الجمعة 22 مايو 2026
  • الرئيسية
  • الخيار الأخير لمنع تفتت اليمن ومستقبل السلم الإقليمي .. قراءة في خارطة العرشي..!

الخيار الأخير لمنع تفتت اليمن ومستقبل السلم الإقليمي .. قراءة في خارطة العرشي..!

مقدمة
تقف الهوية الحضارية لليمن اليوم أمام المرآة الأكثر تهشماً في تاريخها المعاصر.
حيث لا يرتد صدى الصوت إلا بأنين التشظي، ولا تنظر العين إلا إلى خارطة ممزقة تتقاسمها البنادق المأجورة والأيديولوجيات العابرة للحدود.

في هذا المشهد الجنائزي، الذي يتزامن مع الذكرى السادسة والثلاثين ليوم الثاني والعشرين من مايو ٢٠٢٦م، يأتي صوت المناضل المخضرم يحيى حسين العرشي ليخرق جدار الصمت المطبق.

إنه صوت مسكون بأمجاد جيل كامل، صنع التاريخ بأقلامه وسيادته، ورأى في الوحدة اليمنية ذروة السنام لنضال طويل خاضته الحركة الوطنية ضد كابوس الاستبداد الإمامي في الشمال والاستعمار البريطاني في الجنوب.

تتجلى رسالته إلى "٢٢ مايو" لا كمجرد خطاب مناسباتي بارد، بل كوثيقة عقيدة وطنية، ونداء استغاثة أخير يوجهه رجل رأى مداميك البناء الأول وهو يعيش اليوم فصول الانهيار الكبير.

يكتب أستاذنا العرشي بحبر معجون بألم الناس، بجوعهم في المخيمات كالنازحين، بتلك البراميل اللعينة في "الشريجة" التي عادت لترتفع جدراناً نفسية وعسكرية بين الإخوة الأعداء.

لكن هذا النقاء الأخلاقي، والروح الرومانسية الثورية التي ترى في الوحدة كائناً معنوياً يخاطب ويرجى، يواجهان عقبات هائلة حين يتحولان إلى خارطة طريق إجرائية.

إن الفجوة القائمة بين "زمن الصناع الأوائل" و"زمن أمراء الحرب الحاليين" ترضخ لمقاييس أخرى، مقاييس لا تعترف بأدبيات الثورة السابقة بقدر ما تعترف بحجم الذخيرة ومصادر التمويل الخارجي.

من هنا تنبع ضرورة هذه القراءة التفكيكية عميقة المدى، التي تسعى إلى تشريح مضامين مبادرة المناضل العرشي من ناحية ثانية لا لغرض النقد العقيم، بل لإعادة مأسسة هذه الأفكار ورفعها إلى مستوى الواقعية السياسية النافذة.

ومن ناحية أولى أن أستاذنا العرشي ترك جوانب هي في منتهى الأهمية ليس إغفالاً متعمداً منه، وإنما ربما لم يرها ضرورية إما بفعل حكمة العمر التي جعلته يغفل عنها، وإما تركها كتفاصيل يمكن إضافتها لاحقاً من قبل كافة الأطراف المعنية بمسألة السلام أو التسوية التي تناولها في خارطته التي طرحها أمام الجميع.

ولهذا جاءت هذه المقالة لاستكمال ما يعتبر ضرورياً في خارطته عسى أن تكون مسودة لخارطة عملية تضع كافة الأطراف أمام المسؤولية التاريخية في ضرورة القفز على الواقع المأساوي الذي تعيشه البلاد منذ أكثر من عقد من السنوات.

منطلقات الخارطة

يتمسك الوحدوي العرشي في طرحه بأن الوحدة اليمنية ليست طارئاً تاريخياً ولا غلطة حسابية سياسية، بل هي جوهر روح الثورتين اليمنيتين.

ويستدعي في لحظة نباهة فكرية تصريحات شريك الوحدة الرئيس علي سالم البيض في عام ٢٠٠٦م، حينما أعلن فيها أن الوحدة هدف تاريخي سعت إليه كل فئات الحركة الوطنية في الجنوب.

