الأربعاء 13 مايو 2026
  • الرئيسية
  • القضية الجنوبية: آن لمشرطة الحكيم المفقودة أن تظهر

القضية الجنوبية: آن لمشرطة الحكيم المفقودة أن تظهر

لا يخفى على أحد أن التدخل الخارجي في الشأن اليمني تمكَّن، أول ما تمكَّن، من ضرب القضية الجنوبية تحت يافطة دعم القضية الجنوبية وبأدوات محلية تخلت عن هويتها الوطنية، من خلال ضربها في الصميم بسياسات بلغت أقصى مدى لها في الانتهاك الصارخ للسيادة الوطنية، التي تُعد خطّاً أحمر في الهوية اليمنية.


فلقد تجلى مأزق خطاب بعض رموز النخبة الجنوبية في تضييق القضية عبر تصنيفات الهوية وهو الفخ الذي أوقع فيه الانتقالي في ظل مجتمع لا يزال أسير ماضيه المتخلف، غاضّاً الطرف عن انتهاك السيادة الوطنية لأراضي وجزر وموانئ البلاد، مما أفقد القضية التعاطف والانتصار لها، وأدخلها في عزلة أصابت القضية في مقتل، وأدخل المجتمع في صراع هو في غنى عنه، والدخيل الأجنبي يمارس نشاطه التخريبي بكل أريحية، لكي تبقى الموانئ وخطوط الطاقة، بل العجلة الاقتصادية برمتها متعثرة وكسيحة، في محاولة لضرب الدور المحوري للموقع الجغرافي المتميز لميناء عدن والموانئ الأخرى، بما في ذلك الجزر ذات المواقع الاستراتيجية في ممر الملاحة البحرية.

الكثير من أنصار القضية الجنوبية من حملة مشاعل التنوير أصيبوا بالذهول والشلل لعدم قدرتهم على الدفاع عنها في ظل خطاب الكراهية الذي يدفع ثمنه باهضاً يوماً تلو الآخر المواطن البسيط.

القضية الجنوبية قضية وطنية عادلة، جوهرها استعادة دولة القانون، وقيم التحرر والكرامة والعدالة الاجتماعية وإعلاء رايتها.

ما نشهده من كراهية تتمخطر كعارضة أزياء تجوب الشوارع وفي عقول بعض النخب وحملة المباخر، لا يمكن تجاوزه إلا بالواقعية في نقد الذات، باستخدام مشرطة حكيم يعرف طريقه إلى العطب، وتقييم التجربة المنصرمة، والانفتاح، والاحتكام إلى الحوار بين مكونات الحراك الجنوبي.

إن ما يجري هو محاولة يائسة لمحاكمة صورية غير عادلة لتجربة جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، بدأت منذ عام 1990م بالاستثمار السيئ للاندفاع العاطفي نحو الوحدة من قبل قيادة اليمن الديمقراطي وتصفية خيرة كوادره، تكللت بحرب صيف 1994م، وحرب 2015م.

فلا يمكن لأحدٍ اليوم أن يُزايدَ على نقد التجربة أكثر من نقد الحزب الاشتراكي اليمني لها، الذي سلخ جلده في نقد إخفاقاته، وتحمل مسؤولية أخطائه وتَبَنَّى القضية الجنوبية بعدالة قضيتها في كل المنعطفات، قبل أن يركب الموجة الطارئون.

فالقضايا العادلة تحتاج إلى حوار وتكامل لا صراع، لأن القوة وحدها لا تصنع حلاً دائماً، ولا ثقافة الكراهية ستبني الدولة الفاضلة، فطريق الحوار لحلحلة القضايا المصيرية وبناء جسور الشراكة هو الطريق الأمثل لتجاوز الكوارث المحتملة. فالصراع مهما طال لا يمنح أحداً حق الهيمنة والسيادة الدائمة على الآخر، والمنتصر في هذا الصراع مهزوم كما أثبتت التجارب ذلك.

لقد تأخر القرار السياسي، وتأخرت معه المبادرات العملية للقوى السياسية في الساحة، والكل ظل يتأمل الحراك إلى أين يمضي، حتى صارت النخب والقوى الفاعلة في الحراك نفسه ذيلاً للمزاج العام، وليست موجهة لبوصلته، الأمر الذي غدت معه المؤشرات أن الثمن سيكون أكبر، في ظل عبث الخارج المنظور والمستور منه، خصوصاً وأن جيلاً بكامله قد نشأ بعيداً عن الصراعات الداخلية لكلا شطري اليمن من ناحية، وبين الشطرين من ناحية أخرى، ولم يكتوي بنارها هذا الجيل كما اكتوى بها آباؤهم وأجدادهم.

فلم يعد هناك ما يطمئن الناس اليوم على الواقع بقيام دولة مدنية واحدة وبصيغة يقرها الجميع بعد فشل الوحدة الاندماجية، في ظل ديماغوجية إعلامية لا يزال نزيفها يزكم الأنوف منذ عشرات السنين، ولا ما يطمئن بأن الانفصال سيقود إلى الدولة المنشودة التي يتطلع إليها المواطن المغلوب على أمره.

لقد دُفع الجنوبيون دفعاً قوياً نحو خيار الانفصال، والقناعة هناك تتعزز يوماً بعد يوم بأن ثقافة الهيمنة والاستئثار هي الغالبة من وحي الممارسات المجربة في الساحة.

فالمزاج العام غدا غير طبيعي، الأمر الذي سيفرض خيارات جديدة، إن لم تلتقط القوى الحية في المجتمع زمام المبادرة للحفاظ على الحد الأدنى من الخيارات الممكنة لدولة اتحادية، أو غيرها يقرره حوار بناء من وحي الاتفاقيات والحوارات المتراكمة كوثيقة العهد والاتفاق 1994م، ووثيقة الحوار الوطني الشامل 2014م، قبل وضع السور العظيم الذي سيفصل الشمال عن الجنوب والجنوب عن الشرق، والشرق عن الشمال، أو الأسوار المتداخلة التي ستنشأ على الواقع بعد أن تغلغلت في النفوس، في ظل تغذية خارجية مستميتة لها.

فبصيص الأمل بإرث اليمن الديمقراطي في الوحدة والقوة والعزة والكرامة والسيادة، والذي ذابت فيه المشيخات والسلطنات والإمارات لن يسمح بعودة الماضي والانقسام والتشرذم والنزاعات المناطقية والقبلية.

فلقد تربى جيل الآباء تحت راية اليمن الديمقراطي على الثقافة الوطنية والأممية وقيم الإنسانية والحرية والكرامة، ولم يعد مقبولاً من أبنائهم جر العربة إلى المستنقع الذي تجاوزه شعبنا يوماً ما. فلن تصنع عقليات قرون التفتيت والانقسام ملامح القرن القادم.