الأربعاء 13 مايو 2026
  • الرئيسية
  • الطيور على أشكالها تقع: من المثل الشعبي إلى تفسير الاصطفافات السياسية

الطيور على أشكالها تقع: من المثل الشعبي إلى تفسير الاصطفافات السياسية

ليست الأمثال الشعبية مجرد عبارات متداولة تتناقلها الألسن، بل هي خلاصة تجارب إنسانية طويلة تختزن كثيرًا من الدلالات الاجتماعية والسياسية والنفسية. ومن بين هذه الأمثال الشائعة المثل القائل: "الطيور على أشكالها تقع"، وهو مثل يعبّر عن ميل البشر إلى التقارب مع من يشبهونهم في الأفكار والسلوك والميول والقيم. وإذا كان هذا المعنى يبدو بسيطًا في ظاهره، فإن له أبعادًا عميقة في فهم الحياة السياسية والاجتماعية.

لا تنشأ التحالفات أو الجماعات أو الأحزاب بصورة عشوائية، بل تقوم غالبًا على التشابه في المصالح والرؤى والأفكار. فالأفراد يميلون إلى الانضمام إلى البيئات التي يشعرون فيها بالانسجام الفكري والنفسي، لأن التشابه يمنح الإحساس بالأمان والتفاهم والقدرة على العمل المشترك. ولهذا نجد أن التيارات السياسية تتشكل عادة حول قواسم فكرية أو أيديولوجية أو اجتماعية تجمع بين أعضائها.

كما أن النخب السياسية كثيرًا ما تعيد إنتاج نفسها عبر دوائر مغلقة من العلاقات المتشابهة، حيث يقترب أصحاب المصالح المشتركة من بعضهم البعض، وتتكون شبكات النفوذ على أساس التقارب في التفكير أو الانتماء أو الرؤية. ومن هنا يصبح المثل الشعبي تفسيرًا مبسطًا لظواهر سياسية معقدة، مثل نشوء التكتلات والتحالفات والاستقطابات داخل المجتمعات والدول.

ولا يقتصر الأمر على الجوانب الإيجابية من التشابه، بل يمتد أيضًا إلى اصطفاف أصحاب السلوكيات السلبية مع بعضهم البعض. فالظالم غالبًا ما يجد من يبرر له ظلمه، والمستبد يميل إلى التحالف مع من يشبهه في النزعة إلى الهيمنة والإقصاء، كما أن أهل الفساد كثيرًا ما يصفق بعضهم لبعض حفاظًا على المصالح المشتركة أو تغطيةً على ممارساتهم. ولهذا نرى في كثير من المجتمعات كيف تتكون حلقات مغلقة من المنتفعين والمبررين، يتحول فيها التصفيق إلى وسيلة لحماية الخطأ بدلًا من مقاومته.

وفي المقابل، فإن أصحاب القيم الإنسانية والضمائر الحية يميلون أيضًا إلى التقارب والتكاتف دفاعًا عن العدالة والحرية والكرامة. فكما يجتمع أهل السوء على المصالح الضيقة، يجتمع أصحاب المبادئ على القيم الكبرى التي تحفظ للمجتمع توازنه واستقراره.

إن خطورة الاصطفاف لا تكمن في التشابه ذاته، بل في طبيعة القيم التي يقوم عليها هذا التشابه. فحين يكون التقارب قائمًا على المعرفة والعدالة واحترام الإنسان، فإنه يسهم في بناء المجتمع. أما حين يقوم على الظلم والتعصب والمصالح الفاسدة، فإنه يتحول إلى أداة لإضعاف الدولة وتمزيق النسيج الاجتماعي.

لقد أثبتت التجارب السياسية أن الانغلاق داخل "الدوائر المتشابهة" قد يؤدي إلى الاستقطاب الحاد، حيث تنظر كل جهة إلى نفسها بوصفها الحقيقة المطلقة، بينما ترى المختلف خصمًا أو تهديدًا. وهنا يتحول المثل الشعبي من وصف اجتماعي بسيط إلى مفتاح لفهم كثير من الانقسامات والصراعات التي تعيشها المجتمعات.

إن “الطيور على أشكالها تقع” ليس مجرد وصف اجتماعي، بل تعبير عميق عن طبيعة البشر وتحالفاتهم واصطفافاتهم. فالتشابه قد يكون قوة لبناء مجتمع يقوم على العدالة والقيم، وقد يتحول إلى وسيلة لحماية الفساد والاستبداد. ولذلك يبقى معيار الحكم الحقيقي على أي تقارب إنساني أو اصطفاف اجتماعي هو القيم التي يستند إليها، والأثر الذي يتركه في حياة الناس واستقرار المجتمع.