الترفع الأخلاقي بين البركاني وإصلاح تعز ضرورة وطنية...!
في زمنِ المنعطفاتِ الحادةِ التي تمرُّ بها محافظةُ تعز، يبرزُ الصراعُ الإعلاميُّ المحتدمُ بينَ المطابخِ التابعةِ لتجمعِ الإصلاحِ وبينَ الماكينةِ الإعلاميةِ المحسوبةِ على صهيب البركاني كظاهرةٍ تستدعي وقفةً أخلاقيةً ومعرفيةً تتجاوزُ حدودَ التراشقِ اللحظي.
إنَّ ما نراهُ اليومَ في مجموعاتِ التواصلِ الاجتماعيِّ ليسَ مجردَ اختلافٍ في وجهاتِ النظرِ، بل هو انزلاقٌ خطيرٌ نحو تمزيقِ النسيجِ الاجتماعيِّ وتشويهِ الروايةِ التاريخيةِ لمدينةٍ لم تزل تضمدُ جراحَ الحربِ والحصار.
الترفعُ الموضوعيُّ في هذا السياقِ ليسَ خيارًا ترفيًا أو وقوفًا سلبيًا على الحيادِ، بل هو فعلُ مقاومةٍ واعيةٍ ترفضُ الانصياعَ لغرائزِ التخوينِ وتصرُّ على تحكيمِ العقلِ والمصلحةِ العامة.
يبدأُ هذا الترفعُ بإدراكِ حقيقةِ أنَّ الخصومةَ السياسيةَ لا تبررُ بأيِّ حالٍ من الأحوالِ استخدامَ لغةِ الفجورِ في الخصومةِ، تلكَ التي تجردُ الطرفَ الآخرَ من وطنيتهِ أو تضعهُ في خانةِ العمالةِ لمجردِ اختلافِ مشروعهِ الميدانيِّ أو ارتباطاتهِ السياسية.
إنَّ المتابعَ لخطابِ إعلامِ الإصلاحِ يلحظُ تركيزًا على وصمِ كلِّ تحركٍ خارجَ إطارِ المنظومةِ التقليديةِ بأنهُ مهددٌ للأمنِ القوميِّ للمحافظةِ، بينما يندفعُ أنصارُ البركاني نحو تصويرِ كلِّ مؤسساتِ الدولةِ في تعز كمختطفاتٍ حزبيةٍ تجبُ مواجهتها.
هذا النوعُ من التوصيفاتِ الثنائيةِ الحادةِ يخلقُ بيئةً طاردةً للعقلاءِ، ويمنعُ أيَّ فرصةٍ لتصحيحِ المسارِ عبرَ النقدِ البناءِ الذي يرى الأخطاءَ في المؤسسةِ الأمنيةِ دونَ هدمها، ويرى الطموحَ في القياداتِ الجديدةِ دونَ الانجرارِ وراءَ التمردِ العسكري.
إنَّ الترفعَ الموضوعيَّ يقتضي من الكاتبِ والباحثِ والمواطنِ المسؤولِ أن يتوقفَ عن تداولِ تلكَ المنشوراتِ المليئةِ بالغلِّ والكراهيةِ التي تنتشرُ كالنارِ في الهشيمِ داخلَ مجموعاتِ الواتسابِ، حيثُ تُبنى المواقفُ على أنصافِ الحقائقِ أو الصورِ المجتزأة.
علينا أن نتساءلَ دومًا عن المستفيدِ من هذا التمزيقِ الإعلاميِّ، فتعزُ التي واجهت آلةَ الحربِ الحوثيةَ بصدورٍ عاريةٍ في 2015 لم تكن تفرقُ حينها بينَ مقاومٍ ينتمي لهذا الحزبِ أو ذاك التوجهِ، بل كانتِ الجبهةُ واحدةً والهدفُ واضحًا.
إنَّ استحضارَ روحِ المقاومةِ الأولى، وتوثيقَ سيرِ القادةِ العظماءِ الذينَ جمعوا الناسَ حولهم كأمثالِ الشهيدِ عدنان الحمادي، يفرضُ علينا اليومَ أن نكونَ حراسَ وعيٍ لا أبواقَ فتنة.