هذا الاستشهاد التاريخي ذو دلالة عميقة جداً في سياق المحاججة السياسية المعاصرة.

فالحكيم العرشي يحاول إقامة حجة معنوية وقانونية على دعاة الانفصال الحاليين، مفادها أن الأصل في الفكر السياسي الجنوبي كان وحدوياً راديكالياً تقدمياً.

كما يبني فقيد المناصب التاريخية الرائد العرشي رؤيته على نفي الشرعية عن كل الاتفاقيات الحالية التي تمس الأرض والثروة والسيادة.

إنه يعتبر أن حالة الحرب والتشظي تسقط الأهلية القانونية والأخلاقية عن أي طرف محلي يبيع أو يشتري في مقدرات سيادة البلاد.

وتتلخص خطته الإجرائية التي صاغها بعناية في مسارين اختياريين، يجتمع فيهما الفرقاء في أرض حضرموت بصفتها جغرافيا التوازن.

الآلية الأولى (لجنة الأربعين): تقوم على نظام الكتل الكبرى، باختيار عشرة ممثلين عن أربعة أطراف رئيسة لصياغة مرحلة انتقالية لمدة عامين.

الآلية الثانية (لجنة السبعين): تعود إلى البنية الحزبية التقليدية، حيث تمنح نسباً متفاوتة للأحزاب التاريخية كالمؤتمر والإصلاح والاشتراكي وأنصار الله والناصري.

تهدف اللجنتان، بحسب خارطة حكيمنا العرشي، إلى النظر في المرجعيات التاريخية للدولة.

وتسعى إلى تجديد النظر في الدستور القائم قبل ٢٠١١م ومخرجات الحوار الوطني لتحديد شكل الدولة الاتحادية القادمة.

كما تضع ضمن أولوياتها مأسسة أجهزة الدولة العسكرية والأمنية على أسس وطنية مهنية تمنع الانقسام.

إن هذا التأصيل النظري يعكس عمق التجربة السياسية التي راكمها الرجل خلال عقود من خدمة الوطن في المناصب العليا.

ويظهر رغبته الصادقة في إيجاد مخرج قانوني يحفظ ماء وجه الجميع ويحمّي البلاد من التبدد.

فجوات الخارطة الميدانية

رغم الجلال الأدبي والنقاء الوطني الذي يشع من مبادرة أستاذنا العرشي، إلا أن الواقع الميداني يفرض إكراهات جديدة.

إن بناء الخارطة السياسية يعتمد أحياناً على رفائع فكرية هشة أمام رياح الواقع العاتية.

ويمكن تفكيك هذه الفجوات البنيوية لفهم كيفية جبرها وتطويرها.

١. مقتل الجغرافيا: التجاهل الصادم للمجلس الانتقالي وتحولات الجنوب

إن النقطة الأكثر إثارة للقلق في مبادرة المناضل العرشي هي غياب ذكر "المجلس الانتقالي الجنوبي" ككيان سياسي وعسكري.

لقد تعاملت الخارطة مع ملف الجنوب بعقلية من يظن أن الحزب الاشتراكي اليمني لا يزال هو الناطق الوحيد.

هذا الوهم التاريخي يصطدم بالواقع الذي يقول إن الحزب الاشتراكي قد تعرض لتجفيف بنيوي منذ حرب ١٩٩٤م.

وأن الميدان الجنوبي اليوم تقوده قوى أخرى ترفع شعار "استعادة الدولة" وتملك سيطرة عسكرية كاملة.

إن نعت التحركات الجنوبية المناهضة لصيغة ١٩٠٠م بأنها فقط من صنيع أدوات خارجية فيه إجحاف بحق قضية حقيقية.

إنها قضية أنتجتها أخطاء السلطة المركزية وسياسات الإقصاء الصارخة التي تلت حرب صيف تلك الأعوام.

بدون الجلوس المباشر مع المجلس الانتقالي، لا يمكن لأي لجنة تلتقي في حضرموت أن تنفذ بنداً واحداً.

