الفوضى الخلّاقة.. والهدّامة.. والمحسوبة في اليمن
حين ظهر مصطلح «الفوضى الخلّاقة» في الخطاب السياسي الدولي، ارتبط بفكرة أن الفوضى قد تكون وسيلة لإعادة تشكيل الدول والمجتمعات، وإنتاج واقع جديد من رحم الأزمات والاضطرابات. لكن ما يبدو في النظريات السياسية شيئًا قابلًا لإعادة التشكيل، يتحول في حياة الشعوب إلى خراب حقيقي عندما تطول الفوضى، وتتداخل فيها المصالح، وتغيب الدولة، ويصبح الإنسان هو من يدفع الثمن.
ولعل اليمن من أكثر البلدان التي يمكن أن تُقرأ فيها هذه الفكرة بوضوح. فاليمن ليس مجرد بلد يعيش أزمة داخلية؛ إنه بلد يحتل موقعًا جغرافيًا واستراتيجيًا بالغ الأهمية، يطل على البحر الأحمر وخليج عدن، ويتصل بأحد أهم الممرات البحرية والتجارية في العالم، ويقع بالقرب من باب المندب الذي يمثل نقطة حيوية لحركة التجارة والطاقة الدولية. ولهذا لم يكن موقع اليمن يومًا تفصيلًا هامشيًا في حسابات المنطقة، بل ظل عاملًا حاضرًا في صراعاتها وتوازناتها ومصالحها.
ومع اندلاع الحرب اليمنية، بدأت الفوضى تأخذ شكلًا أكثر قسوة. لم تعد مجرد اضطراب سياسي أو عسكري، بل تحولت تدريجيًا إلى واقع يطاول مؤسسات الدولة، والاقتصاد، والخدمات، والطرق، والمطارات، والموانئ، والتعليم، والصحة، وقبل ذلك كله حياة المواطن اليمني.
هنا تبرز المفارقة: ما قد يُسمّى في بعض التحليلات «فوضى خلّاقة» لم ينتج بالنسبة لليمني العادي واقعًا أكثر استقرارًا أو دولة أكثر قوة، وإنما أنتج في كثير من تفاصيل حياته فوضى هدّامة. فبدل أن تكون الفوضى مرحلة قصيرة تفضي إلى إعادة البناء، أصبحت في اليمن حالة ممتدة تستنزف الإنسان والدولة معًا.
فالمواطن الذي يبحث عن راتبه لا يعنيه كثيرًا اسم الفوضى أو تعريفها السياسي؛ ما يعنيه أن يحصل على أجره في موعده. والذي يقف أمام مستشفى يبحث عن علاج لا يسأل عن خرائط النفوذ، بل يريد دواءً متوفرًا وطبيبًا قادرًا على مساعدته. والمسافر الذي يقطع المسافات الطويلة بسبب إغلاق طريق أو مطار لا يبحث عن تفسير جيوسياسي، وإنما يريد طريقًا آمنًا ومطارًا مفتوحًا ووطنًا لا يحول السفر داخله إلى معاناة.
وهكذا انتقلت الفوضى من المشهد السياسي إلى تفاصيل الحياة اليومية. تعددت السلطات ومراكز النفوذ، وتباينت القرارات، وانقسم الاقتصاد، وتراجعت الخدمات، وأصبح المواطن يتعامل مع واقع متشظٍ، يدفع فيه ثمن الانقسام من قوته الشرائية، ومن صحته، ومن تعليم أبنائه، ومن أمنه، ومن قدرته على التخطيط لمستقبله.
والأخطر أن استمرار الفوضى قد يجعلها مع الوقت أمرًا مألوفًا. وعندما يعتاد المجتمع الانقسام، وتصبح الأزمات جزءًا من الحياة اليومية، ويتحول الاستثناء إلى قاعدة، يصبح الخروج من الفوضى أكثر صعوبة من الدخول فيها. عندها لا تعود الفوضى مجرد نتيجة للحرب، بل تصبح بيئة تستفيد منها مصالح مختلفة، وتعيش عليها قوى وأطراف وشبكات اقتصادية وسياسية.
