صنعاء 19C امطار خفيفة

بعد ثلاث سنوات من الاختفاء القسري

شقيقة محمد مبروك: "من حقي أن أرى أخي وأحتضنه كما رأيته في أحلامي"

شقيقة محمد مبروك: "من حقي أن أرى أخي وأحتضنه كما رأيته في أحلامي"
المختفي قسرياً محمد مبروك

لم تكن أسرة مبروك تعلم أن أبواب بيتها ستتحول إلى شواهد على الفقد. في أقل من عامين خسروا ثلاثة من أبنائهم: حسن الذي أردته رصاصات القوات التابعة للمجلس الانتقالي في كمين مسلح، وأحمد الذي اتهم بجريمة قتل ملفقة زج به بسببها في السجن. أما ثالثهم محمد، الذي كان قد أُصيب من قبل برصاص داخل منزله، فقد اختطف من بين ذراعي أسرته في 2022، وأُخفي قسرًا ولم يُعرف له أثر حتى اليوم.

تعيش الأسرة منذ ذلك الحين في دوامة من الضياع والتشرد والابتزاز، بين دماء لم يقتص لها، وسجين مظلوم، ومختفٍ قسريًا يثقل غيابه موائدهم الفارغة وذكرياتهم الممزقة.
هي قصة مؤلمة تكشف عن بشاعة الظلم واختلال العدالة، وهي أيضًا مثال صارخ على وحشية جريمة الاختفاء القسري في اليمن، التي تحوّل البيوت إلى قبور مفتوحة، والقلوب إلى أسيرة انتظار لا ينتهي.

بداية المأساة

بدأت معاناة أسرة محمد مبروك، منذ العام 2020م، عندما أقدمت أطقم مسلحة تابعة لكتيبة" أبو خطاب" واخرى تتبع قوات مكافحة الإرهاب، مدعومة بعناصر من الضالع، بالهجوم على حسن مبروك، وشقيقه أحمد اثناء تواجدهم في الأرض يوم 27-8-2020م، أصيب خلال ذلك الهجوم حسن بطلق في فخذه، وخلال الاشتباك أصيب أحد الجنود بنيران صديقة، فحُمّل أحمد التهمة زورًا وزُج به في سجن المنصورة بتهمة قتل ملفقة.
وثائق لمصحة الدفاع المدني
وفي 29-8-2020م تعرّض منزلهم في المعلا-عدن لعملية اقتحام مسلح، تخللها نهب وحرق وهدم، أطلقت خلالها قوات أمنية تابعة للمجلس الانتقالي وابلًا من الرصاص. أصيب فيها والده محمد كما اصيب محمد، الذي يعاني منذ طفولته من شلل الأطفال، برصاصتين في ساقه تسببتا بتهشم العظم، ورصاصة ثالثة في بطنه. وبعد خضوعه لعملية جراحية بمستشفى "أطباء بلا حدود"، انتقلت الأسرة للعيش في منزل الجد بحي الممدارة، هربًا من الرعب الذي لاحقهم بسبب نزاع على أرض موروثة تعود ملكيتها لهم إلى العام 1979م.
وفي 24 نوفمبر 2021، وبحسب كاميرات المراقبة، نصب لحسن كمين مسلح، قضى فيه نحبه متأثرًا بجراحه.
بين لحظة وأخرى، تحوّل حسن إلى ضحية وأحمد إلى "جانٍ"، لتجد الأسرة نفسها أمام مأساة جديدة بعد أن فقدت أحد أبنائها وسُجن الآخر ظلمًا.

