من حلم الوحدة الى وجع الوطن
في يوليو 1989م وصلتُ إلى صنعاء قادمًا من موسكو في الإجازة الطلابية. كان المزاج العام في البلاد يسير بقوة باتجاه الوحدة اليمنية، وكانت الحدود بين الشطرين قد فُتحت، وبدأ الناس يتنقلون بشيء من الأمل والترقب.
قال لي صديقي محمد محمد الوهابي: «هل ترغب بزيارة والدتك في عدن؟»
استغربت الأمر وقلت: «وهل ذلك ممكن؟»
فأجاب بثقة: «الأمور أصبحت ميسّرة. سبق أن زرت عدن ضمن وفد من أمانة العاصمة حيث كنت أعمل، وقد نشأت بيننا وبين بعض المسؤولين هناك علاقات طيبة».
وافقت فورًا. غادرنا صنعاء الساعة الخامسة عصرًا بسيارته الفولفو التي كانت تلتهم الطريق بسرعة لافتة، وقطعنا المسافة بين صنعاء وعدن في ثلاث ساعات ونصف فقط، وهو وقت كان يُعد قياسيًا آنذاك.
وصلنا عدن في عزّ الحر، لكن حرارة اللقاء بوالدتي ـ رحمها الله ـ بعد غياب ثلاث سنوات أنستني كل شيء. كان اللقاء أكبر من الكلمات، وأثقل من أن يُوصف.
في اليوم التالي تلقيت مكالمة هاتفية من مجهول يهددني بالقتل. لم أعر الأمر اهتمامًا كبيرًا، وقضينا يومًا آخر ثم عدنا إلى صنعاء.
وفي 22 مايو 1990م، أُعلنت الوحدة اليمنية، في اليوم نفسه الذي كنت أستعد فيه للدفاع عن رسالة الماجستير في العلاقات الدولية بجامعة كييف.
أتذكر أنني، بعد عودتي من الكلية إلى السكن الطلابي، وجدت مجموعة من الزملاء المنتمين إلى حزب حوشي المعارض للنظام في صنعاء يجلسون في فناء السكن يحتسون البيرة. وما إن رأوني حتى أخذوا يرددون بحماس: «نجران سوف تعود… جيزان سوف تعود».
ابتسمت وقلت لهم بهدوء: «حافظوا على هذا المنجز أولًا».
فرحتُ، ككل يمني، بذلك اليوم العظيم، لكن فرحتي كانت ممزوجة بقدر كبير من الريبة والأسئلة. لم أكن أتوقع أن تُعلن الوحدة بهذه السرعة، ونحن ما زلنا في الشتات هربًا من جراح 13 يناير 1986م. كنت أقول في نفسي إن اليمن يحتاج إلى سنوات طويلة ـ ربما عشرين سنة على الأقل ـ حتى تهدأ النفوس، ويأتي نظام جديد يجبر الضرر ويعيد بناء الثقة بين الناس.
عدت إلى صنعاء، وهناك تلقيت الصدمة الأولى. فقد رُفض استيعابنا ـ نحن الذين غادرنا عدن إلى صنعاء بعد أحداث 1986م ـ ضمن هيكل الدولة الجديدة.
كنت أرى زملائي القادمين من عدن يعيشون فرحة غامرة؛ يسكنون الفنادق، وتُقدَّم لهم كل التسهيلات، ريثما تُستأجر لهم المنازل وتُؤثث. أما أنا فكنت أتجول في شوارع صنعاء مثقلًا بالهموم والأسئلة: هل أفرح بالوحدة أم أبكي حظي فيها؟
مرت السنوات، فإذا بالجميع يبكون؛ من ذهب إلى الوحدة، ومن دافع عنها، ومن حلم بها في الشمال والجنوب دون استثناء.
واليوم نبكي جميعًا على وطن كبير وضائع، لا أثر حقيقي فيه لوحدة، ولا قدرة فيه حتى على الانفصال، بينما تنهشه الضباع من كل جانب.
ما أريد قوله إن الطبقة السياسية اليمنية، منذ ما بعد الثورتين في الشطرين، هي التي أوصلتنا إلى هذا الحال. فمعظم صراعاتها لم تكن حول مشاريع وطنية كبرى، بل حول السلطة والمصالح والنفوذ، واتخذت من الشعب وقودًا دائمًا لتلك الصراعات.
وما تزال.
واليوم نحن أحوج ما نكون إلى مراجعة صادقة مع النفس؛ مراجعة تُغلق باب الصراع العبثي على السلطة، لأنه أصل المأساة اليمنية، وتفتح الباب أمام مشروع وطني جامع يخدم اليمنيين جميعًا، وينتشلهم من دوامة الاحتراب الدائم.
أما من يظن أنه قادر على تحقيق نصر منفرد، فهو واهم.
فإن استمرت هذه الحالة، فقد نجد أنفسنا جميعًا خارج هذا الوطن، أو في أوطان ممزقة لا تختلف كثيرًا عن مآسي الأحواز أو الأكراد.
