جذور الاستبداد من وهم "الاصطفاء الإلهي" إلى فخ "الاحتكار الوطني "
شهدت منطقتنا عبر تاريخها الحديث والقديم صراعات مريرة، أُلبست في كثير من الأحيان لبوساً مذهبياً، أو طائفياً، أو مناطقياً. وفي خضم هذه التجاذبات، انزلق الكثيرون إلى مربع "شيطنة الآخر" بناءً على هويته الجغرافية أو المذهبية، متناسين أن الأزمة الحقيقية ليست في العقائد التي يعتنقها البشر في خلواتهم، بل في السلوكيات والممارسات السياسية التي تسعى لفرض الهيمنة، واحتكار السلطة، والاستئثار بالثروة على حساب شركاء الوطن.
إن القراءة الواعية للواقع المعاش، سواء في الشمال أو الجنوب، تستوجب منا الانتقال من نقد "الطوائف والمذاهب" –وهي قناعات شخصية مكفولة لأصحابها– إلى نقد "الأفكار والممارسات الإقصائية". وعند إخضاع المشهد للتحليل، نجد أننا أمام وجهين لعملة واحدة من الاستبداد، يتصارعان ظاهرياً ويتطابقان سلوكياً.
الوجه الأول يتجلى في سلوك بعض قوى وصناع القرار في الشمال، ممن يحاولون إحياء نظرية "الاصطفاء الإلهي" أو الحق الحصري في الحكم سلالياً أو مذهبياً. هذا السلوك لا يمثل المذهب الزيدي كفقه أو تاريخ، بل يمثل توظيفاً سياسياً فجّاً للدين لشرعنة الاستبداد، وإلغاء مفهوم المواطنة المتساوية، وفرض التبعية على الناس بالقوة. وهو سلوك مرفوض جملة وتفصيلاً، لأنه ينسف فكرة الدولة المدنية ويصادر حق الشعوب في اختيار حكامها.
وفي المقابل، وعلى الضفة الأخرى، يبرز سلوك موازٍ لا يقل خطورة، يمكن تسميته بـ"الاصطفاء الوطني" أو المناطقية الاحتكارية. حيث تعمد بعض الجماعات أو المكونات القبيلة والمناطقية إلى احتكار صكوك الوطنية والتحدث باسم المجتمع بأكمله، معتبرين أنفسهم دون غيرهم "الوطن"، ومصنفين المخالفين لهم في الرأي كمخونين أو غير وطنيين. هذا السلوك يعيد إنتاج ذات الاستبداد؛ فهو يسعى للاستحواذ على القرار والثروة تحت لافتة "الوطنية الضيقة"، تماماً كما يسعى الطرف الآخر للاستحواذ عليها تحت لافتة "الحق الإلهي".
إن المشكلة التي أرهقت كاهل مجتمعاتنا منذ الأزل لا تكمن في تنوعنا المذهبي أو الجغرافي، بل في هذا النزوع الدائم نحو الهيمنة والإقصاء. الطرفان اللذان يتبادلان السب والاتهامات اليوم، يمارسان في الواقع نفس السلوك الإقصائي؛ كلاهما يرفض الشراكة، وكلاهما يرى في الوطن ملكية خاصة لفئته أو منطقته أو سلالته.
لقد حان الوقت لكي ندرك أن الخلاص لن يأتي باستبدال هيمنة مذهبية بهيمنة مناطقية، بل بإنهاء ثقافة الهيمنة نفسها. إن مدينتا التاريخية عدن، بإرثها المدني والثقافي، كانت دائماً نموذجاً للتعايش وقبول الآخر، واليوم نحن بحاجة لاستلهام هذه الروح لرفض كل أشكال الظلم.
إن معركتنا الحقيقية ليست ضد طائفة أو مذهب أو جغرافيا، بل هي معركة وعي ضد "الاستبداد بأشكاله كافة"، وضد أي فكر يرى صاحبه فيه نفسَه واصياً على رقاب ومصائر الناس، سواء جاء هذا الفكر متدثراً بعمامة الدين أو بعباءة القبيلة والمنطقة. إن الطريق نحو المستقبل يبدأ من مربع واحد لا ثانٍ له: المواطنة المتساوية، والتوزيع العادل للسلطة والثروة، واحترام كرامة الإنسان وخياراته.



