تاجر البندقية
ليس مستغربًا أن يتفوه إيلون ماسك، الملياردير الصهيوني أولًا، والأمريكي ثانيًا، وهو يثني على دولة إسرائيل باعتبارها رائدة للابتكارات العلمية، ويرفع لها تبعًا لذلك القبعة، كما تفوه، لا فض فاه، تمامًا كما تهرع دولته لمدها بالمال والسلاح عند بروز أي تحدٍّ يواجه دولتهم الصنيعة، متناسيًا أن شبكة الترابط التقني التمويلي لما أسماه الابتكارات الإسرائيلية، مصدرها العمق المالي الصهيوني الأمريكي، وأحد رموزه إيلون ماسك ذاته، وعداه من أساطين المال الصهاينة المهيمنين على مرتكزات المال وأسواق التمويل وصانع القرار السياسي داخل أمريكا.
قفز لذهني، وأنا أنصت لتصريحه الفج، مشهد تاريخي يعيد عبثية مشهد التاجر الرأسمالي، إيلون ماسك الجديد، مقابل صورة وشهوة تاجر البندقية القديم، الذي يتلذذ بمشهد الدم يسيل من أي جسد بريء، وبالأخص إن كان جسد ضحية فلسطينية. هو هو شيلوك الممجد للقرش والدولار، حتى وإن أفنى في سبيل ذلك شعبًا يناضل كي يعيد وجوده السياسي وطنًا فلسطينيًا.
إيلون ماسك لم تهتز له شعرة على دماء أبناء وأطفال غزة وفلسطين، يتساقطون جراء جرائم وقذائف وطائرات شيلوك، تبيد شعبًا همه الوحيد أن يتزايد رصيده باعتباره من تجار السلاح والدماء على الأرض المخصبة بدم الأبرياء. لا يتهاون بدعم دولة الكيان مالًا وسلاحًا ودعمًا، بل يمكن أن يركع أمام الكنيست، ويتلمس الشفاعة، وهو يقبل أحجار حائط المبكى كي لا يظل اليهودي التائه، بل إيلون ماسك المنتصر، من بات يخطط للانتقال للحياة بكوكب المريخ الملوث بحروب هو ممولها.
ماسك، المدعوم بقوة اللوبي الصهيوني القوي، الحاكم الفعلي لأمريكا، ومعه ترامب، المتخالف معه أحيانًا، وأحيانًا أخرى يتحالف مع ترامب، آخر المرابين على طريقة تاجر البندقية شيلوك، المستمتع باقتطاع أرطال متزايدة من جسد أي محتاج أقرضه مالًا، يصر على استعادتها بقطع من جسده، أو ممن استولى على وطنه، كما هو الحال مع غزة والشعب الفلسطيني.
لقد أعاد إيلون ماسك، من حيث لا يدري، الروح لمسرحية شكسبير "تاجر البندقية"، لتنتمي، وفقًا لميوله الرأسمالية الشريرة، لهذا العصر الذي يصنعه، والذي تسود فيه قيم المادة الشيلوكية بنزعتها الدنيوية المدمرة لقيم الإنسانية، ليبقى المال، رأس المال، سيدًا مدمرًا للقيم، وحاكمًا لا تطاله المبادئ والقيم الإنسانية.
إنه عالم المال المدمر، نفس عالم الأمس الذي رسمته ملامح مسرحية "يهودي مالطة"، التي كتبها مؤلف آخر غير شكسبير. ولكن قد غاب عن ذهن إيلون ماسك أن مسارات الحياة ونضالات الشعوب لاستعادة حقوقها تكتمل، مهما طال الزمن، بانتصار الحق على الدم المراق باطلًا.
شيلوك، اليهودي التائه بأسواق رأس المال، وعبر أشخاص كإيلون ماسك وغيره، ورئيس مهوس كترامب، لا يدركون بأن النهايات لمسارات التاريخ وحياة الشعوب تكتمل بانتصار الحق المطلق وهزيمة الشر المطلق.
تاجر البندقية، بمسرحية شكسبير، انهزم تاريخيًا، ولنا هنا تساؤل: يا ترى، كم من تجار الحروب والسلاح الذين يضرمون، وبإصرار، نيران الحرب ببلادنا، وكم يستمرون يحرقون بلدًا ويدمرون شعبًا بأكمله، يراكمون الأموال عبر دماء تسيل ووطن يُدمر وشعب يتمزق؟ بل إنهم، وعلى طريقة تاجر البندقية، يثيرون ويشعلون الحرب بأكثر من بقعة ملتهبة في بلادنا.
عليهم إدراك أن عجلة التاريخ تعود أخيرًا للصواب، وأن شيلوك المال ينتهي، وتناقضات وصراعات البحث عن مزيد من المال، من أرطال اللحم من جسد الشعوب، تنتهي بهزيمة تاجر البندقية، تاجر الحرب وتمويلها، وتنتهي معها أسماء تجار الحروب وكل المعاني الهابطة، كالتي قالها إيلون ماسك وهو يرفع القبعة لكيان الرأسمالية الصهيونية إسرائيل، المدعومة من تجار البندقية الجدد داخل البيت الأبيض، وليس آخرهم إيلون ماسك، وقبعة الموت التي تباهى برفعها على أشلاء ودماء أبناء غزة وشهداء فلسطين.
