حكومة النساء اليمنية.. لماذا يُزعج البعض أن تحاكي النساء المستقبل؟
في بلد أنهكته الحرب، وتوزعت فيه مؤسسات الدولة بين سلطات متنافسة، وأصبح الحديث عن المستقبل نفسه يبدو أحيانًا ترفًا أمام واقع إنساني وسياسي واقتصادي شديد القسوة، ظهرت فكرة «حكومة النساء اليمنية» بوصفها تجربة استشارية ومحاكاة مستقبلية للعمل الحكومي.
وكما يحدث غالبًا مع كل فكرة جديدة في المشهد اليمني، لم تبدأ بعض ردود الفعل بالسؤال عن مضمون التجربة وما يمكن أن تقدمه، وإنما بدأت بالسخرية منها واعتبارها نوعًا من العبث، وكأن مجرد محاولة مجموعة من النساء اليمنيات التفكير في شكل الدولة ومستقبلها أصبحت أمرًا يستحق الاستهزاء.
لكن قبل الحكم على الفكرة، علينا أن نضعها في سياقها الحقيقي. هذه ليست حكومة الدولة اليمنية الرسمية، وليست بديلًا عن مؤسساتها، ولا ادعاءً بامتلاك سلطة تنفيذية، وإنما هي تجربة محاكاة واستشارة تتيح لمجموعة من النساء التفكير في العمل الحكومي وصناعة السياسات وإدارة الملفات العامة، ومناقشة شكل الدولة التي يمكن أن يحتاج إليها اليمن عندما ينتقل من الحرب إلى السلام. ومن حق الصحفيين والإعلاميين أن يسألوا عن الجهة التي تقف وراء التجربة، وعن أهدافها وآلياتها وطريقة اختيار المشاركات وما ستنتجه على أرض الواقع، بل إن هذه الأسئلة ضرورية حتى لا تتحول أي مبادرة عامة إلى مجرد أسماء وشعارات. لكن النقد المهني شيء، وتحويل الفكرة إلى «مهزلة» لمجرد أن النساء قررن خوض تجربة سياسية شيء آخر.
فإذا كان اليمن قد عرف طوال عقود أحزابًا وتكتلات ومبادرات ومشاريع سياسية تتحدث عن الدولة والديمقراطية والمستقبل، فلماذا يبدو غريبًا أن تنشئ النساء مساحة استشارية خاصة بهن؟ وإذا كانت الديمقراطية تقوم على تعدد الأفكار والتجارب، فلماذا يكون حق التجربة حكرًا على الأحزاب والقوى السياسية التقليدية؟ ولماذا يُطلب من النساء دائمًا أن ينتظرن حتى تُفتح لهن الأبواب، بدل أن يحاولن إنشاء مساحة يتدربن فيها على صناعة القرار وإدارة المؤسسات وصياغة السياسات؟
المرأة اليمنية لم تكن بعيدة عن الواقع العام حتى يقال إنها ظهرت فجأة في تجربة سياسية. النساء كن موجودات في الصحافة والعمل المدني والتعليم والاقتصاد والعمل الإنساني، وكن في كثير من الأحيان في مقدمة من تحملوا آثار الحرب والنزوح والفقر وانهيار الخدمات والعنف. تحملن نتائج القرارات السياسية مثل الرجال، وفي حالات كثيرة تحملن العبء الأكبر منها، لكن حضورهن في مواقع صناعة القرار ظل أقل بكثير من حجم حضورهن في المجتمع ومن حجم المسؤوليات التي تحملنها خلال سنوات الحرب. وهذه المفارقة هي التي تجعل النقاش حول أي مساحة جديدة لمشاركة النساء أمرًا مشروعًا، لا أمرًا مثيرًا للسخرية.
ثم يأتي الاعتراض الذي يتكرر كثيرًا: اليمن في حرب، فكيف نتحدث عن حكومة نساء أو عن محاكاة للعمل الحكومي بينما الناس يعيشون أزمة إنسانية واقتصادية وسياسية؟ والجواب هنا لا يحتاج إلى تجاهل الحرب، بل إلى النظر إليها من زاوية أخرى. نعم، اليمن في حرب، وهذه الحقيقة لا يمكن تغطيتها بأي شعار أو مبادرة، لكن هل تعني الحرب أن نتوقف عن التفكير في اليوم الذي ستنتهي فيه؟ وهل يعني وجود أزمة إنسانية أن نتوقف عن إعداد الأشخاص والمؤسسات والأفكار التي سيحتاج إليها اليمن عندما تبدأ مرحلة جديدة؟ بالعكس، ربما تكون الحرب نفسها أحد الأسباب التي تجعل التفكير في المستقبل أكثر إلحاحًا، لأن الدول لا تخرج من الحروب وهي تحمل في يدها خطة جاهزة لإعادة بناء مؤسساتها، ولا تظهر القيادات والكفاءات فجأة في اليوم التالي لتوقف إطلاق النار.
