صنعاء 19C امطار خفيفة

من انتخابات 2006 إلى صعود الحوثيين..

جباري يكشف كواليس قرارات مصيرية قادت اليمن إلى الانقسام والحرب

جباري يكشف كواليس قرارات مصيرية قادت اليمن إلى الانقسام والحرب

في الحلقة الثالثة من سلسلة "حكايتي"، يكشف عضو مجلس النواب ونائب رئيس الوزراء الأسبق عبدالعزيز جباري كواليس مرحلة شديدة التعقيد في تاريخ اليمن، بين انتخابات 2006، وأزمات الجنوب، وصعود الحوثيين.

يتحدث جباري بصراحة عن الدور "السلبي" لمجلس النواب في تأجيج الانقسام السياسي، وعن كواليس قرار علي عبدالله صالح بالترشح مجددًا للرئاسة، كاشفًا تفاصيل مثيرة من داخل كواليس المؤتمر الشعبي العام.

كما يتطرق إلى إخفاقات الحوار بين المؤتمر وأحزاب اللقاء المشترك، وأسرار تشكيل اللجان لحل قضايا الجنوب، والجهود التي بُذلت لتجنب حرب صعدة، وصولًا إلى لحظة لقائه عبدالملك الحوثي في صعدة قبل سقوط صنعاء.

حلقة مليئة بالشهادات الهامة حول الانقسامات الحزبية والقرارات المصيرية التي قادت اليمن إلى أزمات متلاحقة.

"النداء" تنشر النص الكامل للحلقة بالتزامن مع عرضها المصوّر على قناة "حكايتي" في يوتيوب.

رحمة: مرحبًا بكم، مشاهدينا، في حلقة جديدة من سلسلة مذكرات الأستاذ عبدالعزيز جباري..
أستاذ عبدالعزيز، كنا في الحلقة السابقة وصلنا إلى الحديث عن أبرز الإنجازات أو الأحداث التي تمت من عام 2003 وحتى 2010، وأنت عضو في البرلمان. وإذا تحب، يمكنني أن أذكّرك بالانتخابات الرئاسية في عام 2006: هل كان هناك جديد؟ وهل بدأ الاحتداد بين الأحزاب السياسية والجهات الاجتماعية في حينها؟
جباري: أولًا، وقبل الحديث عن انتخابات 2006 "الانتخابات الرئاسية"، أنا ذكرت في الحلقة الماضية دور مجلس النواب. أنا في تقديري، لو كان هناك قيادة حقيقية لمجلس النواب تعمل على حل كثير من الإشكاليات بين المعارضة والسلطة، لربما لم نصل إلى 2011 وما جرى فيها. ولكن، للأسف، الجميع كان يحاول أن يظهر بمظهر الموالي لعلي عبد الله صالح، بغضّ النظر عن النتائج، فكان لمجلس النواب –في تقديري– دوراً سلبيًّا في تأجيج الوضع قبل 2011 والأزمة التي حدثت في ذلك العام.
رحمة: هل كان ذلك بعد الإنتخابات الرئاسية؟
جباري: بالفعل، هذا بعد عام 2006م.
رحمة: واللقاء المشترك، ألم يكن هناك أناس يحاولون التحريض؟
جباري: هذا هو دور المعارضة القيام به، ولكن كان المفترض على السلطة - التي تمسك زمام الأمور، وبحكم أنها تمثل الأغلبية في البرلمان، والأغلبية الشعبية في أوساط الشعب اليمني، والأغلبية في كل مراكز الدولة - أن تعمل على حل كثير من الإشكالات. ونحن ربما نتطرق لهذا الموضوع بعد أن نبدأ في 2006.
رحمة: خلينا في 2006 واللقاء المشترك.
جباري: في 2006، لم تكن لدى المعارضة - حسب علمي - أي مشكلة في وصول علي عبد الله صالح إلى السلطة مجددًا، ولكن كانوا يريدون ثمنًا، ويريدون من علي عبدالله صالح أن يطلب منهم.
رحمة: كان معه حزب الإصلاح؟
جباري: قبلها، في الانتخابات الماضية. ولكن أنا أتحدث عن 2006. في هذا العام، كثير من الناس كانوا يقولون إننا لسنا بحاجة إلى تأييد المعارضة، ويمكن أن نتنافس معهم. فحدث نوع من الدفع باتجاه ضرورة أن ينزلوا بمرشّح. كانت هناك جهة في المعارضة ترى أنه لا بد أن يكون هناك مرشّح أمام علي عبدالله صالح. وكان العقلاء يتحدثون بأننا دولة لديها هامش من الديمقراطية، لكن ليس الهامش الذي يسمح بتغيير رأس السلطة. لا يمكن أن نصل إلى هذا المستوى من تغيير رأس السلطة في ذلك الوقت. فعملوا على أن يكون هناك مرشّح معارض حقيقي، وهو الأستاذ فيصل بن شملان. والأخ الرئيس كان لديه شعبية جماهيرية كبيرة جدًا.
فيصل بن شملان
رحمة: وفيصل بن شملان شخصية قوية.
جباري: بدون شك، هو شخصية محترمة جدًا، رحمه الله.
رحمة: أحزاب اللقاء المشترك كانت قد تشكّلت.
جباري: جزء من اللقاء المشترك أيّد نزول الأستاذ فيصل بن شملان. بعض الشخصيات، منهم الشيخ حميد الأحمر، تبنوا الموضوع بشكل خاص. الأخ الرئيس، عندما أعلن أنه لن يترشّح، كانت خطوة ليس بحاجة إليها.
