يوميات (6)
طعم الخيانة الصغيرة والوفاء الكبير
في البيت، أخذت زوجتي قرصي اللحوح.. واحد اشتريته بدمع الغربة من يد عبده خواجه والآخر هدية من يد مقبولة.. وخلطتهما بالمرق القليل.. فصار فتة.
أكلنا.. يا الله كم كان ألذ غداء ذقته منذ أشهر.. لم يكن فتة عادية.. كان وجعا معجونا بالذكريات.. لحوح من زميل القهر السابق ولحوح من حبيبة الطفولة التي سرقتها الحرب..
له طعم لا يعرفه الأغنياء أبدا.. طعم الخيانة الصغيرة والوفاء الكبير.. طعم الماضي والحاضر وهما يغليان في صحن بلاستيكي واحد.
قلت في سري وأنا أزدرد اللقمة المرة: لو علمت زوجتي أن الحبة الثانية من يد مقبولة.. تلك التي أحببتها في زمن كان للحب معنى.. لرمت الصحن كله من النافذة، ولأبقت على لحوح عبده خواجه فقط.. فالغيرة عند نسائنا لا تفرق بين خبز وخبز، طالما جاء من يد امرأة أخرى.
لم يكد الفتة يستقر في بطوننا الخاوية حتى طرق الباب أحد معارفي.. دخل ووجهه يحمل قلقا مصطنعا:
: الناس تتكلم عليك في الفيسبوك..
استغربت: ولم؟ ماذا فعلت؟ هل ارتكبت جريمة إلكترونية؟
عدت الى حيث سرقت النت ..فتحت صفحتي بيد ترتجف.. استقبلني إشعار أحمر كالدم.. تم تقييد حسابك بسبب بلاغات متعددة..
قلبت في التعليقات المسمومة.. كانت كالسكاكين تغرس في خاصرتي..قفلوا صفحته يا رجال، يسيء لسمعة اليمن..
أي سمعة يا أولاد الكلب؟
لكن التعليق الذي قتلني الذي نحرني من الوريد إلى الوريد، كان توقيعا أعرفه جيدا
: يلاقي حبيبته قال ..أبوه كان يشحت، والآن هو يشحت إلكترونيا..
كتبه ابن عمي.. نفسه الذي وقف على بابي قبل يومين يطالبني بثلاثمائة ألف وهو يعلم أني لا أملك ثمن دوائي.
عدت الى قريبي الذي جاء بالخبر، كان محرجا، يتلعثم
: الناس ما ترحم.. حسدونك على اللايكات..فقاموا تكلموا عليك!
أي لايكات يا رجل؟ وهل اللايكات تطعم؟
ذلك اليوم فهمت الدرس الأخير.. أنا لم أخسر الغربة فقط حين عدت.. ولم أخسر البيت والمال والكرامة..أنا خسرت المنفى الأخير الذي كان فاتحا لي بابه على مصراعيه.. صوتي..
كان الفيسبوك هو منفاي الصغير.. زنزانتي التي أصرخ فيها بحرية.. والآن.. أغلقوه علي.. بضغطة زر واحدة، خنقوا حنجرتي الرقمية.
نمت مقهورا.. فرأيت في المنام كابوسا أزرق.. جاء مارك نفسه إلى قريتنا المائلة.. يمشي بين الأزقة الضيقة بحذائه اللامع.. وقف أمامي.. وابتسم ابتسامة باردة، وناولني زرا كبيرا كتب عليه "إبلاغ".. وقال لي بصوت لا روح فيه
: اضغط على نفسك..
فمددت إصبعي المرتجف، وضغطت.. واستيقظت على شهقة كأنها خروج الروح..استيقظت مع الفجر الكاذب، وأجريت جردا سريعا لحياتي، فكانت الحصيلة النهائية:
- ابن ميت من الجوع وهو حي..
- كرامة مهدورة مرمية في برميل قمامة..
- صفحة مقيدة بالأغلال الرقمية..
- دين يلاحقني ككلب مسعور..
- علب أدوية فارغة منتهية الصلاحية..
- صفر ريال في الجيب، وصفر كبير في الحياة..
وأنا.. أنتظر تلك الحقوق كمن ينتظر معجزة لن تأتي..أنتظرها كما ينتظر المحكوم بالإعدام عفوا في آخر لحظة..
فجأة.. اهتز الهاتف المحتضر.. رسالة .. تم التحويل..
وصلت الحقوق أخيرا..جاءت بعد أن مت ألف مرة.!!
للبقية تتمة...