ابتزاز أعقبه إخفاء قسري

لم تكتفِ القوات المهاجمة بذلك، بل حاولت ابتزاز الأسرة لإجبارها على التنازل عن دم حسن وعن الأرض مقابل الإفراج عن أحمد. تقول حمدة مبروك، شقيقة محمد، لـ"النداء": "رفضنا التنازل وطردناهم من المنزل، لكنهم عادوا بعد أسبوعين بقيادة كتيبة أبو خطاب، مدعومين بقوات من مكافحة الإرهاب، وداهموا المنزل ليختطفوا محمد (40 عامًا) عندما كان يجلس بمعية جدتي وأبناء من الحي في ليلة رمضانية ينتظرون السحور، وإلى جواره عكازاه اللذان يتكئ عليهما، وهما آخر ما تبقى لنا منه بعد اختطافه وإخفائه، ومنذ ذلك اليوم لا نعرف له أثرًا".
والدته عندما أخذوه كانت تصرخ من حجرة المنزل: "ولدي ولدي"، ولكن أسكتتها خوفًا الرصاصات المنطلقة من فوهة السلاح الموجه إلى داخل حجرة المنزل، ولولا ستر الله لكانت الأم هي الأخرى ضحية.
شكلت الحادثة صدمة مروعة ومدمرة للعائلة: والدته انهارت، وابنة أخيه أصيبت بالسكري، ووالده ساءت حالته الصحية، فيما وُضعت "حمدة" نفسها تحت تهديدات متكررة بالاعتقال والإخفاء إذا واصلت متابعة القضية.
بعد اختطاف محمد، تعرض منزل حمدة في التواهي للمداهمة من قبل كتيبة "أبو خطاب" وشرطة المعلا معززة بطقم من شرطة التواهي، وعندما لم يعثروا عليها داهموا بيت شقيقتها، وهددوها بأنهم سيعثرون عليها ولو كانت تحت الأرض، واضطرت حمدة وأسرتها للنزوح والعيش في منزل بالإيجار خارج مدينة عدن. فقدت مصدر رزقها البسيط الذي كان قائمًا على صناعة المخللات وتجفيف الزبيب، لتزداد معاناتهم الاقتصادية فوق جراحهم النفسية.
ورغم تقديمها بلاغات رسمية ومناشدات للمنظمات المحلية والدولية، لم تصل إلى أية نتيجة مؤكدة حول مصير محمد. روايات متضاربة وصلت إليها: تارة قيل إنه محتجز في "قاعة وضاح"، وتارة في سجن خاص بجبل حديد. لكن كل الخيوط انقطعت، وبقي مصير شقيقه مجهولًا.

وجع الغياب

محمد، وهو واحد من ثمانية إخوة وأخوات، كان سندًا ومعينًا لعائلته، بخاصة بعد مقتل شقيقيه حسين (2012) وحسن (2021) وسجن أحمد. تصفه شقيقته بأنه "مرشدهم في أمور الدين وحفظ القرآن"، رغم إعاقته الجسدية.
تقول حمدة: "أصبح وضعنا لا يطاق. والدي فقد جزءًا من خلايا دماغه، وأمي تبكي كلما تذكرت محمد ووجباته المفضلة، ونحن جميعًا نعيش مأساة نفسية ومعيشية خانقة". وتضيف بحزن:
"من حقي أن أرى أخي وأحتضنه كما رأيته في أحلامي".

غياب آليات التنفيذ والضغط

وقد سجلت اليمن أرقامًا كبيرة في جرائم الاختفاء القسري التي ترتكبها الأطراف اليمنية، وبحسب رئيسة مؤسسة دفاع للحقوق والحريات هدى الصراري، فقد سجلت اليمن عشرات الآلاف من حالات الاختفاء القسري، ولاتزال هذه الانتهاكات تتزايد بوتيرة عالية على يد مختلف أطراف الصراع كالحوثيين، المجلس الانتقالي، والحكومة المعترف بها، فجميعهم متورطون، وبنسب متفاوتة.
وأكدت الصراري في حديثها لـــ "النداء" أنه ورغم تصاعد الدعوات المطالبة بوقف هذه الجريمة، إلا أنها مازالت غير كافية في ظل غياب آليات تنفيذ أو ضغط فعلي يفضي إلى نتائج ملموسة، بخاصة مع طول أمد الحرب. مشيرة إلى أن الآليات الوطنية أصبحت لا تقدم أثرًا ملموسًا، وهو الأمر الذي دفع بمنظمات المجتمع المدني والمدافعين عن حقوق الإنسان وروابط الضحايا إلى المطالبة بإنشاء آلية تحقيق دولية خاصة بملف الإخفاء القسري، نتيجة تفشيه بشكل مرعب، وسهولة إفلات الجناة من العقاب.
هدى الصراري
وقالت إن الحكومة الشرعية مطالبة بخطوات ملموسة أبرزها: التحقيق في السجون السرية وأماكن الاحتجاز غير الرسمية، ونشر بيانات المختفين، وضمان وصول المنظمات المستقلة والدوليّة كاللجنة الدولية للصليب الأحمر إلى أماكن الاحتجاز لتفقد وضع المعتقلين وكشف مصير المخفيين. كما يقع على عاتقها العمل وفق الأطر الدبلوماسية لفضح انتهاكات الحوثيين والحد منها عبر السعي لتنفيذ عقوبات دولية على القيادات الأمنية والعسكرية المتورطة في ارتكاب هذه الجريمة.
وترى الصراري أن الحكومة الشرعية "المعترف بها دوليًا" لم تظهر أية خطوات مؤثرة على الأرض لجبر الضرر وإحقاق العدالة للضحايا وأسرهم، فيما يواصل المجتمع الدولي الاعتماد في الغالب على الضغط الدبلوماسي والإعلاني دون آليات ملزمة لإنهاء الإفلات من العقاب.