حميد الأحمر
رحمة: هل تعرف إذا كان صادقًا فعلًا أم لا؟ ولماذا غيّر رأيه فيما بعد؟
جباري: نحن وقتها كنا في المؤتمر الشعبي العام. وبعد ذلك، حدث أن اجتمعنا في الصالة الكبيرة. وكان من يدير الاجتماعات والنقاشات الأستاذ عبدالقادر باجمال - رحمه الله - وكان الأخ الرئيس بجواره، وكثير من الناس تحدثوا. أما العقلاء وأصحاب الرأي فلم يكونوا يتحدثون، لكن الشخصيات المزايدة والذين أرادوا تسجيل حضور كانوا يتحدثون ويقولون: "ليس هناك من هو أفضل منك، ونحن بحاجة إليك". ولم يكن هناك طرح عقلاني. نحن كنا جالسين، والأستاذ عبدالقادر باجمال يدير النقاش. أنا رفعت يدي من أجل أن أتحدث، وكان بجواري أخي المهندس جمال والأخ نجيب صلاح، الأمين العام للمجلس المحلي في ذمار، وقالوا لي: "بحق الله لا تتحدث". وأنا كنت ناوي أن أقول: "أنت على حق، لا تترشح". كنت أنوي أن أقول لعلي عبدالله صالح: "أنا أؤيد قرارك".
رحمة: ولكنك لم تقم وتتحدث.
جباري: لاحظني الأستاذ عبدالقادر باجمال، ونادى على اسمي مرة أخرى. فقمت. أول ما تحدثت وأنا في المنصة قلت : "الأخ الرئيس، والإخوة الحاضرون، عندما يريد الأخ الرئيس أن يرسّخ تجربة سياسية ناجحة ودائمة، فعلينا أن نتعاون معه". والصالة كانت في حالة سكون، ينتظرون ماذا سأقول. ثم قلت: "عندما يريد الاخ الرئيس أن يسجّل اسمه بين عظماء العالم مثل جورج واشنطن ونيلسون مانديلا وغيرهم، فيجب أن نشجعه على ذلك. عندما يريد الأخ الرئيس أن يؤسس لتجربة ديمقراطية قابلة للحياة والاستمرار..." طبعًا كل هذا الكلام يوحي أنني سأقول بعدها: "عليك بالاستمرار في عدم ترشيح نفسك". والناس كانوا ينظرون إلي ويفكرون إلى أين سأصل.
باجمال
رحمة: وأنت مشاغب أصلًا.
جباري: لا، في تلك الأيام، أنا كنت مقتنعًا بأن أقول له: لا ترشّح نفسك.
رحمة: وما الذي قلت؟
جباري: قلت حينها: "ولكن الحزبية التزام، وما دمت على رأس الحزب وقواعد الحزب تأمرك، فما عليك إلا أن تلتزم". أكملت حديثي، والقاعة بأكملها ضجّت بالتصفيق. وأنا شعرت أنني ارتكبت في ذلك اليوم خطيئة كبرى، وقلت: لقد أصبحت مطبّلًا. لكني لم أعلم لماذا لم أنهي كلامي بنصيحتي بعدم الترشيح.
رحمة: ولكن كانت لك وجهة نظر، وبالأول والأخير هو رئيس حزبك. هل كنت تريد أن تضر حزبك حينها؟
جباري: كان هناك خلاف بيني وبين زميل هو الشيخ عبدالكريم دغمان - رحمه الله. وكان يشكك في مؤتمريتي. جاء إليّ في تلك الأيام وقال: "تتشَرّط على الرئيس؟ هل تأمر الرئيس؟" كان زعلان مني. لماذا اتخذت هذا الموقف؟ كان يريد مني أن أتخذ موقفًا آخر حتى يغضبوا عليّ.
عبدالكريم دغمان
رحمة: هذا يعتبر اعترافًا، وأنا سعيدة لأنك تتحدث بشفافية، فهذا تاريخ.
جباري: وأنا والله، كنت في تلك الأيام على نية أن أقول له: لا يترشّح.
رحمة: ولكنك قد قلتها يا أستاذ، ودَع النيّة؛ يعلم بها الله، وأنت قلت له: ترشّح. وماذا بعد ذلك؟
جباري: حينها اختاروني ضمن لجنة صياغة البيان الختامي. دخلنا، والبيان الختامي جاهز، وربما صاغوه قبل أسبوعين وراجعوه.
وبعد ذلك، خرج الرئيس علي عبدالله صالح إلى الميدان، ونحن نشاهده عبر التلفزيون أثناء النقل المباشر، فقال لنا عبدالقادر باجمال: هنا الأخ الرئيس سوف يعلن قبوله الترشيح. وبالفعل، قال علي عبدالله صالح: "أنا أقبل ترشيح نفسي"، وكأنه كان سيناريو مخطّطًا له: أنت ستعمل هكذا وأنا سأعمل كذا.
حينها قلنا للأستاذ عبدالقادر باجمال: لماذا كل هذه المسرحية؟
رحمة (ممازحة): كان ذلك من أجل أن تتحدث أنت وتقول له: رشّح نفسك.. في 2009، الأحزاب كانوا قد صاغوا وثيقة للخروج من الأزمة. ماذا كان موقفك منها؟ هل شاركت فيها حتى تعرف أنني لا أدافع فقط؟
جباري: لا.. أما في المدافعة فأنتِ مدافعة شرسة.
رحمة: أنا كنت أتمنى أن لا يُنتخب ولا يُرشّح نفسه.
جباري: نحن اتفقنا أن نتحدث بموضوعية ومصداقية، لأن هذا تاريخ.
رحمة: أنت من أكثر الأشخاص الذين تحدثوا بصدق، وهذه ليست شهادة أو مجاملة، والناس حسّاسون تجاه الكذب والصدق.
