اغتيال وسام قائد.. الجريمة التي عمّقت أزمة الثقة بالأجهزة الأمنية
تتواصل ردود الفعل المحلية والدولية الغاضبة إزاء جريمة اختطاف واغتيال القائم بأعمال المدير التنفيذي للصندوق الاجتماعي للتنمية في اليمن، وسام قائد، في حادثة أعادت إلى الواجهة أسئلة الانفلات الأمني والإفلات من العقاب في مدينة عدن، وأثارت شكوكاً واسعة حول قدرة السلطات الحكومية والأجهزة الأمنية على كشف الحقيقة ومحاسبة المتورطين.
وبعد يومين من تشييعه ودفنه في عدن، أعلنت وزارة الخارجية البريطانية أنها تتابع قضية اغتياله، مؤكدة تواصلها مع السلطات اليمنية، في وقت يرى فيه مراقبون أن الحكومة والأجهزة الأمنية لا تزال عاجزة عن تقديم رواية واضحة ومقنعة حول الجريمة، أو الكشف عن الجهة التي تقف خلفها، رغم الإعلان عن ضبط “متهم” من قبل وزير الداخلية اللواء إبراهيم حيدان، دون الكشف عن أي تفاصيل تتعلق بدوافع الجريمة أو هوية الشبكة المنفذة أو ملابسات العملية.
وفي ظل هذا الغموض، تتزايد التساؤلات داخل الأوساط السياسية والحقوقية والشعبية: من الذي اختطف وقتل وسام قائد؟ ولماذا؟ ولماذا تتعامل السلطات مع القضية بهذا القدر من التباطؤ والغموض؟
جريمة سياسية أم تصفية منظمة؟
مصدر مقرّب من وسام قائد قال لـ"النداء" إن استبعاد أي طرف من دائرة الاتهام يبدو أمراً صعباً، مضيفاً أن “كل المؤشرات توحي بأن الجريمة مرتبطة بالصراع القائم بين أطراف داخل الحكومة اليمنية من جهة، وبين جماعة الحوثي والقوى المناوئة لها من جهة أخرى”.
من جانبه، اعتبر اللواء عمر عبدالكريم عبده، المدير الأسبق للبحث الجنائي في عدن، أن الجريمة تقع ضمن مسؤولية مختلف الأجهزة الأمنية والاستخباراتية، باعتبارها “جريمة ذات طابع سياسي”، مشيراً في حديثه لـ"النداء" إلى أن ما حدث يكشف خللاً خطيراً في منظومة الأمن والاستخبارات.
ورغم أن عائلة وسام أكدت أنه لم يبلّغها بتعرضه لتهديدات مباشرة قبل مقتله، إلا أن أحد المقربين منه قال لـ"النداء"، مشترطاً عدم الكشف عن هويته، إن وسام “كان يعيش حالة من القلق والخوف، خصوصاً بعد استكمال إجراءات نقل إدارة الصندوق الاجتماعي للتنمية من صنعاء إلى عدن”.
زوجته، هند علي، عبّرت في رسالة رثاء مؤثرة عن حجم الخسارة، واصفة إياه بأنه “تجسيد نادر للصدق، ومصدر أمل في مستقبل أفضل لليمن”.
غضب دولي
أثار تداول فيديو اختطاف وسام موجة غضب واسعة، لكن بدلاً من تقديم معلومات للرأي العام، أصدرت إدارة أمن عدن تعميماً يمنع تداول تسجيلات كاميرات المراقبة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، في خطوة اعتبرها ناشطون محاولة للحد من تداول الأدلة البصرية، في وقت لم تعلن فيه الأجهزة الأمنية أي نتائج ملموسة بشأن التحقيقات.
هذا الأداء الأمني أثار استياء أكثر من 20 منظمة دولية غير حكومية تعمل في اليمن، بينها أوكسفام، وكير، وإنقاذ الطفولة، وأدرا، والتي أصدرت بياناً مشتركاً طالبت فيه بإجراء “تحقيق سريع وشفاف ومستقل” في الجريمة، وضمان محاسبة المسؤولين عنها وفق القانون، محذّرة من المخاطر المتزايدة التي بات يواجهها العاملون في المجالين الإنساني والتنموي في اليمن.
