صنعاء 19C امطار خفيفة

إيجاز لمسيرة وتحديات ثورة ١٤ أكتوبر في الذكرى الحادية والستين لانطلاقها

قد يثور لدى القارئ سؤال عن المفارقة الكبيرة بين عنوان المقال وبين النكسة التي أصابت ثورتي سبتمبر وأكتوبر قبل عاصفة الدمار الشامل في مارس 2015 وبعدها.

ليس بالجديد أن بعض الثورات تعاني من وهن مؤقت، ولكن شعوبها الحية سرعان ما تنهض لعلمها أن ما أنجز هو القليل جدًا من الأهداف.
كان الكفاح المسلح في الجنوب ينتظر الشرط الأهم لانطلاقه، وهو نهاية النظام الملكي في الشمال. وبعد قيام ثورة سبتمبر 1962 توفر شرط ثانٍ مهم هو الدعم المصري.
بدأ الكفاح المسلح الذي بدأت مناقشته في دمشق في مارس عام 1959، من قِبل قيادة حركة القوميين العرب وقيادات يمنية جنوبية كان من بينها فيصل عبداللطيف وقحطان الشعبي وعلي السلامي وسالم زين (مذكرات الرئيس علي ناصر محمد، ذاكرة وطن: عدن، من الاحتلال إلى الاستقلال، ص9-138).
إن أي كفاح تحريري يتطلب تنظيمًا سياسيًا ورؤية، وقد توفر الأمران في تنظيم الجبهة القومية لتحرير الجنوب اليمني المحتل، التي بدأت حربها ضد المستعمر البريطاني بإمكانيات ذاتية بسيطة، قبل دعم مصر وتسميتها لعمليات الجبهة بعملية صلاح الدين. وعندما نشب الكفاح المسلح في الجنوب في 14 أكتوبر 1963، رأته بريطانيا من منظار الخسارة المطقة التي يجب تفاديها بكل السبل وبأي ثمن، وحينها لم تكن هضمت هزيمتها في العدوان الثلاثي البريطاني -الفرنسي -الإسرائيلي على مصر، ورأت في دعم مصر لثورة سبتمبر فرصة ذهبية للانتقام منها وإفشال دورها، والقضاء في نفس الوقت على ثورتي سبتمبر وأكتوبر. كانت مصر عبدالناصر (الجمهورية العربية المتحدة) حتى عام 1965، هي الداعم الأول لثورة 14 أكتوبر، وبعدها يأتي الاتحاد السوفيتي، وإن كان الكاتب الأمريكي جِس فِريس Jesse Ferris يرى أن العكس هو الصحيح.
كان الجنوب مهمًا اقتصاديًا وسياسيًا واستراتيجيًا لبريطانيا التي وظفت مكانته الاستراتيجية كآخر مواقعها المهمة لحماية مصالحها شرق السويس، ولتعزيز مكانتها وهيبتها الدولية كقوة عظمى في طريق الذبول، ولحماية وليدتها إسرائيل. وحرصت بريطانيا على استمرار سيطرتها على مستعمرة عدن ومينائها كآخر قلاعها المهمة المدرة لموارد لخزينتها المنهكة. كان ترتيب ميناء عدن عالميًا الثاني من حيث النشاط التجاري الدولي البحري، بعد ميناء نيويورك، وكان مطار عدن أنشط مطار في منطقته. ومما يستحق الإشارة أن من دوافع بريطانيا لاحتلال عدن ومينائها عام 1839، كان سلب ميناء المخا ريادته العالمية في تصدير البن اليمني إلى أوروبا وأمريكا، ولإحلال ميناء عدن محله.
أدت خسارة بريطانيا لقناة السويس عام 1956، إلى خلق إحساس لدى بريطانيا بخطر الثورات العربية على مصالحها، وعند قيام ثورة 26 سبتمبر 1962، خصصت موارد كبيرة لإفشالها وهزيمة مصر الداعمة لها، لقناعتها بأن العدوى الثورية سرعان ما ستنتقل من الشمال إلى الجنوب.
وكان التأييد العارم للجنوبيين لثورة سبتمبر، وتطوع الآلاف منهم ومن الشماليين العاملين في عدن للالتحاق بالحرس الوطني للدفاع عن الثورة، استفتاء بالاستقلال، وجرس إنذار بأن نهاية استعمارها للجنوب مسألة وقت.
وكسياسة وقائية وعدائية رفضت بريطانيا الاعتراف بالجمهورية العربية اليمنية، وبدأت منذ الأيام الأولى لثورة سبتمبر بتسيير قوافل طويلة من الجمال التي تحمل السلاح من بيحان إلى الملكيين المناهضين للنظام الجمهوري، تحت إشراف شريف بيحان الذي حقق ثورة هائلة من القوافل التي لم تتوقف.