جباري: بعد ذلك جرى حوار بين المؤتمر الشعبي العام وأحزاب اللقاء المشترك. نتج عن هذا الحوار أنهم اشترطوا ألا يدخلوا الانتخابات إلا إذا تم تعديل قانون الانتخابات. وجوهر تعديل القانون هو إلغاء الحق الثالث في التسجيل، لأنه من حق أي مواطن يمني أن ينتخب في ثلاثة مواطن انتخابية - بحسب القانون الأصلي - الميلاد والعمل والسكن. هم أصرّوا على إلغاء حق الانتخاب في الموطن الثالث، لأنه يتيح كثيرًا من التلاعبات: ينتقلون من معسكر إلى آخر، ويسجّلون ويغيرون النتيجة. وكان عندهم حق في ذلك، ولو جرت الانتخابات وفق ما تم الاتفاق عليه، لكانت ستكون انتخابات أكثر عدالة. لا أقول نزيهة بنسبة 100%، لكنها أكثر عدالة. لماذا؟ لأنه كان يحدث نوع من التغيير في النتائج في كثير من الدوائر وفقًا لهذا الحق الثالث. وكان هناك نوع من الشراكة في اللجنة العليا للانتخابات.
تم الاتفاق، وجاء التعديل إلى مجلس النواب، وصل للمجلس، وسأقول لك بكل صراحة: نحن في مجلس النواب جميعنا زملاء، وكثير من أعضاء مجلس النواب مزايدون، وما تم الاتفاق عليه في الانتخابات أفشلوه.
رحمة: الأغلبية؟
جباري(متابع): طبعًا، وفقًا للاتفاق بين اللقاء المشترك والمؤتمر، وقّعوا على محضر التعديل. كانت الفقرات والبنود تقول إننا نغيّر هذه الفقرات في القانون، وتُعمَل النصوص المراد تعديلها. وعندما جاء عندنا إلى مجلس النواب من الحكومة، وجدنا أن هناك نصوصًا أخرى غير التي اتفقوا عليها. بعد ذلك، حُوِّل الموضوع إلى لجنة خاصة، وأنا كنت من ضمن هذه اللجنة. وسألت الجانب الحكومي، وكان بجاش المخلافي - ممثّل المؤتمر ووكيل وزارة الشؤون القانونية - فقلت: أخ بجاش، أنت موقّع على هذا التعديل؟ قال: نعم. وسألت اللقاء المشترك، ممثليهم الإصلاح: عبدالرزاق الهجري وعبدالكريم شيبان، هل هذا توقيعكم؟ قالوا: نعم. فسألتهم: لماذا غيّرتموه طالما وأنتم متفقون؟
رحمة: لماذا يا أستاذ؟
جباري: هناك شخصيات، للأسف الشديد، مزايدة، "ملكيّون أكثر من الملك"، أفشلوا هذا الاتفاق. في ذلك اليوم كنت أنا وسنان العجي، وعند خروجنا اتصل به الأخ الرئيس، وقال له: "عبدالعزيز جباري بجواري". فقلت للأخ الرئيس: نحن الآن نعمل أزمة من العدم ولا داعي، لا توجد مشكلة بيننا. تعديل القانون هذا فيه مصلحة عامة للجميع، فأنا أرجوك لا تترك الناس للمزايدة لإفشال هذا الموقف.
رحمة: وماذا كان موقفه؟
جباري: قال: هل تُصدّق الإخوان المسلمين؟ ولكن أنا سأكلّف رشاد العليمي، وأنت إلى جانبه لتخليص الموضوع.
جاء اليوم الثاني رشاد العليمي، وكثير من قيادات المؤتمر لا يريدون إبداء رأي. لماذا؟ حتى لا تُحسب عليهم. وصلنا ونحن نقول لهم: طالما أنه تم الاتفاق نتيجة حوار لمدة عام، نصوّت. وصوّتْنا بقبول التعديلات، لكن رهَنوها بضرورة أن يرفدوا بأسماء اللجنة العليا للانتخابات. قلنا: هذا شيء، وذلك شيء آخر. اللجنة العليا للانتخابات تُشكَّل فيما بعد، لكن هذا قانون الانتخابات، ولابد من إقرار التعديل. ورفضوا.
رشاد العليمي
رحمة (مقاطعة): لو أنهم رفدوا بالأسماء كان انتهى الموضوع.
جباري: كان لديهم مشكلة في اللقاء المشترك أن الحزب الاشتراكي لم يسمي من يمثله في اللجنة العليا للانتخابات.
رحمة: لماذا؟
جباري: هم كانوا هكذا، وبقية أعضاء لجنة اللقاء المشترك أنا تحاورت معهم، وكانوا - للأمانة والإنصاف - الأستاذ خالد الشريف، وقتها وزير الدولة لشؤون مجلس النواب والشورى، وكان صادقًا، وكنت أنا وهو نحاول أن نحل المشكلة. كنا نسألهم: ما هي المشكلة؟ لماذا لا تسلمون الأسماء؟ قالوا: نحن نريد الحزب الاشتراكي يكون معنا، ولا نريد أن يكون خارج السرب، على أساس جميعنا ندخل في الانتخابات. استعجلوا وأفشلوا الموقف، وعلى إثرها خرج أعضاء مجلس النواب إلى البوابة واحتجوا وهم يرتدون شعارات برتقالية، على أساس أنه بعد فترة سيكون اللون الأحمر.

خالد الشريف

من بينهم اللقاء المشترك كانوا حوالي 50 نائبًا أو أكثر. وقتها، وللتاريخ، اتصل بي علي معوضة - مدير استعلامات الرئيس علي عبدالله صالح - وقال: يا أخ عبدالعزيز، الأخ الرئيس يشكرك على موقفك. وأنا رددت: يشكرني على ماذا؟ وطلبت منه أن أحدث الرئيس. وحدثني. وحينها قلت له: على ماذا تشكرني يا فخامة الرئيس؟ قال: على موقفك اليوم، لأن البعض كان يعتقد أنك ستخرج مع هؤلاء "المجانين"، ولكنك أثبت أنك مؤتمري ورجل وطني.