فالسيطرة على الموانئ والقواعد العسكرية في عدن وما حولها باتت حقيقة مادية لا تحل بالتجاهل.

٢. رومانسية الأحزاب الميتة وإغفال القوى الصاعدة

تبدو الآلية الثانية في خارطة الوحدوي العرشي وكأنها تستحضر توازنات الماضي النيابي المفقود.

تقسيم المقاعد بالتساوي بين المؤتمر والإصلاح والاشتراكي هو رهان على كيانات تغيرت بنيتها النفعية والجماهيرية.

المؤتمر الشعبي العام: غدا أشتاتاً وتيارات بلا رأس واحد، بين جناح صنعاء وأجنحة المنافي المتعددة.

أحزاب التحالف التقليدي: ذابت مفاهيمياً وتنظيمياً في بوتقة المشاريع العقائدية الجديدة وفقدت القدرة على الحشد.

وفي المقابل، تغفل هذه الحسبة عن قوى عسكرية ضاربة تسيطر على مناطق شاسعة وتتحكم بأهم ممرات الملاحة.

ألوية العمالقة السلفية تملك القوة الهجومية الأكثر تنظيماً في الجنوب والساحل الغربي ولا يمكن تجاهلها.

والمقاومة الوطنية بقيادة طارق صالح تمثل رقماً صعباً في معادلة الساحل ولا تدخل ضمن حصة المؤتمر التقليدي.

كما أن التكتلات المحلية في حضرموت والمهرة باتت ترفض التبعية لمركزية صنعاء أو حتى لهيمنة عدن.

٣. مأزق مفاهيمي للمرجعيات: الجمع بين النقيضين

عندما يقترح أستاذنا العرشي الجمع بين دستور ما قبل ٢٠١١م ومخرجات الحوار الوطني، فإنه يسقط في تناقض جسيم.

فدستور ما قبل ٢٠١١م هو الإطار القانوني للدولة المركزية الاندماجية التي تركزت فيها السلطة في مركز واحد.

بينما "مخرجات الحوار الوطني" قامت على تفكيك هذه المركزية وتحويل البلاد إلى جمهورية اتحادية فيدرالية.

إن هذين المسارين لا يلتقيان تشريعياً؛ فالعودة للأول تعني نسف كل ما أنتجته لجان صياغة الدستور الاتحادي.

هذا الخلط التشريعي سيجعل من أي لجنة ميداناً للمهاترات القانونية التي تقعد الصناع عن التقدم خطوة واحدة.

٤. مثالية التنازل وإغفال أيديولوجيا القوة

تبدو رسالة الحكيم العرشي محكومة بطوباوية أخلاقية حينما تطالب الأطراف بتقديم التنازلات طوعاً لأجل الوطن.

هذا الكلام يتجاهل طبيعة التركيبة الأيديولوجية للقوى المسيطرة على الأرض في المشهد الحالي.

فجماعة أنصار الله لا يرون وجودهم في صنعاء كمكسب سياسي قابل للمساومة، بل كحق تعبدي وتفويض مقدس.

وفي المقابل، يرى التيار الجنوبي الراديكالي أن أي حوار تحت سقف اليمن الواحد هو خيانة لدماء الشهداء.

عندما تغيب روافع الضغط الحقيقية، فإن الاحتكام إلى نقاء السريرة لا ينتج إلا سراباً سياسياً يزيد الأزمة تعقيداً.


القضايا المسكوت عنها

إلى جانب القصور الظاهر في هندسة اللجان، هناك ملفات حيوية سكت عنها نص أستاذنا العرشي كلية.

رغم أن هذه الملفات تمثل البوابة الحقيقية والشرايين الرئيسة لأي حل سياسي واقعي يمكن تطبيقه.

١. مدخل الاقتصاد والاقتصادي المفقود

لقد كتبت الخارطة بعقلية رأسية تبدأ من أعلى الهرم السياسي كشكل الدولة والمجالس التشريعية.

متناسية أن مأزق اليمني اليوم هو أقرب إلى القاع وإلى لقمة العيش المفقودة بفعل الحصار والانقسام.

