الخميس 7 مايو 2026
  • الرئيسية
  • الحرب التي كشفت هشاشة المجتمع اليمني

الحرب التي كشفت هشاشة المجتمع اليمني

ظلّ اليمنيون لعقود يرددون شعارات العيش المشترك والوحدة الاجتماعية، وكأن المجتمع اليمني قد تجاوز كل أشكال الانقسام والتمايز. غير أن الواقع يكشف صورة أكثر تعقيدًا ومرارة، حيث تبدو العلاقات بين المكونات الاجتماعية والسياسية قائمة على التوازنات القلقة والخوف المتبادل، أكثر من قيامها على الثقة الحقيقية أو الشعور الوطني الجامع. فالكثير من الناس لم يتعايشوا نتيجة قناعة راسخة بفكرة الوطن الواحد، بل بسبب الضرورات التي فرضتها الجغرافيا والتاريخ وتشابك المصالح اليومية.

لقد أخفت الخطابات السياسية والإعلامية لعقود طويلة حجم الاحتقان الكامن داخل المجتمع اليمني، وتم تصوير اليمن وكأنه نموذج للانسجام الاجتماعي، رغم أن الصراعات القبلية والمناطقية والطائفية ظلت حاضرة في العمق، وتظهر مع كل أزمة سياسية أو حرب جديدة. ومع غياب مشروع وطني عادل يشعر فيه الجميع بالمساواة، تحولت فكرة العيش المشترك إلى مجرد حالة مؤقتة من ضبط الصراع، وليس بناءً حقيقيًا لهوية وطنية جامعة قادرة على الصمود أمام التحديات.
وجاءت الحرب الأخيرة لتكشف بصورة أكثر وضوحًا حجم التشققات داخل المجتمع اليمني، حيث تحولت البلاد إلى ساحة صراع مفتوح تتداخل فيه العوامل الداخلية مع التدخلات الإقليمية والدولية. فقد دخلت دول عديدة في مسار الحرب بشكل مباشر أو غير مباشر، تحت عناوين مختلفة تتعلق بالأمن القومي أو مواجهة النفوذ الإقليمي أو حماية الملاحة الدولية، لكن النتيجة كانت تعميق الانقسامات وتوسيع فجوة الكراهية والشك بين اليمنيين. كما ساهمت هذه التدخلات في تحويل القوى المحلية إلى أدوات مرتبطة بحسابات الخارج، أكثر من ارتباطها بمصالح المجتمع اليمني نفسه.
كما أن القوى السياسية والعسكرية اليمنية استثمرت حالة الحرب والدعم الخارجي لتعزيز نفوذها الخاص، بدلًا من البحث عن مشروع وطني جامع. فانتشرت خطابات التحريض والتخوين، وتمت إعادة إحياء الهويات الضيقة على حساب الهوية الوطنية الجامعة، وأصبح كثير من اليمنيين ينظرون إلى بعضهم البعض من خلال الانتماءات السياسية والمناطقية والطائفية التي غذتها سنوات الحرب والدعم الخارجي المتعدد، وهو ما أضعف فكرة الدولة الجامعة ورسّخ حالة الانقسام الاجتماعي والسياسي بصورة خطيرة.
إن بناء عيش مشترك حقيقي في اليمن لن يتحقق بالشعارات ولا بالخطابات العاطفية، بل يحتاج إلى مراجعة عميقة لطبيعة الدولة والنظام السياسي والثقافة الاجتماعية السائدة. كما يحتاج إلى تحرر القرار الوطني من ارتهانات الخارج، والتوقف عن استخدام الانقسامات الداخلية كأدوات للصراع والنفوذ. فالمجتمعات لا تتماسك بالقوة أو بالخوف، بل بالعدالة والاعتراف المتبادل والشعور الحقيقي بالمواطنة والمساواة. وعندما يشعر اليمني بأن حقوقه وكرامته مصانة بعيدًا عن التمييز والتبعية، عندها فقط يمكن الحديث عن وطن حقيقي، وعن عيش مشترك يقوم على القناعة لا على الاضطرار.