الأهمية الاقتصادية للأوقاف في اليمن: بين الإهدار وغياب الشفافية
يُعدّ القطاع الوقفي في اليمن من أعرق القطاعات الأهلية والمؤسسية؛ حيث شهدت البلاد عبر تاريخها الإسلامي حركة وقفية واسعة شملت الأراضي الزراعية والعقارات والموارد المائية. ولذلك، فإن الأوقاف في اليمن يعتبر من أضخم الأصول الاقتصادية والاجتماعية غير المستغلة بالطاقة القصوى، نظراً لاتساع حجم الرصيد الوقفي الذي يضم مئات الآلاف من المعادن والأطيان الزراعية والعقارات المبنية في معظم المحافظات. ولتفعيل دور عوائد الأوقاف في التنمية الاقتصادية والاجتماعية الشاملة، يمكن توجيه هذه العوائد والأصول عبر مجالات حيوية متعددة، تُترجم المقاصد الشرعية للوقف إلى عوائد تنموية ملموسة، والاستفادة من تجارب إدارة أموال الأوقاف في بعض الدول العربية والإسلامية "الكويت، تركيا، ماليزيا وغيرهم".
وتكمن الأهمية الاقتصادية والتنموية لاستثمار عوائد الأوقاف في عدة مجالات، تشمل: المساهمة في تمويل ترميم المساجد، مشاريع مياه الشرب، ودعم المرافق الصحية والتعليمية الوقفية، وتقديم الرعاية الاجتماعية للفقراء والمحتاجين (غذاء، كساء، إيواء)، وتحفيز النشاط الاقتصادي وتنمية الأصول، من خلال تحويل الأصول الوقفية غير المستغلة "المعطلة" إلى مشاريع استثمارية (أسواق تجارية، مجمعات سكينة، مشاريع زراعية). وتوفير فرص عمل مباشرة وغير مباشرة من خلال المشاريع الإنشائية والتنموية التي تُنفذ بعوائد الوقف، وتوجيه العوائد الوقفية لتغطية نفقات قطاعات حيوية لتخفيف العبء عن الخزانة العامة للدولة، لا سيما في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة.
وتختلف إدارة واستغلال القطاع الوقفي في المناطق التابعة لحكومة عدن عن النموذج المعتمد في مناطق حكومة صنعاء، سواء من حيث الهيكلة المؤسسية أو آليات الاستثمار ومستويات التحصيل، ولا يختلفان كثيرا بالنسبة للحوكمة والشفافية.
الإهدار والضياع
في مناطق حكومة عدن تُدار الأوقاف عبر "قطاع الأوقاف" و"قطاع الاستثمار" التابعين لـ وزارة الأوقاف والإرشاد، بالإضافة إلى مكاتب الوزارة في المحافظات (مثل عدن، حضرموت، تعز، مأرب، ولحج). ولم تُنشأ هيئة مستقلة بفصل كامل كما هو الحال في صنعاء، بل يظل العمل متوافقاً مع القانون العام للوقف الشرعي واللوائح التنفيذية للوزارة. وتتأثر قدرة قطاع الأوقاف على استثمار أصوله وتنمية عوائده بعدة عوامل هيكلية وميدانية، فالعوائد والأصول تدار بشكل لا مركزي عبر مكاتب الأوقاف في المحافظات. وتتوزع الأصول بين أراضٍ زراعية وعقارات تجارية وسكنية (خاصة في حضرموت، عدن).
كما يواجه القطاع تحديات جمة تؤثر على تراكم العوائد منها، استمرار العمل بعقود إيجارية قديمة في كثير من أعيان الأوقاف دون تعديل يناسب التضخم وتدهور سعر الصرف، إضافة إلى تعرض العديد من الأراضي والعقارات الوقفية للبسط والتعديات أو المماطلة في دفع المتأخرات نتيجة ضعف البيئة الأمنية في تلك المناطق. فضلا عن تدهور القيمة الشرائية للعملة المحلية (الريال اليمني في مناطق عدن) يؤثر مجرداً على القيمة الحقيقية للعوائد المحصلة مقارنة بالنفقات التشغيلية والتنموية.
وتواجه أصول الأوقاف في مناطق عدن مشكلة غياب قاعدة بيانات مالية موحدة ومجمّعة، وعدم نشر التقارير المالية الدورية، وضعف آليات الرقابة والتدقيق في مكاتب المحافظات، وعدم وجود نظام شفاف يوضح حجم المقبوضات والمصروفات، مما يضع علامة استفهام كبيرة حول حجم عوائد الأوقاف ومصارف إنفاقها، إضافة إلى تلف وضياع جزء كبير من المخطوطات والوثائق الوقفية القديمة، مما سهل على بعض النافذين أو المواطنين السطو والبسط، على أصول الأوقاف، لا سيما في ظل ضعف المؤسسة القضائية والأمنية.
