الخطاب الوعظي وإشكالية التنوير: جدلية العقل والقيم في بناء المجتمع
إن الخطاب الوعظي، على الرغم من أهميته السيكولوجية العميقة في تهذيب السلوك الديني، وإشباع الوجدان العقدي، ومنح الإنسان قدرا من الطمأنينة الوجودية، يظل ـ في حدوده الوظيفية ـ عاجزا عن الاستجابة إلى الكل الإنساني بوصفه بنية مركبة ومتعددة الأبعاد. فالإنسان ليس كائنا روحيا خالصا، ولا ذاتا عقدية معلقة خارج شروط التاريخ والمجتمع، بل هو كيان تتشابك داخله الحاجات البيولوجية بالضرورات المادية، وتتفاعل فيه المتطلبات الاجتماعية مع الرهانات السياسية والثقافية. ومن ثم فإن اختزال مشروع البناء المجتمعي في الوعظ وحده، مهما بلغت قيمته الأخلاقية، لا يعدو كونه شكلا من أشكال التجزيء المعرفي الذي يفضي، في نهاية المطاف، إلى اختلال التوازن البنيوي للفرد والمجتمع معا.
إن الاقتصار على الخطاب الوعظي في عمليات التربية والتأطير الأيديولوجي، مع إهمال المسارات المعرفية والتنموية الأخرى، ينتج مع الزمن حالة من الإشباع القسري الذي يتحول تدريجيا إلى ملل متجذر وسأم مزمن. فحين يفرض الوعظ باعتباره الأفق الوحيد للفهم والتفسير، تتعطل ملكة السؤال، وينكمش الوعي داخل حدود التلقي السلبي، ويجد الفرد نفسه ـ تحت وطأة التكرار والإكراه الرمزي ـ منساقا نحو أحد ثلاثة مسارات: إما التكيف عبر ثقافة النفاق حفاظا على الانتماء، أو ممارسة التقية بوصفها آلية دفاع نفسي، أو التمرد الصريح الذي قد يفضي إلى قطيعة جذرية مع المنظومة بأكملها.
ولعل المفارقة الأكثر إثارة أن المجتمعات العربية والإسلامية ليست في حاجة إلى مزيد من الخطاب الوعظي بقدر حاجتها إلى خطاب عقلي تنويري يعيد بناء العلاقة بين الدين والعقل، وبين الإيمان والعمران. فقد اعتادت هذه المجتمعات، عبر قرون طويلة، صوت الواعظ المكرر، غير أن هذا التراكم الكمي في الخطاب لم يتحول إلى تراكم نوعي في شروط النهضة، بل أسهم ـ في كثير من الأحيان ـ في تكريس حالة من التخدير الرمزي والتيه الحضاري، حيث جرى الاستعاضة عن الفعل التاريخي بالخطاب، وعن الإنجاز المؤسسي بالتذكير الأخلاقي المجرد.
إن الحاجة الملحة اليوم تتمثل في مشروع تنويري شامل لا ينحصر في الحقل الديني فحسب، بل يمتد إلى البنية الاجتماعية والسياسية والثقافية برمتها؛ مشروع يعيد الاعتبار للعقل النقدي، ويؤسس لثقافة السؤال، ويحرر الوعي من الارتهان للموروث الجامد والجاهز المكرر. غير أن هذا الطرح يفضي، بالضرورة، إلى سؤال محوري تتباين حوله أولويات النخب الفكرية والسياسية: ما القاعدة الأكثر رسوخا للتطور المجتمعي؟ أهي الثقافة أم الإدارة؟ وهل تكمن الأزمة في اختلال الوعي ومنظومة القيم، أم في فشل آليات التسيير والحكم الرشيد؟
من زاوية أولى، يمكن النظر إلى الإدارة بوصفها تجليا عمليا للبنية الثقافية السائدة؛ فالمؤسسات لا تتحرك في فراغ، وإنما تعمل داخل نسق ذهني وقيمي يحدد معنى المسؤولية، وحدود الشفافية، ومفهوم المصلحة العامة. وبهذا المعنى، فإن أي اختلال ثقافي سينعكس، بالضرورة، في صورة أعطاب إدارية، لأن الفساد والعجز واللامبالاة ليست مجرد اختلالات تقنية، بل أعراض لأزمة أعمق تضرب النسق القيمي والمعرفي للمجتمع.
غير أن المقاربة المقابلة ترى أن الثقافة، مهما بلغت حيويتها، قد تظل وعيا معطلا إن لم تجد إدارة رشيدة تحول الأفكار إلى سياسات، والقيم إلى قوانين، والطموحات إلى خطط قابلة للتنفيذ. فالإدارة ليست مجرد جهاز إجرائي، بل هي العقل العملي الذي ينقل المجتمع من مستوى التنظير إلى مستوى الإنجاز التاريخي. ومن دونها تبقى الثقافة ـ في كثير من الأحيان ـ وعيا معلقا بلا أثر فعلي.
وعليه، فإن اختزال الأزمة في أحد البعدين وحده يفضي إلى قراءة مبتورة للواقع. فالتطور المجتمعي عملية مركبة تتأسس على ثقافة عقلانية توجه، وإدارة كفؤة تنفذ. غير أن الأولوية المرحلية قد تميل، في المجتمعات التي تعاني من الجمود الذهني وهيمنة الوعي التقليدي، إلى إصلاح البنية الثقافية، باعتبارها الإطار المرجعي الذي يعيد إنتاج أنماط الإدارة ذاتها.
أما المفاضلة بين الخطاب الوعظي والخطاب التنويري، فلا ينبغي أن تفهم بوصفها دعوة إلى إلغاء الأول، بل باعتبارها محاولة لتحريره من انغلاقه الأحادي، وإدماجه ضمن أفق حضاري أوسع يعترف بتعدد وظائف الخطاب داخل المجتمع. فالوعظ يضبط الضمير، لكن التنوير يحرر العقل؛ والضمير بلا عقل قد ينزلق إلى الامتثال الأعمى، كما أن العقل بلا ضمير قد يتحول إلى براغماتية جافة وخالية من البعد الإنساني. أما المجتمع المتوازن، فهو ذاك الذي ينجح في التوفيق بين القيم الأخلاقية الحية، والعقل النقدي المنتج، والإدارة الرشيدة الفاعلة.
إن التحدي الحقيقي لا يكمن في إقصاء عنصر لحساب آخر، بل في إعادة هندسة العلاقة بين هذه العناصر ضمن رؤية حضارية شاملة تجعل الإنسان ـ بكل أبعاده الروحية والعقلية والمادية ـ محور التنمية وغايتها، وتجعل من العقل أداة للتحرير، ومن الإدارة وسيلة للإنجاز، ومن القيم إطارا موجها للحياة لا قيدا معطلا لحركتها.