علي معوضة
أنا قلت له: يا فخامة الرئيس، أنا عضو مجلس نواب واحد، لا جلستي ستنفعك ولا خروجي سيضرك، إذا خرجت من ضمن الخمسين. ولكن نصيحتي أن تُحل المشكلة. يجب ألا نعمل أزمة من العدم. افترض أنه إذا أجريت الانتخابات على أساس هذا التعديل، وحصل اللقاء المشترك - أي المعارضة - على 10 أو 15 نائبًا، على ما هو عليه، في نهاية المطاف أنت رئيس الدولة، ومجلس النواب بيدك، والمجالس المحلية الأغلبية الساحقة معك، والجيش بيدك، والشعب اليمني نسبة كبيرة تفوق 60 أو 70% مؤيد لك. فأين هي المشكلة؟ لماذا نعمل مشكلة؟
رحمة: وماذا كان ردّه؟
جباري: كان يقول: الإخوان المسلمون هم من يضحكون عليكم.
رحمة: كيف تقيّم أحزاب اللقاء المشترك، خاصة أنك ذكرت مرتين أن الرئيس صالح كان يقول: الإخوان المسلمون"المش عارفة ايش".. في هذه الأزمة كيف تقيّم أداء اللقاء المشترك؟ وكيف كانت علاقتك بحزب الإصلاح، وبالأستاذ محمد اليدومي تحديدًا؟
جباري: أنا لم أكن أعرف اليدومي من قبل، ولكن علاقتي بكوادر الإصلاح هي علاقة طيبة، وعلاقة زمالة. نتفق في أشياء ونختلف في أشياء أخرى. وهم، كحزب سياسي، يتفق معك إذا كنت تتفق معه في وجهة نظر معينة، أما إذا اختلفت معه، فهو يقلب الوجه الآخر، وهذا من حقهم كحزب.
ولكن أقول لك - للأمانة والإنصاف - كان علي عبدالله صالح لديه من المرونة ما يجعله يستطيع التفاعل مع الآخرين، ولكن كان هناك فريق مع علي عبدالله صالح يتجه نحو التأزيم بينه وبين اللقاء المشترك، وكلها مزايدات. هناك من يريد أن يثبت أنه مزايد أكثر من الآخر. رجال الدولة وقتها لم يكونوا موجودين إلى جانب علي عبدالله صالح؛ كالدكتور الإرياني، والأستاذ أحمد الأصبحى، والشخصيات الكبيرة. يحيى المتوكل كان قد توفي، وكثير من تلك الشخصيات غابت.
اليدومي
وهناك شخصيات أخرى لا يسعني ذكرها الآن، لكنها كانت شخصيات يهمها مصلحة اليمن.
أما الذين كانوا في تلك الفترة إلى جوار علي عبد الله صالح - وأقول الأغلبية لا الكل - فنسبة كبيرة منهم كانوا يرون أن المزايدة فيها مصلحة، فأينما اتجه الرئيس، هم بعده. وفشل الموضوع، وبعدها أعلنوا التمديد لمجلس النواب لمدة سنتين.
حينها كنت أتصل بعلي عبدالله صالح - رحمه الله - وكنت أقول له: "تُجرى انتخابات، وأنا أعلم أنكم ستخرجونني من مجلس النواب، وأعلم أنكم ستقفون ضدي، ولكن تُجرى الانتخابات من أجل استمرار الحياة السياسية، ومن أجل الحصول على المشروعية من خلال الانتخابات".
كان يرد: "أي مشروع؟ أنا المشروع". فقلت له: "مشروعيتنا من خلال إجراء انتخابات، لأننا بلد ديمقراطي ناشئ. وجود المعارضة في مجلس النواب وفي مؤسسات الدولة يعني أننا بلد ديمقراطي أو شبه ديمقراطي، ولكن عندما لا يكون هناك وجود للمعارضة، لا توجد ديمقراطية في البلد".
علي عبدالله صالح كان يقدم تنازلات ثم يتراجع؛ لم يكن لديه ثبات.
رحمة: في 2009، كان هناك أزمتان، وهذه ربما أثّرت بشكل كبير. الأزمة الأولى: الحراك الجنوبي، والثانية الحوثيون. هل يمكنك التطرق إلى القضيتين؟ وكيف تعامل مجلس النواب؟ وكيف تعاملتم، كحزب في المؤتمر الشعبي العام، مع هاتين القضيتين؟
جباري: فيما يخص الحراك الجنوبي، على سبيل المثال، إذا كان لديك فرصة في التعريج على هذا الموضوع، كنتُ في مرة من المرات في زيارة للرئيس علي عبدالله صالح، فوجدت عنده الأستاذ سالم صالح محمد عضو مجلس الرئاسة، يطرح على الأخ الرئيس فكرة تشكيل لجنة من أجل حل القضايا في الجنوب، وأنا أشهد أنه كان رجلًا صادقًا ويتحدث بصدق. فرد عليه علي عبدالله صالح: "ممتاز". هو يأخذ المبادرة، ثم يحوّلها، ثم تفشل بعد ذلك.
وأنا كنت حينها ذاهبًا إليه في موضوع آخر. أتذكر أنه قال لسالم صالح: "ادخل أنت والأخ عبده بورجي وعلي الآنسي المكتب، وخذوا معكم عبدالعزيز جباري، أدخلوه من ضمن اللجنة". وأنا ذهبت في موضوع آخر، ودخلت حينها ضمن اللجنة. هو كان يريد تشكيل لجنة، وبعد فترة شَكَّلوا لجنة من 50 شخصية لحل مشكلة الجنوب، وكنت من ضمنهم. كانت برئاسة سالم صالح محمد،
بعدها نزلنا مع علي عبدالله صالح رئيس الجمهورية - الله يرحمه - إلى عدن، وصُرفت ملايين، وشكَّلنا لجانًا. أنا كنت من ضمن اللجنة: أنا، ومحسن عرب، ونائب وزير الداخلية الأخ صالح الزوعري، وزيد أبو علي. توزَّعنا إلى لجان، كانوا يبدأون البداية، ولكن في نهاية المطاف لا تُنفذ ولا يُؤخذ بالتقارير التي قمنا بها.
