت في جر البلاد إلى وهدة الحرب، بما تملكه من نفوذ على وحدات الجيش، الذي ظهر منقسمًا بين علي صالح وعلي محسن الأحمر، الأمر الذي عرقل استكمال الهيكلة، والأدهى من ذلك انغمست هذه الأطراف في عمليات فساد مالي وإداري، وتقاسم للوظيفة العامة، والاستئثار والسيطرة على مركز القرار، كتكريس لواقع ما قبل ثورة فبراير، وبشكل أكثر فجاجة، بل انخرطت هذه الأطراف في عملية استفزاز لبعضها، بنية مبيتة للانقضاض على كل شيء، وعرقلة مسار التغيير، خصوصًا الحوثي وصالح.
أجندات قوى الثورة المضادة
ظهر الحوثي، منذ الوهلة الأولى، خارج سياق المسار الجمهوري والهوية الوطنية، حاملًا إرث وثارات الإمامة، بشعارات طائفية، ودعم إيراني سياسي وعسكري، فيما حذا على صالح حذو المنتقم، الطامح لاستعادة السلطة من باب المعارضة المزعومة، التي لم يحتمل وجوده فيها أقل من سنتين، وغلبت عليه نفسية المقامر، الذي قامر بمستقبل البلاد، وقامر بحياته أيضًا.
المقاومة الشعبية
على ضوء الانقلاب والتوسع العسكري للحوثي وصالح للسيطرة على البلاد، تشكلت مقاومة شعبية عفوية بروح وطنية، في عدن وتعز والضالع ومأرب والحديدة، والبيضاء والجوف، أخمد الحوثي بعضًا منها، فيما نجحت مقاومة عدن والضالع وتعز ومأرب في مواجهة المشروع الانقلابي الطائفي، والتصدي للزحف المليشياوي للحوثي وصالح، وحررت أجزاء واسعة من الأرض، بدعم من دول التحالف العربي بقيادة السعودية والإمارات، التي دخلت خط المواجهة والمشاركة المباشرة في حرب اليمن، بعد هروب الرئيس التوافقي عبد ربه منصور هادي من أسر الحوثيين في صنعاء إلى عدن، وتمكنه الهروب بعدها من عدن إلى السعودية.
إخفاقات الشرعية
بعد عمليات التحرير وطرد مليشيات صالح والحوثي من أغلب مناطق الجنوب ومأرب واجزاء واسعة من تعز، توفرت للحكومة الشرعية فرصة كبيرة لتثبيت سلطتها ووجودها على أرض الواقع، واستعادة زمام المبادرة، في مواجهة المشروع الحوثي، وإعادة بناء جيش وطني حقيقي، إلى جانب المقاومة الشعبية، التي كان من المفترض أن تكون رديفة للجيش حتى استكمال عملية التحرير.
لكن ما حصل في الواقع، كان مخيبًا للآمال، وأحبط المساعي الوطنية والجهود الشعبية الرامية للقضاء على المشروع الانقلابي واستعادة الدولة ومؤسساتها، وتقديم نموذج مغاير في الحكم لما هو حاصل في مناطق سيطرة الحوثي، وجرى تدجين المقاومة الشعبية، وتغذيتها بنزعات مناطقية وطائفية وحزبية وجهوية، وعرقلة مسارها الوطني في عملية التحرير، بعد أن كانت تحظى بدعم شعبي واسع.