ومن هنا يمكن فهم معنى «الفوضى المحسوبة»؛ أي تلك الحالة التي لا يكون استمرارها بالضرورة نتيجة غياب كامل للحسابات، بل قد تتقاطع في استمرارها مصالح متعددة، بحيث لا يريد بعض الأطراف أن تصل الأزمة إلى نهايتها، ولا يريد آخرون أن تعود الدولة إلى كامل حضورها. وبين هذا الحساب وذاك يبقى المواطن خارج غرفة القرار، لكنه داخل دائرة الثمن.
لقد دفعت اليمن خلال سنوات الحرب ثمنًا باهظًا من بنيتها التحتية واقتصادها ومؤسساتها ونسيجها الاجتماعي، والأشد قسوة أن الحرب لم تكتفِ بتدمير ما هو قائم، بل أضعفت قدرة الأجيال الجديدة على بناء ما هو قادم. فالطفل الذي يفقد حقه في تعليم مستقر، والشاب الذي لا يجد فرصة للعمل، والأسرة التي تعيش تحت ضغط الغلاء، والمريض الذي يعجز عن الوصول إلى العلاج، جميعهم يدفعون ثمنًا لا يظهر في بيانات المعارك، لكنه أكثر عمقًا واستمرارًا.
ومع ذلك، فإن تحميل الخارج وحده مسؤولية ما حدث في اليمن لا يعفي الأطراف اليمنية من مسؤوليتها. فالفوضى لا تستمر من الخارج وحده، وإنما تجد بيئة داخلية تساعدها على التمدد عندما تتغلب الحسابات الضيقة على المصلحة الوطنية، وعندما يصبح الصراع على السلطة أهم من بناء الدولة، وعندما يتحول المواطن من صاحب حق إلى ورقة تستخدم في الصراع.
اليمن بحاجة إلى أن يتوقف عن كونه ساحة لتصفية الحسابات، وأن يستعيد مكانته كدولة ذات سيادة وموقع استراتيجي ومجتمع يمتلك تاريخًا وحضارة وطاقات بشرية قادرة على النهوض. فالموقع الجغرافي الذي يمكن أن يكون مصدر قوة اقتصادية وسياسية، لا ينبغي أن يتحول إلى سبب لاستمرار النزاع واستنزاف البلاد.
إن الخروج من هذه الدائرة لا يكون بإعادة إنتاج الفوضى تحت مسميات جديدة، ولا باستبدال طرف بآخر، ولا بإطالة الحرب انتظارًا لتغير موازين القوى، وإنما بإعادة الاعتبار للدولة، وإنهاء الصراع، وحماية المواطن، وإعادة بناء المؤسسات والخدمات والاقتصاد، وفتح الطرق والمطارات والموانئ، وإعادة الحياة إلى التعليم والصحة والعمل.
فالفوضى مهما اختلفت تسمياتها لا يمكن أن تكون وطنًا، والحسابات مهما كانت دقيقة لا ينبغي أن تكون على حساب حياة شعب كامل. واليمن لا يحتاج إلى فوضى جديدة تعيد تشكيله، بل يحتاج إلى سلام يعيد بناءه، ودولة تحميه، وعدالة تحفظ كرامة مواطنيه.
وفي النهاية، يبقى السؤال الأهم ليس: من ربح الحرب؟ ولا: من وسّع نفوذه؟ وإنما: ماذا بقي لليمني بعد كل هذه السنوات؟
بقي وطنٌ يحتاج إلى أن يُستعاد، ومواطنٌ يريد أن يعيش بكرامة، وأجيالٌ تستحق مستقبلًا أفضل من حاضرها. ولذلك فإن المعركة الحقيقية التي يجب أن تبدأ اليوم ليست معركة السيطرة على اليمن، وإنما معركة إنقاذ اليمن من الفوضى، وإعادة الإنسان إلى مكانه الطبيعي باعتباره الغاية الأولى لأية دولة وأي سلام.
فاليمن لا يحتاج من يدير فوضاه، بل يحتاج من يساعده على الخروج منها.