رحمة: قال باصرة إنه قدَّم له، وكان علي محسن على يمينه، والرئيس على يساره، وفي الأخير: أزمة البلاد مستحيل أن يكون خلفها فرد واحد، ولكن مجموعة من القيادات.
جباري: أنا أتحدث بما رأته عيني وسمعته أذني. نحن كنا في تلك الأيام، صحيح أنني كنت عضو مجلس، ولست قياديًا كبيرًا، ولا قياديًا في المؤتمر الشعبي العام ولا في الحكومة، ولكن كان يدفعني حبي لبلادي والرغبة في حل المشاكل.
علي محسن الأحمر
رحمة: وفيما يتعلق بالحوثيين؟ وأزمتهم التي بدأت من 2003، هل قابلت عبدالملك الحوثي؟
جباري: نحن مؤخرًا، عندما بدأوا الحصار على صنعاء، قبلها كنا نراهم في عمران، وعندما جاؤوا من عمران، وكيف كانت تسير الأمور. وبكل صراحة، أنا تقديري الشخصي أن كل الجهات تواطأت لاعتقادهم أنهم سيحققون بالحوثيين هدفًا، وجميعهم دفعوا الثمن. ويتحمل الجميع المسؤولية: الأحزاب السياسية، المؤتمر الشعبي العام، الإصلاح، جميع الأحزاب، الناصري والاشتراكي وغيرهم. جميعهم روّجوا لجماعة الحوثي: علي عبدالله صالح، وعبدربه منصور هادي، وكل الشخصيات،الجميع شارك بشكل او باخر للوصول الى هذه الماساة.
رحمة: أستاذ عبدالعزيز، هل قابلت عبدالملك الحوثي؟ ومتى كان ذلك؟
جباري: قبل المقابلة، كنتُ أنا والأستاذ محمد الشدادي نتناول الغداء في منزل زميلنا عبده العواضي، وتلقيت اتصالًا من عبدالملك الحوثي، قال فيه: "الآن لدينا تحشيدات، -ولا أتذكّر إن كانت في الحرب الخامسة أو السادسة-، وربما تعود الحرب مرة أخرى، وأنتم في مجلس النواب من الضروري أن يكون لكم موقف".
فقلت له: أنصحك بالتواصل مع علي عبدالله صالح وتحلّون المشكلة؛ لأن مجلس النواب أغلبيته الساحقة من المؤتمر الشعبي العام، وهم مع علي عبدالله صالح، وحتى المعارضة ليسوا معك، أغلبهم من الإصلاح وغيره، وهم ليسوا معك حتى وإن اختلفوا مع علي عبدالله صالح. أنصحك أن تحل المشكلة معه. فقال: إن علي عبدالله صالح لا يرد على اتصالي. فقلت له: أنا مستعد أن أوصل الكلام، أما أن تعتقد أن مجلس النواب سيحل قضية صعدة فلا أظن. فقال: تمام.
صغير بن عزيز
طبعًا، كيف اتصل بي؟ كان هناك شخص اسمه سعيد المراني، عيّنوه محافظًا للجوف. نزلت أنا وصغير عزيز إلى الحديدة وشكّلنا لجنة، كنت أنا رئيسها والأخ صغير عضوًا، وكان معنا الأخ سعيد. ولم نكن نعلم أنه حوثي. وكنت أمزح أنا وصغير عزيز وأقول له: "السيد هذا جيد"، وأمدحه على سبيل المزاح، وهو اعتقد أنني صادق، فذهب وأخبرهم، وهو ما جعلهم يتصلون بي.
رحمة (مقاطعة): ألم تقابله وجهًا لوجه؟
جباري (متابع): أنا كنت مسافرًا إلى ذمار يوم الخميس، وفي الطريق اتصلت بعلي عبدالله صالح، وحينها رد علي معوضة وقال إن الأخ الرئيس مشغول. قلت له: هناك موضوع هام، أوصلني بالأخ الرئيس. وحينها رد علي. كان علي عبدالله صالح رجلًا متواضعًا، قال: أين ذاهب؟ قلت: ذاهب إلى ذمار. قال: ما هو الموضوع؟ قلت: اتصل بي عبدالملك الحوثي. قال: من؟ قلت: عبدالملك الحوثي. قال: أنتم أهل ذمار تحبون تقبيل الركب، أنتم الكرسي الزيدي. قلت له: انتظر دعني أتحدث. قال: لا، وأغلق الهاتف.
بعدها سرت بالسيارة حوالي نصف كيلو، ثم وصلني اتصال يقول إن الأخ الرئيس يريدك. قال: ماذا قال لك؟ وبدأت أشرح له، ثم أغلق الهاتف مرة أخرى.
رحمة: كان يعوّل عليك وخاف أن يضمّك الرجل إلى صفّه.
جباري: بعدها قلت للسائق الذي معي أن يقف على جانب الطريق حتى لا ندخل منطقة لا يوجد بها تغطية ويعتقد الرئيس أنني أغلقت الهاتف. بعد ذلك اتصل بي، وقلت له: يا فخامة الرئيس، اسمعني أولًا. قال: هات حوّلني على رقم المنزل وسأتصل بك ليلًا. وصلت ليلًا فاتصل بي، وبعد الاتصال شرحت له أن هناك شخصًا في الحديدة، وكنت أمزح مع صغير عزيز، والرجل التقط الأمر وذهب وأخبر الحوثي، حكيت له بالتفصيل الممل.
رحمة (مازحة): ذلك يعني أنني لا أحب تقبيل الركب؟
جباري: نحن بعيدون عن هذا الكلام، لم نحبب علي عبدالله صالح وهو رئيس دولة. بعد ذلك قال: تعال إليّ صباحًا. ثم اتصل بي حسين الأحمر، رحمه الله، وقال: من الذي اتصل بك؟وأنا لم أكن أريد أن أقول له من الذي اتصل بي.
