السبت 9 مايو 2026
  • الرئيسية
  • مدن القلق الصامت.. كيف تحولت الخلافات اليومية في اليمن إلى عنف قاتل؟

مدن القلق الصامت.. كيف تحولت الخلافات اليومية في اليمن إلى عنف قاتل؟

لم تعد حوادث القتل في المدن اليمنية مجرد وقائع عابرة تتناقلها وسائل الإعلام ثم تختفي من الذاكرة العامة، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى ظاهرة متكررة تفرض نفسها بثقل واضح على المشهدين الاجتماعي والأمني.

ومع كل حادثة جديدة، تتسع دائرة القلق وتتزايد الأسئلة حول قدرة المدن اليمنية على توفير الحد الأدنى من الأمان لسكانها، خصوصاً لأولئك الذين انتقلوا إليها بحثاً عن العمل والاستقرار.
وفي هذا السياق، يبرز بشكل لافت تكرار سقوط ضحايا ينتمون إلى محافظة ريمة، المعروفة بطابعها الريفي المسالم وبكثافة الهجرة الداخلية منها نحو المدن. هذا التكرار يشير إلى ظاهرة مركبة تستدعي قراءة أعمق من الزوايا الاجتماعية والقانونية والاقتصادية والأمنية، لفهم ما الذي يحدث داخل الفضاء الحضري اليمني عندما تتحول الخلافات اليومية إلى عنف قاتل، ولماذا يشعر بعض السكان بهشاشة أكبر من غيرهم داخل المدن.

إعادة تشكيل الهشاشة الاجتماعية

تُعد الهجرة الداخلية من المحافظات الريفية إلى المدن إحدى أبرز التحولات الاجتماعية التي شهدها اليمن خلال العقود الأخيرة، إذ دفعت الظروف الاقتصادية الصعبة آلاف الشباب إلى مغادرة مناطقهم بحثاً عن فرص العمل ومصادر الدخل. غير أن هذا الانتقال لا يعني تغيير المكان فقط، بل يتضمن تحولاً عميقاً في طبيعة شبكات الحماية الاجتماعية التي تحيط بالفرد.
ويوضح الباحث الاجتماعي منصور الضبيبي أن الفرد في الريف يعيش ضمن منظومة اجتماعية متماسكة توفر له حماية غير رسمية عبر الأسرة الممتدة والعلاقات المجتمعية والوساطات العرفية، بينما يفقد جزءاً كبيراً من هذه الحماية عند انتقاله إلى المدينة، حيث تصبح العلاقات أكثر فردية وأقل ترابطاً.
ويرى الضبيبي أن هذه النقلة تخلق حالة من “الهشاشة غير المرئية”، يعيش فيها الفرد داخل المدينة دون شبكة دعم قوية، ما يجعله أكثر عرضة للاحتكاكات اليومية، في ظل غياب آليات اجتماعية فعالة لاحتواء النزاعات قبل تصاعدها.

كيف تتحول الخلافات اليومية إلى عنف قاتل؟

تكشف الوقائع المتكررة عن نمط يبدأ غالباً بخلافات بسيطة؛ مشادات لفظية، نزاعات سكنية، أو احتكاكات عابرة في أماكن العمل والطرق، لكنها تنتهي أحياناً باستخدام السلاح وسقوط ضحايا.
ويشرح أكاديمي وباحث في علم الاجتماع السياسي، جامعة صنعاء - طلب عدم ذكر اسمه - أن هذا التحول السريع يعكس تراجع قدرة المدينة على امتصاص التوترات اليومية عبر الوساطات الاجتماعية التي كانت تؤدي دوراً مهماً في الماضي. ويشير إلى أن المدن اليمنية أصبحت فضاءً هجيناً يجمع بين قيم ريفية انتقلت مع الهجرة الداخلية ومؤسسات دولة ضعيفة الحضور، ما خلق فراغاً تنظيمياً في إدارة النزاعات.
ويضيف أن غياب قنوات الحوار السريع يجعل لحظة الانفعال أكثر خطورة، حيث تنتقل الخلافات من مستوى التوتر إلى العنف خلال وقت قصير، مؤكداً أن إعادة بناء آليات إدارة النزاع داخل المدن باتت ضرورة ملحة، لأن استمرار الوضع الحالي يجعل أي خلاف بسيط احتمالاً مفتوحاً للتصعيد.