غياب الحوكمة والشفافية
وفي مناطق حكومة صنعاء، تدار أموال الأوقاف عبر الهيئة العامة للأوقاف التي تأسست كمؤسسة مستقلة عام 2019، وتتسم السياسة المالية والاستثمارية للهيئة بمركزية عالية في الجمع والتحصيل، مع إعادة تقييم عقود الإيجار لرفعها إلى مستويات قريبة من القيمة السوقية، وتوظيف القوة التنفيذية لاستعادة الأصول وتحصيل المتأخرات. وتوجه جزء من العوائد لمشاريع ومبادرات محدودة، إلى جانب تخصيص مبالغ للأنشطة والفعاليات ذات الصبغة الرسمية، وهو ما يراه ناقدون مخالفاً لـ "شرط الواقف" الذي يُعتبر في الفقه الإسلامي بمثابة النص الشرعي الحاكم.
وعلى الرغم من نجاح الهيئة في رفع معدلات التحصيل المالي وتوثيق جزء كبير من الأراضي والعقارات الوقفية، إلا أن نموذج إدارتها المالي والإداري يعاني من اختلالات جوهرية في مفاهيم الحوكمة المؤسسية، فهناك غياب للإفصاح المالي وللتقارير الميدانية التدقيقية، فالهيئة لا تقوم بنشر القوائم المالية الخاضعة للتدقيق المحاسبي المستقل التي تفصل إجمالي الموارد والإيرادات الدقيقة وكيفية توزيع النفقات، كما أن الهيئة تركز في إفصاحها على إعلان إجمالي مبالغ المبادرات في فعاليات جماهيرية ومهرجانات، دون نشر تقارير تفصيلية بيانية تُبين التكلفة الإدارية والتنفيذية الفعلية مقابل كل مشروع ومخرجاته المقاسة. ويُلاحظ ضعف إشراك أو نشر تقارير الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة حول أعمال الهيئة، مما يحرم الجمهور والمنتفعين من معرفة مدى سلامة الدورة المستندية وعمليات المناقصات والمشتريات الوقفية.
كما يؤخذ على الهيئة أنها تقوم باستعادة أراضٍ وممتلكات بحجة أنها أوقاف تاريخية دون إتاحة آليات قضائية محايدة أو سريعة للمواطنين للطعن في هذه القرارات أو إثبات الملكيات الشخصية، مما يُضعف البيئة القانونية الآمنة للاستثمار. كما تقوم بالتفريط ببعض الأعيان الوقفية ذات البعد الديني والتأريخي ومنحها لمستثمرين تجاريين دون اعتبار لحرمة المكان وقدسيتة (مصلى المشهد في مدينة صنعاء، مثالًا). كما يلاحظ أن الهيئة تجمع بين تولي الصفة السيادية (الرقابة، إنفاذ القانون، وتطبيق الأحكام) وبين مهمة الجمع والتحصيل والاستثمار المباشر وإعادة الإنفاق، مما ينشئ حالة دائمة من "تعارض المصالح"، وهو ما يتنافى مع قواعد الحوكمة الوقفية الحديثة التي تنص على ضرورة فصل الجهة المُنظّمة والقانونية عن الجهة المباشرة للأنشطة الاستثمارية والصرف.
وتؤكد التقارير ذات الصلة بالوضع اليمني أن إدارة الأوقاف في صنعاء تعاني من غياب هيكلي للمساءلة والمحاسبة، وتعتمد نظاماً يعزز المركزية المطلقة واحتكار القرار المالي، مما أدى إلى تغليب البعد المالي والأيديولوجي على حساب الحوكمة المؤسسية والشفافية والتنمية الوقفية المستدامة. كما يُنظر إلى منظومة المناقصات والعقود في الهيئة على أنها نموذج لعدم الامتثال لمعايير الحوكمة الشاملة، حيث تحولت عملية الإرساء وإبرام التعاقدات من منصات تنافسية علنية تستهدف تعظيم عائدات الوقف وتخفيض التكاليف، إلى قرارات إدارية مركزية تزيد من مخاطر الهدر والتربح وتمنع التنافسية العادلة.
وخلاصة الأمر، فإن إدارة أصول الأوقاف في مناطق عدن تتسم بالإهدار والضياع لأموال الأوقاف ولا تتوفر أية معلومات أو بيانات عن المشاريع التي تقدمها الأوقاف للجهات المستفيدة، ويتطلب الأمر إنشاء هيئة مستقلة للأوقاف أسوة بما تم في مناطق صنعاء، بشرط الإلتزام بمبادىء الحوكمة والشفافية في إدارة أموال الأوقاف.
وبالمقابل، يلاحظ أن الهيئة العامة للأوقاف بصنعاء قد تحوّلت إلى مركز جباية وتحصيل مالي نافذ بفضل الاستقلال المؤسسي واستخدام القوة التنفيذية، إلا أنها لم ترافِق هذا النمو المالي بتطوير منظومة حوكمة شاملة تعتمد على الشفافية المالية، والنشر الدوري لتقارير التدقيق المحاسبي، والالتزام بشرط الواقف والحياد المؤسسي، مما يجعلها عرضة للنقد المستمر وتراجع ثقة المجتمع والواقفين الجدد. وهناك حاجة ماسة للفصل بين مهمة الجمع والتحصيل لعوائد الأوقاف ومهمة الاستثمار المباشر وإعادة الإنفاق لضمان عدم تضارب المصالح وتعزيز قواعد الحوكمة الوقفية الحديثة كما هو سائد في التجارب الناجحة في بعض الدول العربية والإسلامية (مثل ماليزيا، تركيا، الكويت وغيرهم).



