ملامح التفكك الهادئ في الشراكة الخليجية
لم يعد التباين السعودي الإماراتي مجرد اختلاف في المقاربات داخل منظومة خليجية متماسكة بل أخذ يتطور تدريجياً إلى مسار تفكك ناعم يعيد تشكيل توازنات القوة في الإقليم. وفي هذا السياق لا يمكن النظر إلى قرار الإمارات الانسحاب من أوبك+ باعتباره خطوة اقتصادية بحتة، بل هو تعبير عن تحول أعمق في تموضعها الاستراتيجي ورغبتها في فك القيود التي تفرضها منظومات تقليدية لم تعد تلائم طموحاتها.
تحالف الضرورة وحدود الاستمرار
منذ 2015، فرضت التحديات الإقليمية وعلى رأسها الحرب في اليمن، تقارباً سعودياً إماراتياً اتسم بطابع “تحالف الضرورة”. غير أن هذا التحالف لم يتأسس على رؤية مشتركة بعيدة المدى بقدر ما كان استجابة لتهديدات آنية.
ومع تراجع حدة تلك التهديدات نسبياً بدأت التباينات البنيوية بالظهور. فالسعودية أبدت سعيها إعادة إنتاج نموذج الدولة المركزية في اليمن وان كان شكلياً بما يضمن استقرار حدودها بينما اتجهت الإمارات إلى بناء نفوذ مرن عبر فاعلين محليين يمنحها حضوراً مستداماً . هذا الاختلاف في الأهداف كشف أن الشراكة لم تكن متكافئة في جوهرها، بل محكومة بسقف سياسي غير متفق عليه.
الاقتصاد كساحة تنافس موازية
بمرور الوقت، لم يعد التنافس محصورا في المجالين الأمني والسياسي بل امتد إلى الاقتصاد بوصفه أداة نفوذ رئيسية. فمع إطلاق السعودية لرؤية 2030 وسعيها لتحويل الرياض إلى مركز اقتصادي إقليمي برز تناقض واضح مع النموذج الإماراتي الذي راكم خبرة طويلة في جذب الاستثمارات وتقديم بيئة أعمال تنافسية.
في هذا الإطار يكتسب قرار الانسحاب من أوبك+ دلالته الأوسع إذ يعكس رغبة إماراتية في التحرر من قيود الحصص الإنتاجية، وتعزيز موقعها كفاعل طاقوي مستقل بعيدا عن منطق القيادة الجماعية التي تميل لصالح الرياض.
تآكل نموذج “الهيمنة التعاونية”
لطالما قام النظام الخليجي على معادلة غير مكتوبة تقوم على قيادة سعودية مقابل هامش استقلال لبقية الدول. إلا أن هذه المعادلة تواجه اليوم اختباراً حقيقياً .
الإمارات بما تمتلكه من أدوات اقتصادية وتحالفات دولية ونفوذ إقليمي لم تعد ترى نفسها ضمن هذا الإطار التقليدي. وعليه فإن ما يحدث يتجاوز الخلافات الثنائية ليعكس تحولاً بنيوياً نحو نظام خليجي أكثر تعددية وأقل خضوعا لمركز واحد.
اليمن ساحة الانعكاس الأكثر هشاشة
يظل اليمن المجال الأكثر تأثراً بهذا التحول. فقد أدى التباين السعودي الإماراتي إلى إضعاف تماسك التحالف وتعقيد مسارات التسوية وفتح المجال أمام فاعلين محليين لتعزيز مواقعهم خارج إطار الدولة.
حيث تتداخل المصالح الإقليمية يمكن لأي تصعيد غير محسوب أن يعيد تشكيل موازين القوى بسرعة ما يزيد من هشاشة الوضع السياسي والأمني. كما أن غياب التفاهم بين الرياض وأبوظبي يضعف فرص بناء جبهة متماسكة قادرة على دفع عملية سلام شاملة.
نحو خليج متعدد المراكز
تشير المؤشرات إلى أن الخليج يتجه نحو نموذج جديد يقوم على تعدد مراكز القوة بدلاً من مركز قيادي واحد. هذا التحول لا يعني بالضرورة انهيار المنظومة الخليجية لكنه يفتح الباب أمام نمط جديد من العلاقات قائم على التنافس المُدار حيث يتقاطع التعاون مع التنافس وفقاً لمصالح كل طرف.
التعايش القلق بدل الشراكة
في المحصلة لا يبدو أن العلاقة السعودية الإماراتية تتجه نحو قطيعة كاملة كما أنه لم يعد ممكناً العودة إلى صيغة التحالف السابقة. ما يتشكل اليوم هو حالة من “التعايش القلق”، حيث يستمر التنسيق في بعض الملفات مقابل تنافس متزايد في ملفات أخرى.
وبالنسبة لليمن فإن هذا التحول يضاعف من التحديات إذ يبقى استقرار البلاد مرهوناً جزئياً على الأقل بوجود حد أدنى من التفاهمات الإقليمية. وفي غياب ذلك، قد تتحول الساحة اليمنية مرة أخرى إلى مجال مفتوح لإعادة توزيع النفوذ بدلاً من أن تكون مساراً نحو تسوية مستدامة.