الردُّ الحقيقيُّ على إعلامِ الإصلاحِ المندفعِ نحو الهيمنةِ ليس بالتحريضِ على هدمِ أركانِ الجيشِ والأمنِ، بل بالضغطِ المستمرِ نحو مأسستها وتحويلها من ولاءاتٍ حزبيةٍ إلى ولاءاتِ وطنيةٍ صرفةٍ عبرَ النقدِ الرصينِ والوثائقِ الدقيقة.
وفي المقابلِ، فإنَّ الردَّ على خطابِ أنصارِ صهيب البركاني ليسَ بتخوينهِ أو محاولةِ اجتثاثِ وجودهِ الميدانيِّ، بل بفتحِ قنواتِ الحوارِ المجتمعيِّ والسياسيِّ لاستيعابِ كافةِ الطاقاتِ تحتَ مظلةِ القانونِ وقرارِ الدولةِ الموحد.
إنَّ تعز تمرُّ بمرحلةِ إعادةِ تشكيلِ الخارطةِ العسكريةِ، وبروزِ قواتٍ جديدةٍ كدرعِ الوطنِ أو غيرها، وهذا التحولُ يحتاجُ إلى عقولٍ باردةٍ قادرةٍ على القراءةِ التحليليةِ، لا إلى أصواتٍ صارخةٍ تزيدُ من شحنِ الشارعِ وتدفعهُ نحو الصدامِ المسلح.
كلُّ رسالةِ واتسابٍ تحريضيةٍ، وكلُّ منشورِ فيسبوكٍ يفيضُ بالكراهيةِ، هو رصاصةٌ تُطلقُ في جسدِ تعز، تضعفُ جبهتها الداخليةَ وتغري خصومها التاريخيينَ بالانقضاضِ عليها.
الترفعُ الموضوعيُّ يعني أيضًا الشجاعةَ في قولِ "لا" للخطأِ حتى لو صدرَ من الطرفِ الذي تنتمي إليهِ عاطفيًا أو جغرافيًا، فالحقُّ أحقُّ أن يُتبعَ، ومستقبلُ المدينةِ أغلى من أيِّ مكسبٍ سياسيٍّ عابرٍ.
يجبُ أن ننتقلَ من ثقافةِ "أنا أو لا أحد" التي تسيطرُ على عقولِ الكثيرِ من القائمينَ على تلكَ المطابخِ الإعلاميةِ، إلى ثقافةِ "تعز تتسعُ للجميعِ" وفقَ قواعدِ الاشتباكِ السياسيِّ السلميِّ والتراتبيةِ العسكريةِ القانونية.
إنَّ الباحثَ الذي يسعى لتوثيقِ تاريخِ هذه المدينةِ يدركُ جيدًا أنَّ الأسماءَ تتغيرُ والقوى تتبدلُ، لكنَّ المواقفَ المبدئيةَ هي التي تبقى في ذاكرةِ الناسِ، ولن يذكرَ التاريخُ بخيرٍ أولئك الذين نفخوا في كيرِ الفتنةِ الإعلاميةِ من أجلِ مصالحَ ضيقة.
علينا أن نلجمَ تلكَ الأقلامَ التي تقتاتُ على الأزماتِ، وتلكَ الحساباتِ الوهميةِ التي تُدارُ من غرفٍ مظلمةٍ لإشعالِ الحرائقِ بينَ أبناءِ القضيةِ الواحدةِ، وتذكيرهم بأنَّ العدوَّ الحقيقيَّ يتربصُ بنا جميعًا على تخومِ المدينة.
الترفعُ هو أن نكتبَ بروحِ المسؤوليةِ التاريخيةِ، مدركينَ أنَّ الكلمةَ أمانةٌ، وأنَّ بثَّ الوعيِ بضرورةِ التلاحمِ لا يقلُّ أهميةً عن حمايةِ الثغورِ في الجبهات.
لقد سئمَ المواطنُ في تعز من سماعِ قصصِ الفسادِ والجباياتِ المتبادلةِ التي تُستخدمُ كأدواتٍ للتراشقِ، بينما يغيبُ الحلُّ الجذريُّ لهذهِ المشكلاتِ خلفَ ركامِ الاتهاماتِ، فالهدفُ يجبُ أن يكونَ الإصلاحَ لا التشهيرَ، والبناءَ لا الهدم.
إنَّ الدعوةَ للترفعِ الموضوعيِّ هي دعوةٌ لترميمِ العقلِ الجمعيِّ في تعز، وإعادةِ صياغةِ الخطابِ الإعلاميِّ ليكونَ أداةً للرقابةِ والتقويمِ، لا معولًا للهدمِ والتفريقِ.
