الجمعة 9 أكتوبر 2026

اليمن بين حسابات الحرب ووجع الناس

مع انطلاق عملية فجر اليمن يعود السؤال المؤلم عما ستتركه هذه الجولة في حياة اليمنيين، وما إذا كانت ستفتح طريقًا إلى السلام أم تضيف فصلًا جديدًا إلى سنوات الدمار. ومن موقع يمني مستقل أرى أن تقييم أية عملية يجب أن يبدأ من أثرها على الناس وأمنهم وبيوتهم ومصادر عيشهم، فاليمنيون الذين أنهكتهم الحرب لا يحتاجون إلى مزيد من الوعود التي تؤجل حياتهم إلى ما بعد النصر، وكل طرف يتحدث باسم اليمن مطالب بأن يوضح كيف سيحمي أبناءه، وكيف سيمنع تحول أهدافه السياسية والعسكرية إلى خسائر يدفع ثمنها المواطن الذي لا يملك قرار الحرب، ولا يستطيع الهروب من نتائجها.

لقد أسهمت أطراف الصراع اليمنية والقوى الإقليمية المتدخلة في الوصول إلى هذا الخراب، وإن اختلفت أدوارها وحجم مسؤوليتها، فالاستيلاء على مؤسسات الدولة وفرض السلطة بالسلاح والقصف والحصار والانتهاكات والفساد والتنازع على الموارد... كلها ممارسات عمقت المأساة، وأضعفت فرص الخروج منها، ولا تعفي أي طرف شعاراته أو مظالمه من المسؤولية عن أفعاله، فالحديث عن استعادة الدولة يقتضي حماية مؤسساتها ومواطنيها، والحديث عن السيادة يقتضي احترام إرادة الناس وحقوقهم، والحديث عن الأمن يقتضي البحث عن ترتيبات تمنع تجدد الحرب، وهذه المسؤولية تشمل الحوثيين والقوى المناهضة لهم والسعودية والإمارات وسائر القوى التي أسهمت في تمويل الصراع أو تسليحه أو إطالة أمده. والمحاسبة العادلة تقتضي تحديد مسؤولية كل طرف عن قراراته وانتهاكاته دون انتقائية أو إعفاء.
وفي تقديري، قد تغير العملية الجديدة بعض موازين القوة، لكنها لن تعالج وحدها أزمة اليمن. فالتقدم العسكري لا يضمن قيام دولة، والضربات الجوية لا تصنع توافقًا وطنيًا، كما أن بقاء أية جماعة وقدرتها على مواصلة القتال لا يثبتان قدرتها على بناء سلام يحتاج إليه المجتمع. وقد يدفع التصعيد الأطراف إلى التفاوض، لكنه قد يدفعها أيضًا إلى التشدد وتوسيع المواجهة إذا اعتقد كل منها أن جولة إضافية ستمنحه الانتصار. ولهذا فإن الخطر الأكبر هو استمرار التعامل مع معاناة الناس باعتبارها كلفة مقبولة لتحقيق أهداف سياسية، بينما يؤدي تدمير الخدمات وفقدان العمل والنزوح إلى إضعاف المجتمع وتعميق الانقسامات التي ستواجه أية تسوية مقبلة.
أما السعودية فإن قدرتها على إطلاق حملة واسعة أو دعمها لا تعني قدرتها على التحكم الكامل في مسار الأحداث بعدها، فهي تستطيع التأثير في موازين المواجهة، لكنها لا تتحكم وحدها في قرارات الحوثيين ولا في مصالح حلفائها اليمنيين ولا في ردود الفعل الإقليمية. وكلما اتسعت العمليات ازدادت احتمالات امتدادها إلى مواجهات يصعب احتواؤها، وتتحمل الرياض مسؤولية نتائج قراراتها العسكرية مثلما يتحمل الحوثيون مسؤولية هجماتهم، وتتحمل القوى اليمنية الأخرى مسؤولية خياراتها وانتهاكاتها، ويظل أمن السعودية مطلبًا مشروعًا، كما يظل أمن اليمنيين وسيادتهم حقًا لا يجوز تجاهله. والطريق الأكثر استقرارًا لحماية الطرفين يمر عبر ضمانات متبادلة وتسوية سياسية تعالج مصادر التهديد وتمنع تجددها.
وأين عقلاء اليمن؟ وأين الكيانات والمنظمات التي تأسست باسم السلام والدفاع عن حقوق الناس؟ ولماذا لا يظهر صوتها بالقدر الذي تقتضيه هذه اللحظة التي تشتد فيها حاجة المجتمع إلى الحماية، وإلى موقف مستقل يرفض الانتهاكات أيًا كان مرتكبها؟ إن ضعف حضورها يطرح سؤالًا مشروعًا عن استقلالها، وعما إذا كان بعضها نشأ أو جرى توجيهه لخدمة أجندات أطراف الصراع أكثر من خدمة اليمنيين. ولا يصح الجزم بذلك دون أدلة، لكن من حق الناس أن يسألوا عن مواقف هذه الكيانات ومصادر تمويلها ونتائج عملها، فهذه اللحظة تستدعي تحركًا لتوثيق الانتهاكات وإغاثة المتضررين والضغط لحماية المدنيين ووقف التصعيد وفتح قنوات الحوار. وعلى العقلاء أن يجمعوا صوتهم، وعلى منظمات السلام والحقوق أن تثبت استقلالها بالفعل، وأن تقف إلى جانب الإنسان اليمني حتى حين يتعارض ذلك مع مصالح مموليها أو الأطراف القريبة منها.
أكتب هذا كيمني يحزن على بلاده، ويرفض أن يصبح وجع أهلها مادة لتبرير الحرب أو الاحتفال بها. وما أرجوه لليمن هو وقف للقتال يحمي المدنيين ويضمن استمرار الخدمات ويفتح طريقًا إلى حوار شامل ومحاسبة على الانتهاكات وبناء مؤسسات لا تحتكرها جماعة أو منطقة أو عائلة. فالسلام يحتاج إلى تنازلات من الجميع، وإلى قبول أن اليمن يتسع لأبنائه جميعًا، وأن حقوقهم لا تتوقف على انتماءاتهم، ومستقبل البلاد لن يتحسن مادام كل طرف يطالب الآخرين بمراجعة أخطائهم، ويعفي نفسه من المسؤولية. لقد دفع اليمنيون ثمنًا يفوق قدرتهم على الاحتمال، وحان أن تقاس قيمة كل قرار بما يحفظه من أرواح، وما يعيده من أمل إلى الناس.