جبهة التحرير

من العدم خلقت جبهة التحرير. وبالنتيجة حامت شبهات وشكوك حول الهدف من وجودها الزائد عن الحاجة الكفاحية بعد أكثر من عامين على انطلاق الكفاح المسلح وقيام القومية بعمليات فدائية ناجحة لا تبرر إنشاء جبهة أخرى من عناصر كان معروفًا عنها اعتراضها على الكفاح المسلح، ونقده الحاد، وتحبيذها النضال السلمي والتفاوض لنيل الاستقلال.
النجاحات التي حققتها القومية منذ عام 1963 وحتى 1965، في كثير من الجبهات، ومنها عدن، أقلقت السعودية التي أعلنت عداءها السافر لثورة سبتمبر، والاعتراض على منح الجنوب الاستقلال، والسعي الرسمي لدى بريطانيا لتأخير موعده عن يناير 1968، وفقًا للكتاب الأبيض الصادر عام 1966.
تساءلتُ منذ فترة طويلة، هل كانت السعودية وراء تكوين جبهة التحرير؟ وهل نجحت عن طريق طرف ثالث باختراق عناصر مصرية في تعز كانت تعمل في كل من القيادة العربية وفي الأمن العربي (المخابرات)، لإقناع القاهرة بدعم جبهة تحرير جنوب اليمن المحتل التي اتخذت اسمًا يتقارب إلى حد ما مع التسمية المصرية للجنوب التي تجنبت دائمًا وربما عمدًا تسميته بـ"اليمني"، وكانت في إعلامها تسميه الجنوب المحتل، وكان خطاب عبدالناصر في تعز في أبريل 1964، الذي سمّى فيه الجنوب، الجنوب اليمني، استثناء نادرًا.
سارت الجامعة العربية في كل جهودها لدعم استقلال الجنوب على نهج مصر السياسي باستخدام التسمية المصرية، الجنوب المحتل.
ضمت جبهة التحرير جناحًا ناصريًا هو "التنظيم الشعبي للقوى الثورية" الذي يدعِي جوناثان ووكر في كتابه "عصيان عدن، Aden Insurgency"، أنه من خلق المخابرات المصرية، وأنه هو الذي اغتال عبدالنبي مدرم في قهوة الميدان بكريتر، وسحب جثته في شوارعه. التنظيم سجل سابقة في السحل على نظام نوفمبر في الشمال الذي اغتال عبدالرقيب عبدالوهاب عام 1968، وجرجر جثته في شوارع صنعاء.
الجناح العسكري للتنظيم لم يكن ضمن قيادة جبهة التحرير التي استأثر بها من كانا أقرب إلى السعودية، وهما عبدالقوي مكاوي وعبدالله الأصنج، أقوى المعارضين السابقين للكفاح المسلح والمراهنين على استقلال بالتفاوض.
الشمال لم يدافع عن القومية، وتعامل مع موضوع دمج الجبهتين بسلبية كاملة، وكأنه لا يعنيه. ومما يجدر ذكره، وبناء على قراءتي لكل أعداد جريدة "الجمهورية" من عام 1962 وحتى عام 1967، لم يذكر الرئيس السلال الوحدة اليمنية، ولا مرة واحدة، في أي خطاب أو حديث له، وكان يتحدث دائمًا عن الوحدة العربية، وأضيف هنا أن صحفيًا غربيًا سأله في نوفمبر 1962 عن الجنوب، وكانت إجابته: "نعمل في الشمال، أما الجنوب فهذا السؤال موجه إلى الجنوبيين". السلال عبر عن مناخ ثقافي وسياسي شمالي يعتبر الوحدة تحصيل حاصل لا حاجة للحديث عنها، لأن الجنوب حقنا والوحدة آتية طوعًا أو كرهًا.
يكمل ما سبق المبدأ الخامس لثورة سبتمبر، ونصه "العمل على تحقيق الوحدة الوطنية في نطاق الوحدة العربية الشاملة"، الذي عبر عن هامشية الوحدة اليمنية لدى نخب سبتمبر برغم التفسير اللاحق بأن الوحدة الوطنية قصد بها الوحدة اليمنية. ما الذي كان يحول دون ذكر "الوحدة اليمنية"؟ لم يوضح أحد، والكل فضل الغش السياسي. حتى ترتيب المبادئ لا يخلو من الدلالة، ويعني أنه حتى إذا صح أن المقصود بالوحدة الوطنية هو الوحدة اليمنية، فإن الوحدة لم تكن أولوية، وأنه سيُلتفت إليها بعد تحقيق الأهداف الأربعة التي تسبقها. يذكر المرحوم محمد الفسيل في مذكراته أن الأهداف الستة لم تكتب وتعلن إلا بعد ستة أشهر على قيام الثورة. إذن، فالوحدة الوطنية، ولو قصد بها الوحدة اليمنية، لا تعني سوى أن الجنوب في "الزغن" سلفًا بدون مجهود يبذله الشمال.
أما رفض القومية للدمج القسري، فقد أدى إلى فرض عقوبات عليها بقطع الدعم المصري عنها، ولكن هذا لم يفت في عضدها، وواصلت نضالها بإمكانياتها الذاتية، وبسياسة تقشفية صارمة.
عند دنو الاستقلال عام 1967 كانت كفة القومية هي الراجحة، لأنها كانت متجذرة في سهول ووديان وجبال الجنوب ومدنه بما فيها عدن، وكانت معركة كريتر في 20 يونيو 1967 أحد تجليات ذلك التجذر والشعبية، رغم النفوذ الكبير لجبهة التحرير فيه.
وعندما يئست بريطانيا من هزيمة القومية، لم يصح إلا الصحيح، وكسبت القومية استقلالًا بدون قيد أو شرط، وتم إجلاء المستعمر وإغلاق قاعدته العسكرية، وبناء جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية التي تحولت في ما بعد إلى جمهورية اليمن الديمقراطية، من الصفر، بإمكانيات جد متواضعة، وكانت دولتها مهابة في الخارج وفي الداخل، وقد وفرت خدمات صحية وتعليمية وثقافية وفنية وأمنية وانضباطًا مجتمعيًا لا تقارن جميعها بما كان في الشمال برغم الفوارق بين الثروتين البشرية والمالية للشطرين، والدعم الممنوح للشمال من أطراف عديدة في وقت حوصر فيه الجنوب اقتصاديًا، وحجب عنه الاعتراف، وشُيطن حد التكفير.
إضافة إلى ذلك، وحدت القومية وطنًا منقسمًا كان يتكون من 11 سلطنة و7 مشيخات وإمارتين ومستعمرة عدن.

الكلمات الدلالية