حسين الأحمر
رحمة: كيف علم بالاتصال؟
جباري: أخبره علي عبدالله صالح. وعلي صالح يقول لي: أنت يا جباري برلماني ممتاز ورجل، لكن لا يعيبك إلا أنك تُسَيَّر من قبل بعض الأشخاص. قلت: من الذي يسيّرني؟ وكان يشير إلى الشيخ حسين الأحمر أنه هو من يسيّرني. المهم اتصل بي حسين يريد بعض المعلومات، فأخبرته أنه لا يوجد لدي هذا الكلام، وبعدها أغلق الهاتف في وجهي، وكنت في قمة زعلي في ذلك اليوم . إلى منتصف الليل اتصل مكتب الشيخ حسين الأحمر، قلت له: ماذا تريدون؟ قال: معك الشيخ. قلت: نعم. قال: كم رقم الهاتف الذي اتصل بك؟ قلت له: لقد أخبرتك. وأغلقت الهاتف بعدها، وارتحت.
في اليوم الثاني ذهبت إلى علي عبدالله صالح ووجدت عنده الأخ عبدالله البشيري، والأخ عبدربه منصور هادي عندما كان نائبًا، والأخ حسين الأحمر. فقال علي عبدالله صالح: أهلا بالبرلماني الكبير. إذا كنت أنا برلمانيًا سأريك كيف البرلمان، أنتم لا تعرفون شيئًا. قلت له: أنت يا فخامة الرئيس تحكم البلاد وتلحق خلف البرلمان!
أذكر حينها أنه طلب من الأخ عبدربه منصور هادي وحسين الأحمر أن يجلسوا في مكان أشار إليه، فذهبوا للجلوس، وجلست معه. وهذه للتاريخ. قال: ماذا تريد؟ ما الذي يريده الحوثي؟ قلت له: يا فخامة الرئيس، بينكم اتفاق الدوحة، لماذا لا تنفذونه؟ خاصة أنه كان من جانبك علي محسن الأحمر وعبدالكريم الإرياني. فقال: علي محسن الأحمر شاقي وعسكري عندي، أما عبدالكريم الإرياني فبقرار وأغيره. أنا أعلم بهذا الكلام، لكن هؤلاء من يمثّلوك. ثم قال: يا عبده بورجي، هات الاتفاق وسلّمه إلى الأخ عبدالله البشيري وطلب منه أن يقرأه. وبدأ الأخ عبدالله البشيري يقرأ الديباجة، فقال له: تجاوزها. ودخل في البند الأول: إطلاق المعتقلين من الحوثي. قال: لا يوجد لدي معتقلون، من اعتقلتُهم حولتهم إلى القضاء، والقضاء لا سلطان عليه.
عبدالكريم الإرياني
تسليم الأسلحة، قال: يسلّموا الأسلحة.
إخراج جثث الشهداء، قال: لا توجد لدي جثث. وكان لا يزال حسين الحوثي لم يُقبر بعد.
في البند الأخير مكتوب أن عبدالملك الحوثي وفلان وفلان يخرجون إلى قطر لمدة ستة أشهر. قال: يا عبده بورجي، اعمل تكليفًا لعبدالعزيز جباري وحسين الأحمر بالذهاب لأخذ عبدالملك الحوثي وأصحابه إلى قطر. فقلت له: هل تسخر منا؟ هل يُعقل أن علي عبدالله صالح والحرس الجمهوري والقوات المسلحة لم يستطيعوا إخراج الحوثي، وأنا سأستطيع إخراجه إلى قطر؟
أصبتُ بالانزعاج في ذلك اليوم، وقال لي صالح حينها: "ماذا تريدني أن أقول لك؟ أنت طلبت أن أنفذ اتفاق قطر، هذا هو الاتفاق". وهذا كان أول حوار فيما بيننا فيما يتعلق بمسألة الحوثيين.
رحمة: هذا فيما يتعلق بمسألة الحوثيين، لكنك لم تجب على سؤالي: هل قابلتَ عبدالملك الحوثي؟
جباري: قبل مقابلة عبدالملك الحوثي، الأمر الآخر هو أنه كان يعتقد أن حسين الأحمر له سلطة علينا. حتى إنه مرة قال لي: "كم يدفع لك حسين الأحمر؟" قلت له: "هل أنا آخذ منك وأنت رئيس دولة؟ أنا معتز بنفسي وأعتبر نفسي أكبر منه".
الأمر الآخر: في مرة من المرات علمت أن حسين الأحمر ينظم فعالية في مركز أبولو، وأنه جمع مشائخ حاشد من أجل التحشيد من 10 إلى 15 ألف مقاتل للذهاب للقتال في صعدة. وعندما سمعتُ بهذا الخبر شعرتُ بالاستياء ولم أستطع الصبر، فاتصلتُ بالرئاسة لمقابلة علي عبدالله صالح. وبعد محاولة ومحاولتين قالوا إنه موجود، وذهبت إليه، وكان بجواره طارق محمد عبدالله صالح وعبدالله البشيري.
قلت له: "هل تعلم ماذا يحدث؟" قال: "حسين الأحمر لديه قليل من الأموال حصل عليها من السعودية". قلت له: "الكلام هذا خطير جدًا؛ لأنه إذا حدث قتال ما بين القبائل فسيحدث قتال بين قبيلتين كبيرتين هما حاشد وبكيل، وسيكون هناك ثارات. أما إذا انتصر حسين الأحمر على الحوثي، هل تعلم ما هو ثمن الانتصار؟" قال: "ما هو ثمن الانتصار؟" قلت له: "كرسي دار الرئاسة". قال: "لماذا؟" قلت له: "لأن علي عبد الله صالح والحرس الجمهوري لم يستطيعوا أن يخمدوا التمرد، فمن الذي خمدها واستطاع أن يدافع عن الجمهورية؟ سيكون فلان، وهذا الذي يستحق أن يكون رئيس الجمهورية".