الإعلام كمرآة للقلق الاجتماعي

يلعب الإعلام دوراً محورياً في نقل الحوادث وفتح النقاش حول أسبابها، غير أن التحدي لا يقتصر على نقل الخبر بل يتجاوزه إلى التحليل والتفسير.
ويشير الصحفي حاشد الشبلي إلى أن التغطية الإعلامية كشفت حجم القلق المجتمعي المتصاعد، لكنها أظهرت أيضاً الحاجة إلى معالجة أعمق تتجاوز الخبر العاجل. ويرى أن تكرار الحوادث خلق شعوراً عاماً بأن المدينة لم تعد مساحة آمنة كما كان يُتصور، ما يفرض على الإعلام دوراً أكبر في طرح الأسئلة المتعلقة بالأمان الحضري وسياسات الحماية والعدالة.
ويؤكد الشبلي أن الإعلام يمكن أن يكون جزءاً من الحل عبر تسليط الضوء على جذور الظاهرة بدلاً من الاكتفاء بتغطية نتائجها، لأن فهم الأسباب يمثل الخطوة الأولى نحو المعالجة.

لماذا تتأخر العدالة؟

يقدم المحامي عامر تارة قراءة قانونية للظاهرة، موضحاً أن جرائم القتل شهدت خلال السنوات الأخيرة ارتفاعاً ملحوظاً مقارنة بالماضي، في وقت ما تزال فيه إجراءات التقاضي طويلة ومعقدة.
ويشرح أن قضايا القتل تمر بمراحل متعددة تشمل التحقيق الابتدائي والمحاكمة ودرجات التقاضي المختلفة، إضافة إلى طلبات إعادة النظر والتصديق النهائي، وهي إجراءات قد تمتد لسنوات طويلة. كما أن تعقيد الإثبات وكثرة التأجيلات وتغيير القضاة في بعض القضايا يزيد من طول أمد التقاضي.
ويشير إلى أن الوساطات الاجتماعية تلعب أحياناً دوراً في إطالة الإجراءات، على أمل أن يؤدي مرور الوقت إلى تهدئة أولياء الدم ودفعهم نحو العفو، لافتاً إلى أن طول أمد التقاضي يضعف الشعور بالردع ويعزز الاعتقاد بإمكانية الإفلات من العقاب، ما ينعكس سلباً على الثقة بالنظام القضائي.

بين القانون والعرف

يرى الدكتور فتحي أحمد ناصر، وهو أكاديمي متخصص في علم النفس والقياس والتقويم بجامعة صنعاء. أن المشكلة لا تكمن في وجود الأعراف الاجتماعية بحد ذاتها، بل في غياب الفصل الواضح بينها وبين القانون. ويوضح أن الأعراف قد تؤدي دوراً إيجابياً في حل النزاعات، لكنها قد تخلق تفاوتاً في ميزان القوة عندما تتداخل مع المسار القضائي بشكل غير متوازن.
ويضيف أن هذا التداخل قد يخلق شعوراً لدى بعض الفئات بأن فرص الوصول إلى العدالة تختلف بحسب النفوذ الاجتماعي، ما يضعف الثقة بالمؤسسات الرسمية، مؤكداً أن التحدي الحقيقي يكمن في إيجاد صيغة توازن بين القانون والعرف بما يحفظ العدالة ويمنع التفاوت.

تراجع الوساطة الاجتماعية

من جانبه، يشير الشيخ محمد جسار إلى أن الوساطة الاجتماعية كانت تاريخياً صمام أمان يمنع تصاعد النزاعات، حيث كانت الخلافات تمر عبر شخصيات اجتماعية قادرة على إعادة التوازن قبل وصولها إلى مرحلة العنف.
ويؤكد أن هذا الدور تراجع داخل المدن نتيجة تغير أنماط الحياة وضعف الروابط الاجتماعية، موضحاً أن المدينة فقدت الإحساس بالمسؤولية الجماعية الذي كان سائداً في المجتمعات الصغيرة، حيث يمكن أن يعيش الفرد سنوات دون معرفة جيرانه، ما يضعف فرص التدخل المبكر لاحتواء النزاعات.
ويرى جسار أن إعادة إحياء دور الوساطة الاجتماعية بما يتناسب مع طبيعة المدن قد يسهم في تقليل التصعيد.

قراءة أمنية للظاهرة

تكشف القراءة الأمنية أن الأجهزة المختصة تواجه تحديات كبيرة في منع تحول الخلافات اليومية إلى جرائم قتل، في ظل انتشار السلاح وضعف الإمكانات واتساع المدن بشكل عشوائي.
فالانتشار الواسع للسلاح داخل المدن يزيد من احتمالات تحول أي نزاع بسيط إلى حادثة قاتلة، خصوصاً مع محدودية أدوات التحري الحديثة وصعوبة ضبط السلاح غير المرخص. كما تسهم الضغوط الاقتصادية والاجتماعية في رفع مستويات التوتر، ما يجعل البيئة الحضرية أكثر قابلية للاشتعال في لحظات الانفعال.