لا يمكنُ لتعز أن تستعيدَ دورها الرياديَّ وهي غارقةُ في مستنقعِ الاستقطاباتِ البينيةِ الصغرى، بل يجبُ أن تكونَ البوصلةُ دائمًا نحو استعادةِ الدولةِ وحمايةِ كرامةِ الإنسانِ.
إنَّ القوةَ الحقيقيةَ لأيِّ تيارٍ سياسيٍّ أو عسكريٍّ تكمنُ في قدرتهِ على استيعابِ النقدِ والتعاملِ معَ الواقعِ بمرونةٍ، لا في ملاحقةِ الناشطينَ أو شنِّ الحملاتِ الإعلاميةِ الممنهجةِ لتشويهِ المنافسين.
إننا اليومَ أمامَ اختبارٍ حقيقيٍّ لقدرتنا على التسامي فوقَ الجراحِ والخلافاتِ، والالتفافِ حولَ ثوابتَ جامعةٍ تضمنُ لتعز أمنها واستقرارها بعيدًا عن صراعِ الأجنحةِ والنفوذ.
الترفعُ الموضوعيُّ هو أن نعيدَ الاعتبارَ للكلمةِ الصادقةِ والبحثِ الدقيقِ، ونرفضَ أن نكونَ حطبًا في معركةٍ إعلاميةٍ وقودها الكذبُ وغايتها تدميرُ ما تبقى من أملٍ في نفوسِ الناس.
ختامًا، إنَّ تاريخَ تعز العسكريَّ والسياسيَّ علمنا أنَّ القوةَ بلا وعيٍ هي دمارٌ، وأنَّ الوعيَ بلا ترفعٍ هو مجردُ ثرثرةٍ، فلتكن أقلامنا وعقولنا حصنًا منيعًا يحمي المحافظةَ من عبثِ العابثينَ وطيشِ المستهترينَ بمصيرِ هذا الشعبِ الصابر.
إنَّ الروايةَ التي سنتركها للأجيالِ القادمةِ يجبُ أن تكونَ روايةَ صمودٍ وتلاحمٍ، لا روايةَ انقسامٍ ومهاتراتٍ، وهذا لن يتحققَ إلا بوقفةٍ جادةٍ تضعُ حدًا لهذا الانفلاتِ الإعلاميِّ وتنتصرُ لتعزَ الأرضِ والإنسان.
كلُّ من يحملُ همًا وطنيًا حقيقيًا اليومَ مدعوٌّ لممارسةِ هذا الترفعِ، والضربِ على أيدي العابثينَ من الطرفينِ، وتذكيرهم بأنَّ عدالةَ القضيةِ التي نؤمنُ بها تقتضي سموًا في الوسائلِ ونبلًا في الأهداف.
إنَّ المدينةَ التي علمتِ اليمنَ أبجدياتِ الثقافةِ والسياسةِ لا يليقُ بها أن تظلَّ أسيرةً لمناكفاتِ "الواتساب" وجروباتِ "تصفيةِ الحسابات"، بل يجبُ أن تنهضَ من جديدٍ بوعيِ أبنائها وترفعهم عن كلِّ ما يشينُ تاريخها العريق.
الترفعُ الموضوعيُّ هو الطريقُ الوحيدُ نحو استعادةِ المبادرةِ وصناعةِ المستقبلِ الذي يليقُ بتضحياتِ أبناءِ تعز في كلِّ سهلٍ وجبلٍ.
وبهذا المنهجِ فقط، سنتمكنُ من كتابةِ فصولٍ جديدةٍ من الفخرِ، تتجاوزُ عثراتِ الحاضرِ وتؤسسُ لغدٍ تسوده المؤسسيةُ والعدالةُ والوئامُ الاجتماعيُّ الشامل.
إن تعز اليوم تنادي حكماءها ومثقفيها ليكونوا لسان حال الحقيقة لا أبواقًا للاستقطاب.
فالحقيقة لا تتجزأ، والوطن لا يحتمل مزيدًا من التمزق الإعلامي الذي يخدم أعداء تعز المتربصين بها عند كل منعطف.
ولعل الأيام القادمة تكشف زيف الحملات الممنهجة وتثبت أن وعي الإنسان في تعز هو الصخرة التي تتكسر عليها كل مؤامرات الفرقة والشتات.