رحمة (مقاطعة): كان ذلك تدخلًا خطيرًا وذكيًا.
جباري: حتى أسألي طارق، كان موجودًا. أتذكر أننا كنا نسير في الحديقة، وكان طارق والبشيري يؤشرون لي بمعنى أن أزيد وأتحدث. وكان يقول لي صالح: "ماذا كنت تقول؟" فكنت أعيد له وأوضحها أكثر.
سارت الأمور وأُجهض مشروع الذهاب للحرب، وأنا في تقديري أن حرب صعدة تدخلت فيها السياسة.
رحمة: أنا سألتك سؤالًا، وبعدها تتهمني بأني أقاطع! وسؤالي هو: هل قابلتَ عبدالملك الحوثي؟
جباري: عندما دخلت جماعة الحوثي إلى صنعاء، وأذكر شخصًا مات قبل ستة أشهر اسمه عبدالله علايا، وهو من ذمار، كان جمهوريًا خالصًا. عندما كنا نرى الأحداث في التلفزيون، عندما كانت جماعة الحوثي وأولئك الأطفال والمليشيات يدخلون دار الرئاسة ويجلسون على كرسي الرئيس ووزير الدفاع... أقسم بالله العظيم أننا كنا نبكي مثل الأطفال ونحن نرى مؤسسات الدولة تنهار.
وفي تلك الأيام تحمستُ واتصلتُ بزميلي محمد علي الشدادي، وبحكم أنه كان قريبًا من عبدربه منصور هادي عندما كان نائبًا وقريبًا منه عندما صار رئيسًا، قلت له: "أنتم الآن ماسكين السلطة! نزل الحوثي من صنعاء وأخذ ذمار بطقمين؟"
Signal 13
طبعًا كنا قد علمنا أن هناك اجتماعًا في اليوم الثاني في صنعاء، سيجتمع فيه أعضاء مجلس النواب والشورى والحكومة والشخصيات الاجتماعية وقادة الجيش ورئاسة الدولة من أجل البحث في موضوع الحوثي.
وقال محمد علي الشدادي وهو يضحك: "أنا أنصح أن تذهبوا وتلتقوا بعبدالملك الحوثي". قلت له: "كيف نلتقي به؟ الدولة بأكملها تذهب لرؤية جماعة الحوثي وهي جماعة مسلحة وميليشيات؟ يفترض أنك كدولة تقمع هذه الميليشيات، لا تذهب للتفاوض معها".
وفي اليوم التالي قمنا، ورئيس الدولة عبدربه منصور هادي، وعلي محسن قائد الفرقة، ويحيى الراعي فوق المنصة، بدأوا يخطبون. وعبدربه قال: "أنا أقترح..."
محمد الشدادي
وهذا نفس الكلام الذي سمعته من محمد الشدادي: أن القوى السياسية تذهب إلى صعدة للجلوس مع عبدالملك الحوثي. القاعة بأكملها قامت بالتصفيق: نواب وشورى. وأنا قلت في ذلك اليوم: "ليس من المعقول أن يكون الجميع على باطل وأنا على حق". فقالوا: فلان وفلان وفلان... ومحمد أبو لحوم، بحكم أنه كان رئيس الحزب. قالوا: "محمد أبو لحوم ليس موجودًا، فينوب عنه عبدالعزيز جباري بحكم أنني الأمين العام".
ذهبنا برئاسة الدكتور أحمد بن دغر، وأنا، ومحمد قحطان، وحسن زيد، وزميل آخر من الضالع لا أتذكر اسمه، وآخرين.
رحمة: كان ذلك في شهر كم؟
جباري: أخبرتك أنني في التاريخ لا أتذكر، ولكن أتذكر عند بداية حصار صنعاء، عندما بدأوا يخيمون حول صنعاء.
ذهبنا، وعندما وصلنا ـ طبعًا أنا كنت أعرف صعدة منذ الثمانينات ـ وبعد الثمانينات كانت صعدة منطقة تجارية حرة، كانت كل البضائع من دول الخليج تأتي إليها، ولم يكن عليها جمارك. وكان جميع اليمنيين يذهبون لأخذ البضائع منها، فهي منطقة نشطة تجاريًا، والناس هناك تجار ومرتاحون، والمنتجات الزراعية: العنب والرمان.
صعدة في الثمانينات
وعندما ذهبت تلك المرة وجدت وجوه الناس عابسة، والطرقات مقطعة، والأطفال كل واحد لديهم اثنان أو ثلاثة أطفال يضعون برميلًا في الخط ويقومون بعمل نقاط تفتيش.
أول ما دخلنا صعدة تغدينا في بيت أبو علي الحاكم في ضحيان، ثم ذهبنا إلى منزل محمد عبدالسلام. بعد ذلك أخبرونا، وكان حينها علي البخيتي معهم، وجاء همس للدكتور بن دغر بأن يأخذوا الموبايلات منا. أنا زعلت وقلت: "كيف؟ رئيس لجنة تأخذون منه الموبايل؟" وقال الدكتور أحمد: "لا مشكلة".
بعدها دخلنا، وكان معنا يحيى منصور أبو أصبع، كان قد ذهب وعاد في أكثر من وساطة، وجلس هناك عدة أشهر، وهو يعرف عبدالملك الحوثي كثيرًا. وقال لنا: "اجلسوا واتركوا عبدالملك الحوثي، هو سيتحدث كثيرًا، وأنتم خلّوكم ولا تقلقوا".
بعدها دخلنا، ومن الملاحظ أننا وجدنا فارس مناع جالسًا في الباب، ونحن كنا جالسين في الغرفة، والمحافظ في الباب. ولاحظنا أنه كان موجودًا في الاجتماع دغسان أحمد دغسان، وهو كان مهرّب المبيدات الذي مسكوه في صنعاء ودفن المبيدات في منطقة في صنعاء، قام بدفن مبيدات محرمة، وكان يجلس معنا بصفته مسؤولًا تابعًا للجماعة، ويوسف الفيشي.