المؤسف في الأمر، أن المناطق المحررة، أُغرقت بالفوضى، وفشلت الحكومة الشرعية -رغم الدعم المهول المقدم لها من التحالف العربي، والموقف الدولي المساند لها- في فرض سيطرتها الفعلية على الأرض المحررة، بل أسهمت القوى النافذة المسيطرة عليها وعلى مركز القرار، في تكريس الانفلات الأمني والفوضى التي سادت، ومازالت بعض من مظاهرها باقية حتى الآن، في تعز، وأغلب مناطق ومحافظات الجنوب، من خلال الأخطاء الكارثية التي مارستها، بإقصاء الشركاء، وتصفيتهم، كما حصل مع اللواء 35 مدرع باغتيال قائده عدنان الحمادي، وتصفية اللواء الذي مثل النواة الحقيقية لتشكيل الجيش الوطني، لصالح نشر قوات حزبية، مليشيات تدين بالولاء لزعامات قبلية. كما فرضت هذه القوى النافذة السيطرة على مفاصل الجيش الذي تشكل عقب الانقلاب الحوثي، وجعل ولاءه حزبيًا مناطقيًا، وهو ما خلق بؤر توتر وصراع مع العديد من الشركاء، أفضت إلى انقسامات عميقة في بنيان الشرعية، حولت معها المقاومة الشعبية إلى مليشيات وقوات بولاءات طائفية، مناطقية، جهوية، خارج سياق المسار الوطني.
التدخلات الخارجية وتأثيرها على السيادة الوطنية
استدعى كل ذلك الفشل الذي وقعت فيه الحكومة الشرعية، التدخلات الخارجية، التي كانت في بداية الأمر داعمة، وتحولت إلى التحكم والسيطرة على القرار السيادي الوطني للبلاد، وتشكيل القوات والمليشيات ودعمها بالمال والسلاح، بعيدا عن وزارة الدفاع.
يدرك الكثيرون، أن هناك أطرافًا خارجية، حولت اليمن إلى ساحة صراع وتصفية حسابات إقليمية ودولية، وجعلت من أبناء اليمن أدوات لهذا الصراع المدمر، مستغلة طموح بعض القوى وشهيتها النهمة للحكم، أو الانتقام، ودافعة بقوى أخرى للمواجهة تحت شعارات غير وطنية واختلاق الأعداء. لكن ما يعتمل وراء هذا الصراع، وما يخطط له، هو في حقيقة الأمر، مشاريع توسع في النفوذ وفرض السيطرة على المنطقة، ولن يتم ذلك إلا في ظل يمن ضعيف منزوع القرار السيادي الاستقلالية، أو ممزق ومفكك تشغله الصراعات البينية هنا وهناك، عن استعادة حقه ودوره الريادي في المنطقة؛ لما يمتلكه من مقومات، تجعله في هذا المستوى إذا امتلك دولة وطنية قوية ذات سيادة واستقلال.
المخرج الوطني
لذا من أقدس الواجبات، فضح كل القوى، سواء كانت خارجية أو داخلية، التي تعمل على تكريس هذا الواقع المرير، والكشف عن عبث أدوات الحرب وأمرائها، وتفنيد التبريرات التي تساق من أجل استمرار هذا الجنون المدمر. فما نعيشه اليوم، من صراع، يعمل في المجمل على مزيد من التمزق، وتكريس الجهل والفقر والتبعية، وإزاحة من يريد بناء مستقبل مشرق للبلاد، يظل كافة أبنائها بمختلف مشاربهم.
إذا لم نتجاوز هذا الواقع المؤلم، بروح وطنية خالصة، ونتسلح بالوعي والمعرفة، سنبقى ساحة صراع تدار فيها حروب الآخرين، ونكون نحن مرغمين أدوات لهذه الحروب العبثية. ولن يتم الخروج من هذا المأزق إلا في حال:
- تحسين الوضع المعيشي، من خلال إصلاح اقتصادي شامل، والقضاء على كافة مظاهر الفساد في مؤسسات الدولة.
- إصلاح منظومة التعليم والثقافة باعتبارهما حجر الزاوية في مواجهة مشاريع الجهل والحروب والتفكيك.
- تجذير القيم والثقافة الوطنية، والعمل على مشروع وطني جامع يلتف حوله اليمنيون، بعيدا عن الوصاية الخارجية.
- بناء الجيش والأمن على أسس علمية ووطنية.
- مصالحة وطنية شاملة تعالج المظالم وجبر ضرر الضحايا، وإزالة آثار الحروب، وإعادة إعمار ما دمرته الحرب.