إن بناء الثقة بين الفرقاء يبدأ بتنقية الخطاب الإعلامي من شوائب الكراهية واعتماد المصارحة والشفافية كمنهج عمل يومي.
فالمدينة التي واجهت الموت بالحياة، قادرة اليوم على مواجهة الفتنة بالوعي، والانتصار للمستقبل بروح الترفع والمسؤولية الوطنية.
وعلى كل كاتب وناشط أن يدرك أن حروفه هي رصيده الأخلاقي أمام الله والتاريخ، فليختر لنفسه مكانًا في سجل الشرفاء الذين حقنوا الدماء وصانوا الود.
إن الترفع الموضوعي هو استثمار طويل الأمد في أمن تعز واستقرارها، وهو الثمن الذي يجب أن ندفعه جميعًا لضمان بقاء المدينة منارة للعلم والحرية.
ولن يصح في النهاية إلا الصحيح، ولن يبقى إلا الأثر الطيب الذي يجمع القلوب ويوحد الجهود نحو الغاية السامية الكبرى.
فلتكن هذه الصرخة دعوة صادقة لكل الأطراف لمراجعة الحسابات والعودة إلى جادة الصواب قبل فوات الأوان.
إننا نؤمن بأن تعز ولادة للعقول النيرة والنفوس الكبيرة التي لن تسمح بصناعة أصنام جديدة أو استعباد الوعي تحت أي مسمى حزبي أو فئوي.
فالحرية التي ضحى من أجلها الآلاف لا يمكن مقايضتها بصمت مطبق أو ضجيج أجوف لا يخدم إلا مشاريع الفوضى والدمار.
ولنجعل من الترفع منهجًا ومن الحقيقة غاية، لنمضي معًا نحو تعز التي نحلم بها، قوية بمؤسساتها، غنية بتنوعها، وموحدة في مواجهة التحديات.
بهذا الإصرار وهذا الوعي، نكون قد أدينا الأمانة ووفّينا بعهد الشهداء، وصنعنا لتعز مجدًا يفاخر به الأبناء والأحفاد على مر العصور.
إن تعز اليوم بحاجة إلى لغة العقل والمنطق أكثر من حاجتها للغة الرصاص والتخوين التي لا تورث إلا الندم والضياع.
وعلينا ككتاب وباحثين أن نكون المرآة التي تعكس وجع المدينة بعيدًا عن تزييف الوعي أو تجميل القبح الذي تمارسه أدوات الاستقطاب.
إن الانحياز للإنسان هو الانحياز الحقيقي، وما عداه من ولاءات ضيقة هو محض هباء تذروه رياح الحقيقة التي لا تحابي أحدًا.
فلتكن أقلامنا أمانة في أعناقنا، نصون بها عرض تعز وكرامة أهلها، ونرسم بها معالم طريق الخلاص الذي يبدأ بالكلمة الطيبة والترفع الجميل.
وبهذا نكون قد وضعنا لبنة في جدار الصد ضد الفوضى، وأعلينا من شأن الوعي كقيمة عليا تتكسر عليها كل أوهام السيطرة والتمكين الزائف.
إن الحقيقة مرة، لكنها الدواء الوحيد لجسد تعز المنهك، ولن نتردد في قولها مهما بلغت الضغوط أو تعالت أصوات المرجفين في المدينة.
فالحرية مسؤولية، والترفع اختيار الشجعان، وتعز تستحق منا أن نكون بمستوى شجاعة صبرها وعظمة تضحياتها الخالدة.
لنعمل معًا على تجفيف منابع التحريض وبث روح التسامح والتآخي، فالمستقبل لا يبنى بالأحقاد بل بالتعاون والتكامل نحو الهدف المنشود.
ولتبقَ تعز شامخة بأبنائها، عزيزة بمبادئها، وعصية على كل من يحاول النيل من وحدتها وتلاحمها الوطني المقدس.
هذه هي تعز التي نعرفها، وهذه هي القيم التي ندافع عنها، فليكن الترفع الموضوعي شعارنا ومنهجنا في كل حين.
إننا على يقين أن الوعي سينتصر في النهاية، وأن شمس الحقيقة ستشرق من جديد على جبال صبر، ومطران، والصلو، ووديان البركاني، والضباب، وخديو، لتمسح غبار الزيف عن وجه الحبيبة تعز.