يحيى أبو اصبع
جلسنا وبدأ عبدالملك الحوثي بالحديث حوالي ساعة، وأنا أحصيتُ يمكن 50 أو 60 كلمة "مؤامرات"، كلها اتهام للآخر بأن هناك مؤامرات، والمهم أنهم هم الأبرياء، وأن الآخرين هم المعتدون. بعد ذلك بدأنا نتحدث حول الحل، وكل واحد وضع مقترحه، وأنا وضعت مقترحي.
رحمة: ماذا كان مقترحك؟
جباري: هم رفعوا ثلاث شعارات: التراجع عن الجرعة، تنفيذ مخرجات الحوار الوطني، تغيير الحكومة والشراكة فيها. قلت له: بالنسبة للجرعة، نحن نتراجع 500 ريال من 1000 ريال، وهذا سيحقق لكم انتصارًا. أما في الخمسمائة الثانية، فنشكل فريقًا اقتصاديًا يدرس الحالة الاقتصادية للموازنة اليمنية، وإذا هو يسمح أن نتراجع في الخمسمائة الأخرى، في خلال فترة وجيزة نتراجع.
رحمة: هذا كان قبل اتفاقية السلم والشراكة؟
جباري: نعم، قبل الاتفاق. والموضوع الثاني هو موضوع تنفيذ مخرجات الحوار. نحن كلنا مع تنفيذ مخرجات الحوار، نعمل مصفوفة ونوقع عليها، والأولوية لتنفيذ مخرجات الحوار.
رحمة: والأقاليم، ألم يتحدثوا عنها؟
جباري: لا. أما مسألة تشكيل الحكومة، فنحن سمعنا عن تشكيل الحكومة، وقلت لهم: أنا من الناس الذين سعوا بكل ما أوتوا من قوة من أجل تغيير حكومة الأستاذ محمد سالم باسندوة، لأنني أعتبرها - من وجهة نظر عضو مجلس نواب قريب من الحكومة، انها ضعيفة، ولم نستطع أن نسقطها. ولكن أنتم بثقلكم - أقصد كحركة حوثية وبشعبيتكم - ونحن موجودون، نتعاون ونحقق مصلحة للبلد، نشكل حكومة شراكة، واختاروا لكم...
أحمد بن دغر
في ذلك اليوم أنا زكّيت نفسي في الحديث، وبعدها لامني الدكتور أحمد بن دغر وآخرون، أنني أقوم بعمل مقترحات. قلت لهم: نحن كلجنة لم نأتِ لنقل رسائل وإنما لنبحث عن حلول. نحن عرضنا عليهم الشراكة، قلنا لهم: اختاروا لكم الوزارات التي تريدونها، ونحن ندعم معكم ونضغط من أجل تحقيق ذلك، حتى لو كانت وزارات سيادية، ونشكل الحكومة. قالوا: تمام. ولليوم الثاني كنا متفقين. ثم جاء لنا بعد ذلك شخص اسمه علي ناصر قرشة، هو الآن وسيط ما بين السعودية والحوثيين، هو "حمامة السلام" التابع لهم ويقوم بدور معين.
بعد ذلك رفض الحوثيون، وعدنا إلى صنعاء، وعندما عدنا إلى صنعاء قدّمنا تقريرًا إلى علي عبدالله صالح.
رحمة: وماذا كان موقفكم جميعًا بعد عودتكم إلى صنعاء، غير أنهم لاموك لماذا أنت قدّمت مقترحات؟
جباري: سأقول لك حادثة على سبيل المثال: كنا في أحد البيوت في ضحيان، تقريبًا الساعة: 10 في الليل، التقينا بعبدالملك الحوثي وخرجنا نحن والفريق. أصحابي ذهبوا بالسيارات، ولم يتبقَّ إلا أنا ويوسف الفيشي وعلي البخيتي. كنا في حوش لا يتجاوز طوله 50 مترًا مربعًا، ونسأل عن السيارة. وبعدها طلبوا لي سيارة، وفي ذلك الوقت دار نقاش بيننا، وأنا كنت أحاول إقناع يوسف الفيشي لأنه مؤثر في جماعة الحوثي. قلت له: يا أخي، مصلحتكم أنكم تدخلون الحكومة، وإذا دخلتم الحكومة يمكن أن تصبح أنت وزيرًا، والأخ علي البخيتي يمكن أن يكون نائب وزير أو أحد الوكلاء. أنا كنت أحاول ترغيبهم على أساس أن يقبلوا حل المشكلة.
رحمة: وما الذي حدث؟
جباري: في ذلك الوقت جاء اتصال ليوسف الفيشي وانزوى جانبًا، بينما قال لي علي البخيتي - وهذه شهادة للتاريخ -: "آه لو أخرج منهم، كيف بفعل بهم، قد كل الخبابير عندي".
رحمة: قد فعلها! إذن هذه شهادة بأنكم قد حاولتم بكل ما تستطيعون مع جماعة أنصار الله (الحوثي).
جباري: أقصد أنه لم يكن الهدف الشراكة بالنسبة للحوثية، ولا مشكلة الجرعة، أو ما يسمى بالـ 500 ريال.
رحمة: بعد هذا سنعود إلى 2011 ودور مجلس النواب في إحلال السلام.
مشاهدينا، نلقاكم في الحلقة القادمة مع الأستاذ عبد العزيز جباري، حول دور البرلمان في رسم خريطة مستقبل اليمن وإحلال السلام في اليمن.
ينشر هذا الحوار بالتزامن مع بثه على قناة "حكايتي" على يوتيوب، إعداد وتقديم الإعلامية رحمة حجيرة. لمشاهدة الحلقة (اضغط هنا)

الكلمات الدلالية