ارقام مرعبة

وتظل جرائم الاختفاء القسري في اليمن من الجرائم التي مازالت مستمرة منذ عشرات السنين، وهي في حالة تزايد مستمر مع تعدد أطراف الصراع، وما قصة محمد مبروك إلا واحدة من بين قصص مأساوية عديدة، وقد ووثقت رابطة أمهات المختطفين تعرض 165 مدنيًا للاختفاء القسري خلال الفترة من يناير إلى يوليو 2025م، في محافظة واحدة، وهي محافظة إب، فيما بلغ عدد الذين تعرضوا للاختفاء القسري في بقية المحافظات 153 مدنيًا.
وفي المقابل، سجلت القوات التابعة للحكومة المعترف بها دوليًا، وقوات الحزام الأمني التابعة للمجلس الانتقالي، وقوات الساحل الغربي، انتهاكات مماثلة تمثلت في احتجازات تعسفية في سجون سرية واختفاء قسري، بلغت 51 مدنيًا تعرضوا للاختفاء القسري خلال العام الحالي، بحسب الرابطة، فضلًا عن عشرات المختفين قسرًا منذ سنوات في محافظة عدن، لا تعلم عائلاتهم عنهم شيئًا حتى اللحظة.
وسجلت منظمة مواطنة، العام الماضي، أكثر من 1,806 حالات اختفاء قسري في اليمن بين أغسطس 2015 ونهاية يونيو 2024، منها الحوثيون: 760 حالة، المجلس الانتقالي الجنوبي: 549 حالة، الحكومة المعترف بها: 361 حالة.
وفي المقابل، وثق فريق "العدالة من أجل اليمن" أكثر من 1,168 حالة اختفاء قسري، مطالبًا بآليات وطنية ودولية للتحقيق والمحاسبة.
أما في مناطق سيطرة الحوثيين على وجه التحديد، فقد أفادت تقارير حقوقية صادرة من الهيئة الوطنية للأسرى والمختطفين ومنظمة دي يمنت، باختفاء 1,585 حالة، بينهم 34 امرأة و64 طفلًا، فيما لايزال 136 منهم في عداد المفقودين خلال السنوات الخمس الماضية.

الجريمة لا تسقط بالتقادم

وتزامنًا مع اليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري، أطلق "تحالف ميثاق العدالة من أجل اليمن" بيانًا مشتركًا دعا من خلاله الرعاة الدوليين لمحادثات السلام في اليمن، إلى إدراج ملف المختفين قسريًا ضمن أولويات مباحثات إنهاء أزمة البلاد.
وأكدوا على ضرورة تشكيل لجنة وطنية للبحث عن المختفين قسريًا، ومعالجة أوضاعهم وأوضاع عائلاتهم، كما دعوا إلى تشكيل لجنة دولية للتحقيق في الجرائم المرتكبة بحقهم لضمان عدم ضياع الأدلة وحفظ القضايا لاستخدامها ضمن فرص العدالة الانتقالية.
وطالب البيان الحكومة الشرعية المعترف بها دوليًا بالانضمام الكامل إلى الاتفاقيات الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، وإنشاء لجنة وطنية مستقلة لمعالجة أوضاع الضحايا وعائلاتهم.
وأكد التحالف، في ختام بيانه، على ضرورة وقف جميع أطراف النزاع ممارسة الإخفاء القسري، والإفراج الفوري عن المختفين، مشددًا على أن هذه الجريمة لا تسقط بالتقادم، وأن العدالة ستظل مطلبًا حاضرًا لأسر الضحايا.

سؤال مشروع

وتعكس هذه المؤشرات تصاعدًا خطيرًا في حجم الانتهاكات التي تورطت بها جميع الأطرف في اليمن، مما يكشف أن جريمة الاختفاء القسري باتت واقعًا متجذرًا يتضاعف بسبب عدم وجود آلية تحقيق دولية مستقلة توقف هذه الجرائم وتعاقب مرتكبيها.
وما معاناة محمد مبروك وأسرته إلا واحدة من بين مئات القصص المأساوية التي خلفتها الأحداث في اليمن منذ الستينيات وحتى اليوم، من جرائم الاختفاء القسري التي لايزال يدفع ثمنها الضحايا وأسرهم.
فإلى متى تظل حياة اليمنيين عرضة للخطف والاختفاء؟ وإلى متى تظل أسرهم تطرق الأبواب مطالبة بحقها في معرفة مصير أبنائها ومحاسبة المنتهكين؟

الكلمات الدلالية