يوم من التاريخ.. حين توحدت القلوب قبل أن تفرقها السياسة
في ذاكرة الوطن محطات مضيئة، وفي وجدان أبنائه تواريخ لا تُمحى. ومن تلك المحطات يوم الثاني والعشرين من مايو 1990م؛ يوم إعلان قيام الجمهورية اليمنية، ذلك المنجز التاريخي الذي جسّد حلم أجيال، وأعاد رسم خارطة الأمة من جديد.
صادف ذلك اليوم الاستثنائي نوبتي في قسم الأخبار بإذاعة المكلا، ويومها كُلّفت بإعداد تقرير إخباري يرصد مشهد مراسم الاحتفال في عدن، ولم يكن لدينا من مصدر سوى إذاعة وتلفزيون عدن اللذين كانا يبثان وقائع الحدث مباشرة، بحضور قيادات الدولتين الشطريتين، وبمشاركة الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات.
غير أن بث الاحتفال من عدن تأخر لبعض الوقت، وبدأ موعد تسجيل التقرير يقترب.. وأمام ضغط الوقت ورهبة اللحظة التاريخية، استبدلتُ بالتقرير الإخباري كتابة تعليق سياسي يليق بجلال الحدث، واستحضرت في مطلعه كلمات شاعر اليمن الكبير محمد محمود الزبيري: «سجّل مكانك في التاريخ يا قلم.. فهاهنا تبعث الأجيال والأمم».. ثم مضيت أسرد مشاهد ذلك اليوم المهيب كما كانت ترد إلينا من عدن، محاولًا أن أنقل للمستمعين نبض الشارع وفرحة القلوب.
أتذكر أن الزميل الإذاعي القدير محمد قاسم المفلحي هو من تصدى لقراءة التعليق بصوته الجهوري المميز؛ سُجلت المادة وأُذيعت عقب نشرة أخبار ذلك اليوم الأغر، ثم أُعيد بثها في اليوم التالي، بينما كانت مدينة المكلا تحتفل على طريقتها بهذا الحدث الكبير، وتحديدًا في ساحة قصر 14 أكتوبر، التي اكتظت بالجماهير المبتهجة بالمنجز الذي تحقق.
لقد كان يومًا استثنائيًا بكل المقاييس؛ توحدت فيه القلوب قبل أن تتوحد الحدود، والتقت الإرادات على هدف سامٍ تجاوز الحسابات الضيقة.. كانت الوحدة - بالفعل - لحظة تاريخية خالصة، وحلمًا راود الآباء والأجداد حتى صار حقيقة.
لكن آفة السياسة والمصالح هي التي شوهت ذلك المنجز العظيم، فتحوّلت الوحدة من مشروع وطن إلى ورقة صراع، ومن حلم جامع إلى عبء يثقل كاهل البسطاء.. لقد عبث الساسة والعسكر بمضمون الوحدة النبيل، فأفرغوها من جوهرها القائم على العدل والشراكة والمواطنة المتساوية، وحولوها إلى مغنم للبعض ومغرم للكثيرين.
ورغم كل ما جرى، تبقى الوحدة كفكرة ومبدأ منجزًا تاريخيًا لا يُنكر، وحقًا مشروعًا للأمة.. فالمشكلة لم تكن يومًا في الوحدة ذاتها، بل فيمن تسلقوا على أكتافها ليحققوا مآربهم؛ فالأوطان لا تخون، لكن بعض أبنائها يفعلون.
إن استدعاء يوم 22 مايو ليس بكاءً على الأطلال، بل تذكيرٌ بأن الشعوب قادرة على صنع المعجزات حين تتوحد إرادتها. ويبقى الرهان اليوم على استعادة ذلك الوهج الوطني، وتنقية ذلك المنجز مما علق به من أدران السياسة، ليعود كما أراده المؤسسون.. وطنًا للجميع، يتسع للجميع، ويحميه الجميع.