ماذا يعني المواطن الجائع شكل الدولة إذا كان يتقاضى راتباً بلا قيمة شرائية أو محروماً منه؟

لم تتطرق المبادرة إلى العلاجات الإسعافية العاجلة التي تمثل أرضية بناء الثقة بين الناس والسلطة.

توحيد السياسة النقدية وإنهاء انقسام البنك المركزي بين صنعاء وعدن بات أولوية قبل أي حوار دستوري.

وإلغاء الجبايات والمكوس الجمركية المزدوجة التي تثقل كاهل التجار والمستهلكين أمر لا يحتمل التأجيل.

كما أن الاتفاق على آلية لتصدير النفط والغاز لتمويل رواتب الموظفين هو المحور الذي يدور حوله الاستقرار.

٢. التبعية الجيوسياسية وتدويل الأزمة

تعامل الوحدوي العرشي مع النزاع بوصفه "شأناً يمنياً خالصاً" يمكن حله إذا ما صفت النوايا في حضرموت.

هذا الطرح يغفل عن حقيقة أن الحرب في اليمن قد تجاوزت محليتها منذ أعوامها الأولى وباتت دولية.

لقد أصبحت الأزمة جزءاً من معادلة الصراع الإقليمي الكبير وأمن الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب.

إن ترك مسألة حضور القوى الإقليمية الفاعلة كأمر متروك لموافقة المنقسمين يعبر عن نظرة طوباوية.

فالدول الكبرى والجيران ليسوا مجرد مراقبين بل هم أطراف تملك أدوات حقيقية وفيتو نافذ على الأرض.

ولا يمكن صياغة أي اتفاق دون ضمان مصالحهم الأمنية والحدودية لضمان استمرار السلام وعدم انهياره طبقياً.

هندسة الإصلاح البديلة

كي لا نقف عند حدود التهديم النقدي لمبادرة رجل جليل كأستاذنا العرشي، نقدم هنا رؤية منهجية عميقة.

إن الهدف هو إصلاح هذه الخارطة وتطويرها لتكون دليل عمل قابل للتنفيذ في لحظتنا الراهنة.

ويتم ذلك عبر نحت خطوات محورية تعيد صياغة التوازنات السياسية والعسكرية على أرض الواقع.

١. إعادة ترسيم طاولة حضرموت (مفهوم الكتل الأربع المادية)

يجب تعديل التقسيمات الحزبية التقليدية التي تجاوزها الزمن وتعويضها بتمثيل واقعي قائم على النفوذ الحقيقي.

يتم تقسيم المقاعد بالتساوي بين أربع كتل صلبة تمثل الخارطة الحالية للقوة والجغرافيا:

الكتلة الأولى (كتلة صنعاء/ أنصار الله): بصفتها السلطة المتمركزة عسكرياً في الكتلة السكانية الأكبر شمالاً.

الكتلة الثانية (كتلة عدن/ المجلس الانتقالي): بصفته الممثل النافذ للتطلعات الجنوبية والمسيطر ميدانياً.

الكتلة الثالثة (كتلة الشرعية التقليدية): وتضم بقايا رجالات الدولة وتيارات الإصلاح والمؤتمر في مأرب وتعز لضمان الشرعية.

الكتلة الرابعة (كتلة التوازن الجغرافي): وتمثل قوى الساحل الغربي ومؤتمر حضرموت الجامع وأبناء المهرة منعاً للاستقطاب.

٢. ترتيب الأولويات التنفيذية (معادلة الاقتصاد أولاً)

لا يمكن نقاش الدستور في بيئة موبوءة بالمجاعة والتشظي النقدي الذي دمر حياة الناس.

يجب تقسيم عمل اللجنة إلى مراحل زمنية صارمة تبدأ من الاحتياج الإنساني وترتقي إلى السياسة:

المرحلة الأولى (إنقاذ الحياة): توقيع ميثاق شرف اقتصادي فوري يقضي بتوحيد العملة وإنهاء انقسام البنك المركزي.