الهشاشة الاقتصادية كعامل خفي

لا يمكن فصل الظاهرة عن السياق الاقتصادي الذي يدفع آلاف الشباب إلى العمل في ظروف غير مستقرة، ما يضعهم في بيئات سكن وعمل أكثر هشاشة ويزيد احتمالات الاحتكاك اليومي.
ويذهب الباحث الاجتماعي منصور الضبيبي إلى أن المهاجرين من الريف إلى المدن هم الأكثر عرضة لهذه الهشاشة، إذ يصل كثير منهم إلى المدن دون امتلاك مساكن مستقرة أو قدرة مالية على السكن في مراكز المدن، ما يدفعهم إلى أطرافها والأحياء المهمشة ذات الخدمات الضعيفة.
ويضيف أن هذا التهميش المكاني يترافق مع تهميش اجتماعي وضعف في الاندماج داخل شبكات الحماية، إلى جانب تنامي البطالة والأزمة الاقتصادية، فيما ينخرط بعضهم في أعمال هامشية أو خطرة تفتقر للحماية، ما يزيد من احتمالات التعرض للعنف.
وهكذا تصبح الهشاشة الاقتصادية جزءاً بنيوياً من الظاهرة، لا مجرد خلفية لها، بل عاملاً يصنع بيئة قابلة للاشتعال عند أول لحظة توتر.

شهادة إنسانية

في شهادة مؤثرة، تروي أسرة إحدى الضحايا كيف غيّرت الحادثة حياتها بالكامل، مؤكدة أن فقدان أحد أفرادها إثر خلاف بسيط داخل محل تجاري قبل سبع سنوات لم يسلبهم شخصاً عزيزاً فقط، بل سرق منهم الإحساس بالأمان والاستقرار.
وتقول الأسرة إنها أمضت سنوات بين أقسام الشرطة والنيابات والمحاكم، وواجهت وساطات وضغوطاً وتهديدات وتكاليف مالية مرهقة، فيما ما تزال القضية دون حسم نهائي.
وتضيف أن أكثر ما يرهقها هو تأجيل الجلسات وتغيير القضاة وتكرار الإجراءات، ما جعل رحلة التقاضي طويلة ومرهقة نفسياً ومادياً، مؤكدة أن العدالة بالنسبة لها ليست مجرد عقوبة للجاني، بل شعور بأن المجتمع يقف إلى جانب الضحايا ويرفض تكرار المأساة.

الذاكرة الجمعية وصورة المدينة

مع تكرار الحوادث، تتشكل ذاكرة جمعية مثقلة بالخوف والقلق، ما يعيد تشكيل صورة المدينة بوصفها فضاءً غير مضمون الأمان. ولا يبقى هذا التراكم في الماضي، بل ينعكس على الحاضر في صورة شعور دائم بالترقب وعدم الطمأنينة.
ومع ذلك، يظل الرفض المجتمعي للعنف مؤشراً مهماً على وجود رغبة جماعية في التغيير وبناء بيئة أكثر أمناً، وهو ما يمثل نقطة انطلاق ضرورية لأي إصلاح مستقبلي يعيد الثقة في الفضاء الحضري.

مسؤولية مجتمعية مشتركة

يؤكد الشيخ زيد الضبيبي أن القيادات المجتمعية تتحمل مسؤولية كبيرة في مواجهة الظاهرة، مشيراً إلى أهمية تعزيز ثقافة الصلح والتسامح ونبذ العنف.
ويرى أن الوجهاء يمكن أن يؤدوا دوراً محورياً في احتواء النزاعات قبل تفاقمها، لكن ذلك يتطلب تعاوناً وثيقاً مع مؤسسات الدولة، إلى جانب خطاب توعوي يرسخ قيمة الحياة الإنسانية ويؤكد أن العنف ليس وسيلة لحل الخلافات، بل طريقاً إلى مزيد من الألم والخسارة للجميع.

كيف يمكن وقف النزيف؟

تكشف هذه القراءة متعددة الزوايا أن تصاعد العنف في المدن اليمنية ليس نتاج عامل واحد، بل نتيجة تفاعل معقد بين الهجرة الداخلية والهشاشة الاجتماعية وانتشار السلاح وضعف الردع وتراجع الوساطة الاجتماعية وتداخل القانون مع الأعراف، إضافة إلى الضغوط الاقتصادية المتفاقمة.
وإذا كان العنف يبدو في ظاهره لحظة انفجار مفاجئة، فإنه في العمق حصيلة تراكم طويل من الهشاشة البنيوية التي تحتاج إلى مقاربة شاملة تعيد الاعتبار لسيادة القانون، وتعزز الثقة بالمؤسسات، وتعيد بناء شبكات الأمان الاجتماعي داخل المدن.
فإعادة بناء الثقة في الفضاء الحضري لم تعد ترفاً، بل ضرورة ملحّة حتى لا يتحول البحث عن الحياة في المدينة إلى رحلة يومية محفوفة بالخوف والقلق.