الثلاثاء 12 مايو 2026
  • الرئيسية
  • الدشل.. وسيلة من وسائل الإعلام التقليدي في اليمن

الدشل.. وسيلة من وسائل الإعلام التقليدي في اليمن

مارس الإنسان اليمني، منذ القدم، أشكالا متعددة من وسائل التواصل والإعلام الشعبي قبل ظهور الوسائل الحديثة، بهدف الإعلان والتبليغ والتأثير الاجتماعي. ومن بين تلك الوسائل التقليدية التي تركت أثرا واضحا في البيئة الريفية، خصوصا لدى المزارعين والفلاحين، ما يعرف بـ«الدشل».


والدشل عبارة عن موال قبلي وهزج شعبي يحمل طابع السخرية والتشهير، يطلق على من يتأخر في إنجاز بعض الأعمال الزراعية الموسمية، كالتليم أو الحصاد. ويُسمى الشخص المستهدف بـ«المدشول»، في نوع من التبخيس الاجتماعي الذي يراد به تحفيز المتكاسل، وإثارة الحماسة لدى الفلاحين للالتزام بمواقيت الزراعة وأعرافها المتوارثة.

ويؤدى هذا الموال بصوت مرتفع ونبرة يغلب عليها الاستهزاء، حيث يتجمع عدد من الحاضرين على أطراف الحقول أو المزارع، ليبدأ أحدهم بالهتاف: «وهوووو»، فيرد عليه الآخرون: «من هووو؟»، فيعلن اسم الشخص المقصود بالدشل، لتتعالى بعدها الأصوات مرددة عبارات مثل: «يا سيلوه»، في إشارة إلى تدفق سيل المطر، أو بمعنى «يا فضيحتاه»، ثم تختتم بعبارة تهكمية متداولة: «الله أكبر عليه وعلى دمه».

وكان المدشول يجد نفسه، عقب ذلك، موضع سخرية واستهجان اجتماعي، وكأنه ارتكب فعلا معيبا ينتقص من مكانته بين الناس، الأمر الذي يدفع البعض إلى الشعور بالإرباك والتوتر، وربما إلى الاستحمام الفوري ظنا منه أنه يتخلص من أثر «الدشلة»، وإن كانت تمارس غالبا في إطار المزاح الشعبي.

ولم تكن هذه الظاهرة تظهر علنا إلا في مواسم الزراعة والحصاد، خصوصا عند بذر الذرة «التلام»، ولا تزال بعض المناطق الريفية تحتفظ ببقايا هذه الممارسة بوصفها شكلا من أشكال الرقابة الاجتماعية المرتبطة بثقافة الأرض والعمل الزراعي.

وإذا كان «الدشل» يمثل إحدى وسائل الإعلام الشعبي التقليدي، التي اعتمدت على الصوت والجماعة والضغط المعنوي للتأثير في السلوك الاجتماعي، فإن السؤال الذي يطرح نفسه اليوم:

هل استبدل اليمنيون هذه الوسيلة التقليدية بأخرى حديثة تتناسب مع تحولات العصر وتطور أدوات التواصل، أم أن وسائل التواصل الحديثة أعادت إنتاج «الدشل» بأشكال جديدة أكثر اتساعا وتأثيرا؟