المرحلة الثانية (التهدئة وفتح الشرايين): فتح كل المعابر البرية في تعز ومأرب وتبادل الأسرى كلياً.

المرحلة الثالثة (الهندسة السياسية): نقاش شكل الدولة وفق مفهوم "الفيدرالية المرنة" التي تضمن حقوق المناطق.

٣. توحيد المرجعيات عبر "المسودة الحديثة"

يجب التخلي عن دستور ما قبل ٢٠١١م لأنه يعبر عن مرحلة ماتت واقعياً وتجاوزتها الحروب.

واعتماد "مسودة دستور دولة اليمن الاتحادي" لعام ٢٠١٥م كمرجعية أساسية للحوار القادم.

مع إعطاء طاولة حضرموت الحق في إدخال تعديلات جذرية على بند تقسيم الأقاليم بما يتوافق مع الهويات.

يمكن تقسيم البلاد إلى إقليمين أو ثلاثة أقاليم بدلاً من ستة لتسهيل الإدارة ومنع الصراع الجديد.

٤. الرعاية الإقليمية والدولية الملزمة

يجب أن تتحول طاولة حضرموت التي نادى بها المناضل العرشي إلى مؤتمر محمي بإجماع دولي.

تشرف عليه الأمم المتحدة برعاية مباشرة من الجيران والقوى الفاعلة لضمان جدية الالتزام.

ويتم السعي لإصدار قرار جديد من مجلس الأمن الدولي يحل محل القرارات القديمة التي تجاوزها الواقع.

هذا القرار يضع عقوبات صارمة ضد أي طرف محلي يحاول التنصل من مخارج التسوية.

جبر الأضرار والعدالة الانتقالية

إن الانتقال من الحرب إلى السلام لا يمكن أن يتم بمجرد تواقيع سياسية بين القادة.

يجب أن تتضمن الخارطة الممنهجة بنداً صريحاً يتعلق بالعدالة الانتقالية وجبر ضرر الضحايا.

لقد تعرضت البنية الاجتماعية لليمن لتمزيق عميق بفعل الخطابات الطائفية والمناطقية.

ولا يمكن للمجتمع أن يتعافى دون آلية وطنية للمصالحة تقوم على كشف الحقيقة والاعتذار.

إنشاء هيئة وطنية للمصالحة: تكون مستقلة وتعمل على تقريب وجهات النظر بين القبائل والفئات.

صندوق دولي لإعادة الإعمار: يخصص لتعويض المتضررين ممن هدمت منازلهم أو فقدوا مصادر رزقهم.

إن هذا المسار هو الكفيل بتحويل السلام من شعار سياسي إلى طمأنينة يلمسها المواطن في حياته.

وبدونه ستبقى الجروح مفتوحة وقابلة للانفجار عند أول منعطف سياسي قادم.

من هنا نرى أن حكمة أستاذنا العرشي أرادت فتح الباب للنقاش، وتركت لنا مسؤولية ملء هذه الفراغات.

تحديات سلطة اللجان

عندما نتأمل في طبيعة اللجان التي اقترحها الحكيم العرشي، نجد تحديات تنفيذية كبيرة.

كيف يمكن للجنة الأربعين أو السبعين أن تفرض قراراتها على ميليشيات لا تعترف بالقانون؟

إن سلطة السلاح في لحظتنا الراهنة أقوى من سلطة الوثائق السياسية المكتوبة.

ولذلك، فإن دمج القوات العسكرية يجب أن يسبق العملية السياسية أو يتزامن معها بضمانات صارمة.

لا يمكن للأحزاب أن تتحاور بحرية إذا كانت بنادق أحد الأطراف موجهة إلى صدور المرشحين.

يجب أن تكون هناك قوة حيادية، ربما برعاية عربية أو دولية، لضمان أمن المتحاورين في حضرموت.

إن تجارب الماضي في اتفاقات السلام اليمنية تعلمنا أن الشيطان يكمن دائماً في تفاصيل التنفيذ العسكري.

