الطيبات: الوجه الآخر الشرير
يثير الجدل الدائر حول ما يُعرف بـ“نظام الطيبات” قدرًا من الاستغراب، لا سيما عند النظر إليه من زاوية علم التغذية العلاجية، الذي يقوم أساسًا على تعدد الأنظمة الغذائية وتكيّفها مع الحالات الصحية المختلفة. فهناك أنظمة معروفة مثل حمية البحر المتوسط، والنظام الكيتوني، ونظام منخفض الفودماب ..الخ وجميعها تُستخدم وفق معايير طبية دقيقة. نعم، قد يتطلب الأمر في بعض الحالات استبعاد أطعمة معينة كالدجاج أو البيض والحليب، لكن ذلك لا يتم بشكل عشوائي أو تعميمي، بل استنادًا إلى تشخيص واضح واحتياج محدد.
هل يوجد من استفاد من الطيبات فعلا؟
نعم، هذا صحيح في بعض الحالات. غير أن هذه الاستفادة غالبًا ما تعود إلى سببين رئيسيين: إما أن الحالة الصحية للشخص كانت تستدعي بالفعل تجنب بعض الأطعمة التي يستبعدها النظام، فحدث التوافق بشكل عرضي، أو أن النظام الغذائي السابق كان سيئًا للغاية، فجاء هذا النظام كخيار أقل ضررًا، وليس بالضرورة خيارًا مثاليًا.
هل نحن أمام نموذج صحي يُحتذى به؟
أولًا، لا يمكن تجاهل السياق البيئي الذي نعيش فيه. نواجه في اليمن مشكلة تلوث خارجة عن السيطرة ومتداخلة بشكل واسع، من استخدام الأسمدة الكيميائية إلى دخان وآثار الحروب ، مرورًا بتراكم النفايات وتسرب الملوثات إلى البيئة البحرية.
وهو مايتحول الى منظومة تلوث متكاملة، فسموم الاسمدة مثلا تمتد من التربة الى الهواء والمياه الجوفية وتجد طريقها الى السلسلة الغذائية باكملها
و صحيح انها ليست بنفس تركيزها في الخضروات، لكنها مسألة وقت فقط
فالتعامل مع المشكلة عبر استبعاد صنف غذائي بعينه لا يمثل حلًا حقيقيًا، بل يتطلب تدخلا أوسع على مستوى السياسات العامة وإدارة البيئة.
ثانيا، تمثل الخضروات والفواكه حجر الأساس في أي نظام غذائي متوازن، لكونها المصدر الرئيسي للفيتامينات والمعادن والألياف. واستبعادها يطرح تساؤلًا جوهريًا حول كيفية تعويضها، خاصة أن البدائل لا تقدم القيمة الغذائية نفسها، ام نحصل عليها من النوتيلا؟
ثالثا، الفكرة القائلة بأن “تناول اي مصدر للسكر ولكن ضمن الاحتياج اليومي” هذه الفكرة تتجاهل مفهومًا أساسيًا في علم التغذية، وهو “القيمة الغذائية” حيث نقوم بتقييم الطعام على حسب محتواه من الفيتامينات والعناصر مقارنة بمحتواه من السعرات
فالسكر بكل اشكاله ومصادره مدمر للخلايا، وهو مايدعو الى اختيار السكر مع اكبر قدر من الفائدة.
رابعا، كما سبق فإن التلوث مشكلة ممتدة فالحيوانات الاخرى لاتتغذى على النوتيلا!
وانه لمن المفارقات ان نقوم بشيطنة الدجاج والبيض مع اغفال المخاطر التي قد تحملها بقية المصادر والافراط فيها.
فالدجاج معدل وراثيا، والأسماك على المعادن الثقيلة، واللحوم الحمراء—خاصة المصنعة—ترتبط بمخاطر صحية عند الإفراط في تناولها تصل الى السرطانات!
فالحل هنا ليس في استبدال “متهم” بآخر، بل في تبني مبدأ بسيط: التنوع والاعتدال.
وأخيرًا، فإن أخطر ما قد يرتبط بهذا النوع من الطروحات هو الترويج لفكرة “مؤامرة الأدوية”
صحيح أن شركات الأدوية هي شركات ربحية، لكن هذا لا يعني ان الادوية بدون فائدة او كلها خدعة.
ان إيقاف أدوية مثل السكري أو ارتفاع ضغط الدم، دون إشراف طبي، هي مغامرة غير محسوبة وشروع في قتل النفس.
ويزداد الأمر حساسية في حالات مثل السكري من النوع الأول، الذي يصيب غالبًا الأطفال،
ومايبدو كقول بسيط بنية حسنة "انني اتفق مع الدكتور في بعض مايقوله"، قد يكون السبب ان طفلا او انسانا في مكان اخر يخسر صحته.
إن التعامل مع التغذية لا ينبغي أن يُختزل في اتجاهات رائجة أو تجارب فردية، بل يجب أن يستند إلى أسس علمية واضحة، يقوم على التشخيص السليم، والتقييم الفردي، وتحقيق التوازن. وأي نظام يتجاهل هذه الركائز، مهما بدا جذابًا أو بسيطًا، يظل عرضة للقصور، بل وقد يحمل في طياته مخاطر غير محسوبة.
