لماذا هذا الغياب؟
مقدمة:
لا جدوى من السياسة إن ظلت تدور في حلقات الذكر، لا تأثير لها على واقع يتطلب، بل يتشوق، لوجودها الفاعل على الأرض. حتى الكتابات يخفت أثرها إن لم ترتبط برؤية وبرنامج عمل وطني متوافق عليه بين مختلف الأطياف التي ترى وتتوافق مع مثل هذا الأمر.
بلدنا يمر بأزمة مركبة لم يشهدها تاريخه السياسي، يكاد يتجاوز مفهوم الأزمة ليرقى إلى مفهوم وجود الكيان الدولتي ذاته. ذلك بالضرورة يستدعي، بعد تصاعد الأحداث في الآونة الأخيرة وعلى النحو الذي شاهدناه، أن نؤكد على طرح فكرة تواجد إطار وطني جامع، مقره بالداخل أولاً، وثانياً يتبنى برنامجاً وطنياً وفق أولويات متوافق عليها لتحريك الراكد السياسي المتلاطم الأمواج ضمن رؤى ومشاريع تدور منذ فترة طويلة داخل حلقات مفرغة.
أولاً:
الشرعية تعاني من مشاكل وتباينات داخل مكوناتها، ما أثر تأثيراً بالغاً على مشروعها السياسي الوطني، وأولوية استعادة الدولة.
ثانياً:
الانتقالي ما زال غارقاً بأوهامه، مغرداً خارج نطاقين تقتضي الضرورة والفهم التاريخي العميق إدراك فقه أولويات المشروع السياسي؛ بمعنى أن الضرورة التاريخية تتطلب من الانتقالي الانتقال من العزف المنفرد إلى واقع تشاركي حقيقي مع أطياف جنوبية عدة تمتلك ذات الحقوق التي يصر عليها، أي التفرد باعتباره الممثل الوحيد للقضية الجنوبية.
ثالثاً:
بات من الضرورة الانتقال إلى مربع التفاهم الوطني شمالاً وجنوباً بشأن القضية الجنوبية، ضمن عناوين تمتلك عناصر الالتقاء حولها أسساً متينة، باعتبارها قضية سياسية لها عناوينها التي لا تحلق خارج الفضاء الوطني، لكنها لا تظل أسيرة لأي فهم قاصر أو إجباري.
وهنا تحديداً أجدني مضطراً لطرح وتبني مجموعة من الاقتراحات العملية، ينبغي أن تتوافر لها عوامل النجاح، وأكاد أجزم بأنها متوافرة متى اقتنعت الإرادات التي نخاطبها بأن أساليب العمل السابقة التي درجنا عليها لم تؤتِ ثماراً تُذكر على الأرض. ولعل من أهم أسباب ذلك ما يلي:
أولاً: تحبيذ العمل بكافة أشكاله خارج الساحة الوطنية.
ثانياً: لم يعد ذا معنى وجود الشرعية خارج الأرض؛ فالشرعية، كضرورة تاريخية، وجودها يكون ذا معنى على الأرض، عدا ذلك كلام آخر.
نفس الأمر مرتبط بالأحزاب والكيانات السياسية التي تعيش على حساب ميزانية الشرعية؛ أن تعيد تموضعها للداخل بعيداً عن نشاطات إصدار بيانات التأييد والإدانة. ذلك الفراغ أخلى الساحة للمشاريع الأخرى المناهضة للمشروع الوطني الغائب تماماً.
هنا نتوقف لحظة لمناشدة قوى ذات تأثير تمتلك رصيداً لدى شارعنا السياسي والثقافي وعلى المستوى الوطني؛ باتت مدعوة لتحويل ذلك التأثير إلى وجود فعلي على الأرض. يمكن البحث والتوافق على أيسر وأصعب السبل للانتقال إلى هكذا مربع، فالضرورة الوطنية تستدعي تواجد مثل هذا الخيار على الأرض عبر تمثيل وتواجد فعلي.
أشير هنا، كمواطن، إلى ما أراه مفيداً للبلد والناس؛ إذ باتت الضرورة تستدعي وجوهاً تاريخية لتتواجد مرة أخرى على الأرض. أعلم أن كثيرين أُجبروا تحت لغة السلاح على ترك الساحة، لكن الساحة الآن ترفض لغة التموين ورفع السلاح. مثل هذا التواجد بات مهماً للبحث والتوافق على مشاريع توافقات وطنية.
هناك أسماء كوكبة ممن كانوا وما زالوا تحت مظلة التاريخ السياسي للبلاد، بجزئه الذي مضى وجزئه الآتي الذي تستدعي الضرورة وجودهم فيه بشكل أو بآخر؛ وجود يمتلك خبرة وتأثيراً وتاريخاً. ليس أقلهم تأثير الأخ الرئيس علي ناصر محمد، أو الأخوين محمد علي أحمد وأحمد الميسري، ناهيك عن الدور التاريخي الممكن أن تلعبه شخصية وطنية كارزمية، أقصد العزيز عبد الباري طاهر، أو ما يمكن أن يمثله تواجد الشخصية الوطنية ذات الأثر التواصلي الأستاذ يحيى حسين العرشي، كذلك ما يعنيه ويضيفه وجود العزيز محمد أبو لحوم.
القائمة تطول، وليس حصراً على من تم ذكرهم، وأعتذر لمن ذكرتهم بالاسم كما أعتذر لمن لم أذكرهم، فهم كثر لهم إسهامات لا تُنسى. والتاريخ السياسي لبلادنا لن ينسى مكانة ودور الأستاذ محمد سالم باسندوه، إذ إن حضوره بأي شكل يراه ويحبذه يعني عودة التاريخ بأبهى صورة حتى تزول غيوماً تراكمت وأفقدت البعض الرؤية الصحيحة.
ما تجاسرت على طرحه لا يستثني الآخرين، شباباً وشابات؛ فالمرأة ما زال، كما كان، دورها أساسياً وليس قابلاً للانتقاص أو الانتقاء حسب الأمزجة التي قتلت ولم تُثمر. فالوطن برحلته القادمة يصنعه الجميع، خاصة الأجيال الجديدة التي تشربت مياهه السياسية، وإن تباينت مع تاريخ صراعات الماضي، لكنها بالتأكيد تلتقي، حسب وعيها الوطني، حول أهمية الخروج من عنق الزجاجة الذي يكاد يمزق ما تبقى من روابط الجمع والألفة.
إن الخروج من عنق الزجاجة، أي أزمة البلد السياسية والمالية والاقتصادية والثقافية، باعتبارها أزمة هيكلية، يتطلب بالضرورة:
حشداً متقارباً للخروج من عنق الزجاجة عبر رؤية وطنية متوافق عليها.
ضرورة التوافق والتواجد على الأرض.
التوافق على صياغة رؤية وطنية آنية ومستقبلية لا تستثني أحداً.
ما طرحناه يؤكد، بما لا يدعو للشك، أنها دعوة تسعى للخروج من نفق الحرب والاحتقان إلى واقع القبول والتعايش والتعاون بين جميع الأطراف الداخلية والإقليمية والدولية، خاصة دول الجوار التاريخي، بكل ما يحمله حسن الجوار من معانٍ سياسية واقتصادية وأمنية، واحترام سيادة وأمن الجميع.
تلك عناوين أتركها أمام الكثيرين، وهم تأكيداً أكثر حرصاً ووعياً لضرورة امتلاك رؤية وطنية نخرج بها من نفق تبادل الاتهامات إلى رحاب واقع يستدعي جهد الجميع دونما مزايدات.