ومن ثم، فالمسؤولية التاريخية تقتضي القفز فوق المصالح الضيقة والاعتراف بأن البلاد لم تعد تحتمل الخداع.

بعد النفط والثروة

تمثل الثروات الطبيعية في اليمن، وخاصة في حضرموت ومأرب وشبوة، عصب الصراع الحالي.

لقد أغفلت العديد من المبادرات كيفية توزيع هذه الثروة بما يضمن عدالة التنمية لكل المناطق.

إن الصيغة القديمة التي نهبت خيرات الأطراف لصالح المركز النفوذي في صنعاء قد انتهت إلى غير رجعة.

ولا يمكن لأبناء المناطق المنتجة أن يقبلوا بأي تسوية تعيد إنتاج ذلك الحرمان التاريخي.

لذلك، يجب أن تتضمن المسودة العملية نسباً مئوية صريحة لصالح المناطق المنتجة لتنميتها محلياً.

مع خصخصة الجزء الأكبر لتمويل الميزانية الاتحادية التي تغطي الخدمات الأساسية كالصحة والتعليم.

إن هذا التقسيم العادل للثروة هو الضمانة الحقيقية لولاء الناس للدولة الجديدة والدفاع عنها.

وبدونه، ستبقى دعوات التمرد والانفصال تجد أرضاً خصبة بين الجماهير المحرومة مثلما حدث في الماضي.

دور المرأة والشباب

من الملاحظ أن البنية الحزبية التي استدعتها خارطة المناضل العرشي تميل للتقليدية النخبوية.

حيث يغيب ذكر المرأة والشباب، وهم الكتلة الحيوية التي دفعت الثمن الأكبر للحرب.

إن جيل الشباب الذي نشأ في ظل صوت المدافع يملك رؤية مختلفة تماماً عن جيل الصناع الأوائل.

إنهم يبحثون عن دولة مؤسسات، عن فرص عمل، وعن تعليم حديث ينتشِلهم من طوابير القتال.

يجب أن تمنح اللجان المقترحة كوتا لا تقل عن ثلاثين في المائة للشباب والمرأة لضمان حداثة الطرح.

لا يمكن أن ندع رجالات الماضي بعقلياتهم التقليدية يعيدون صياغة مستقبل لا ينتمون إليه.

إن إشراك الشباب هو تلقيح ضروري للعملية السياسية لحمايتها من التكلس والفساد.

وهذا ما نسعى لإضافته إلى رؤية أستاذنا العرشي لتكون مكتملة وقادرة على الاستجابة لتحديات العصر.

خاتمة

تبقى رسالة حكيمنا العرشي في مايو ٢٠٢٦م وثيقة تاريخية باذخة القيمة في مسيرة الوطن.

لا لأنها قدمت حلولاً تقنية معصومة، بل لأنها صدمت الضمير اليمني في لحظة غيبوبته.

إنها صرخة نقية من أستاذنا العرشي الذي يرى بيته الافتراضي الكبير يهوي فيمد يديه لينقذه.

إنه يعمل دون منّ أو رغبة في جاه أو منصب، كما كان دأبه طوال مسيرته النضالية الشريفة.

إن النقد المنهجي الذي وجهناه لهذه الخارطة هو التعبير الأسمى عن الاحترام لقامته السامقة.

فالأفكار الكبيرة هي التي تقبل التشريح والتطوير لتبقي نبض الحياة داخلها مستمراً.

إن يمن عام ٢٠٢٦م لم يعد هو يمن تسعينيات القرن الماضي بكل تفاصيله النخبوية.

ومحبة الوحدة لا تعني عبادة صنمها المركزي القديم الذي أنتج الإقصاء وحروب صيف التمزيق.

بل تعني النزول عند رؤية الشرفاء الصادقين وتطويرها لتبني للأجيال القادمة وطناً حراً.

وطناً يتسع للجميع بحرية وعدالة ومساواة دون تمييز مناطقي أو سلالي عقيم.

ولنعمل معاً على تحويل هذه المقاربة إلى مشروع عقد اجتماعي جديد يقفز بنا فوق الرماد.