كما طالبت شخصيات سياسية بسرعة الكشف عن الحقيقة، من بينها عضو مجلس القيادة الرئاسي سلطان العرادة، الذي دعا إلى إجراء محاكمة مستعجلة للمتهم المعلن عنه، في حين لا تزال تفاصيل القضية غائبة عن الرأي العام.
مسيرة تنموية انتهت بالاغتيال
كان وسام قائد، الذي يحمل أيضاً الجنسية البريطانية، إلى جانب جنسيته الأصلية، من أبرز الكفاءات التنموية العاملة في اليمن خلال العقدين الأخيرين.
حصل على درجة الماجستير في الصراع والأمن والتنمية من جامعة برمنغهام البريطانية، ثم عاد إلى اليمن وكرّس جهوده لدعم المشاريع الصغيرة والتنمية المجتمعية، خصوصاً للفئات الأشد احتياجاً.
وفي عام 2005 أسس وكالة تنمية المنشآت الصغيرة والأصغر (SMEPS)، قبل أن يُعيّن عام 2019 نائباً لمدير عام الصندوق الاجتماعي للتنمية، حيث تولى الإشراف على تمويلات المنظمات الدولية في اليمن.
ظل يعمل في صنعاء حتى يونيو 2024، قبل أن يغادر إلى عدن، حيث تعرض منزله في صنعاء لاحقاً للاقتحام. وفي أغسطس الماضي صدر قرار بتعيينه قائماً بأعمال المدير التنفيذي للصندوق الاجتماعي للتنمية، وبدأ بعدها الصندوق توقيع اتفاقيات تنموية مع جهات دولية مانحة.
وفي الثالث من مايو الجاري، وأثناء عودته من اجتماع مع جهة مانحة بالقرب من منزله في مدينة إنماء بعدن، تعرّض للاختطاف من قبل مسلحين، قبل أن يُعثر لاحقاً على جثمانه في منطقة الحسوة وقد تعرض للتصفية الجسدية.
وعقب اغتياله، عبّرت السفيرة البريطانية لدى اليمن عن “الغضب والصدمة” إزاء الحادثة، مؤكدة أن وسام “عمل بلا كلل لضمان وصول المساعدات المنقذة للحياة إلى ملايين اليمنيين”. كما نعاه سفير الاتحاد الأوروبي في اليمن، واصفاً إياه بأنه كان “مخلصاً لوطنه وعمل دون توقف لمساعدة ملايين اليمنيين”.
إخفاق أمني يهدد مستقبل العمل الإنساني
تحليل صادر عن معهد “تشاتام هاوس” البريطاني اعتبر أن اغتيال وسام قائد “ليس حادثاً عرضياً”، محذراً من أن الجريمة ستدفع المنظمات الدولية والجهات المانحة إلى التردد في إرسال موظفيها إلى بيئة أمنية مضطربة وخطرة.
وأشار التحليل، الذي أعده الباحث اليمني فارع المسلمي، إلى أن الحادثة تكشف افتقار مجلس القيادة الرئاسي إلى منظومة أمنية موحدة وفعالة، موضحاً أن الأجهزة الأمنية في عدن لا تزال تعاني من التشتت وتعدد الولاءات وضعف التنسيق الاستخباراتي.
وأضاف أن محاولات دمج الأجهزة الأمنية ظلت “شكلية”، في ظل استمرار سياسة الاستيعاب السياسي للفصائل المسلحة على حساب الكفاءة المهنية، الأمر الذي أضعف قدرة المؤسسات الأمنية على منع التهديدات قبل وقوعها.
ودعا التحليل إلى إعادة هيكلة شاملة للمنظومة الأمنية في عدن ومناطق سيطرة الحكومة، وإنشاء آلية مركزية لتنسيق العمل الاستخباراتي بالتوازي مع إصلاحات اقتصادية جادة.
أما الخارجية البريطانية، فاكتفت بالقول إن “التحقيق لا يزال جارياً، ومن غير المناسب التكهن بالتفاصيل في الوقت الراهن”.
لكن، وحتى اللحظة، لا تزال الحقيقة غائبة، فيما يواصل قتلة وسام قائد الإفلات من العدالة، في مشهد يعمّق أزمة الثقة بالمؤسسات الأمنية والقضائية، ويعكس حجم الهشاشة التي تعيشها عدن، المعلنة عاصمة مؤقتة للحكومة المعترف بها دولياً.