السلام، عندما يأتي، سيحتاج إلى أشخاص يعرفون كيف يديرون المؤسسات، وكيف يضعون السياسات، وكيف يعيدون بناء الاقتصاد، وكيف يصلحون الإدارة العامة، وكيف يتعاملون مع الإعلام والتعليم والصحة والقضاء، وكيف يعيدون بناء العلاقة بين المواطن والدولة. وإذا كنا ننتظر مرحلة انتقالية سياسية في اليمن، فمن الطبيعي أن نسأل منذ الآن: من سيقود تلك المرحلة؟ ومن أين ستأتي الكفاءات؟ وهل سنظل نعيد تدوير الأسماء والشبكات السياسية نفسها، أم سنحاول إعداد جيل جديد من النساء والرجال القادرين على التفكير في الدولة بطريقة مختلفة؟
من هنا يمكن النظر إلى فكرة المحاكاة السياسية بعيدًا عن صورتها السطحية. فالمحاكاة ليست ادعاءً بالسلطة، وإنما تدريب على المسؤولية. وحين تجلس امرأة يمنية لتفكر في كيفية إدارة وزارة، أو في وضع سياسة للإعلام، أو في إصلاح قطاع اقتصادي، أو في حماية حقوق النساء، فهي لا تدعي أنها أصبحت صاحبة القرار الفعلي، وإنما تختبر قدرتها على التفكير في القرار وعلى تحمل مسؤولياته. وقد تكون التجربة ناجحة أو قد تفشل، وقد تحتاج إلى تطوير أو مراجعة، وهذا طبيعي في أية تجربة جديدة. القيمة لا تأتي من الاسم الذي تحمله، وإنما مما تستطيع إنتاجه من معرفة وأفكار وسياسات وممارسات.
ولهذا فإن «حكومة النساء اليمنية»، إذا أرادت أن تتحول إلى تجربة لها قيمة فعلية، عليها أن تتجاوز الرمزية إلى العمل، وأن تكون واضحة في أهدافها وآلياتها، وأن تكون شفافة في اختيار المشاركات، وأن تنتج أوراقًا ومقترحات وسياسات قابلة للنقاش، وأن تسمح بالنقد والمساءلة. فالحديث عن تمكين النساء لا ينبغي أن يعني مجرد وضع أسماء نسائية على حقائب وزارية، وإنما يجب أن يعني بناء المعرفة والقدرة والخبرة التي تجعل النساء قادرات على المشاركة في مؤسسات الدولة عندما تأتي اللحظة الحقيقية.
وأنا واحدة من النساء اللواتي تم ترشيحهن للمشاركة في هذه التجربة، وقبلت المشاركة فيها، لكن قبولي لا يعني أنني أقول إنني أصبحت وزيرة في الحكومة اليمنية الرسمية، فهذا توصيف غير صحيح. أنا أشارك في تجربة استشارية ومحاكاة مستقبلية، وأرى فيها مساحة يمكن من خلالها التفكير في الدولة التي نريدها، وفي الدور الذي تستطيع النساء اليمنيات أن يلعبنه فيها. ولا أعتقد أن المشاركة في مثل هذه التجربة تحتاج إلى اعتذار، كما لا أعتقد أنها تحتاج إلى تضخيم يتجاوز حقيقتها. هي تجربة، ومن حقها أن تُختبر، ومن حق الناس أن ينتقدوها، ومن واجب المشاركات فيها أن يثبتن قيمتها بالعمل.
المشكلة ليست في أن تكون هناك تجربة نسائية، وإنما في أن يصبح مجرد وجود النساء في مساحة سياسية سببًا كافيًا للتشكيك والسخرية. لقد اعتدنا طويلًا على أن تكون السياسة مساحة مفتوحة للأحزاب والقوى التقليدية، وأن من يملك التنظيم والموارد والعلاقات يستطيع أن يطرح نفسه باعتباره صاحب مشروع سياسي، بينما يُطلب من النساء في كثير من الأحيان أن ينتظرن حتى تأتيهن الفرصة من خارجهن. لكن ماذا لو قررت النساء أن يصنعن مساحة للتعلم والتجربة بأنفسهن؟ ماذا لو قررن أن يتدربن على إدارة الدولة قبل أن يصلن إلى مؤسساتها؟ ماذا لو أردن أن يقدمن رؤية سياسية لا تقوم على انتظار مقعد تمنحه لهن جهة ما، وإنما على بناء المعرفة التي تؤهلهن للمشاركة؟
هذا لا يعني أن النساء أفضل من الرجال، ولا أن كل تجربة نسائية ستكون ناجحة لمجرد أنها نسائية. المسألة ليست منافسة بين الجنسين، وإنما توسيع دائرة المشاركة. اليمن يحتاج إلى رجال ونساء وكفاءات مختلفة، وإلى مساحة سياسية تسمح للأفكار بأن تُختبر بدل أن تُقتل قبل أن تبدأ. وإذا كان هناك من يرى أن التجربة غير جادة، فإن أفضل طريقة لإثبات ذلك ليست السخرية منها، وإنما مراقبة ما ستنتجه ومساءلتها عن نتائجها.
في النهاية، اليمن الذي نريد أن نراه بعد الحرب لن يُبنى في اليوم الذي تتوقف فيه البنادق فقط. بناء الدولة يبدأ قبل ذلك بكثير، في العقول التي تفكر في شكلها، وفي الأشخاص الذين يستعدون لإدارتها، وفي السياسات التي يجري إعدادها، وفي النقاشات التي تبدو للبعض اليوم بعيدة عن الواقع لكنها قد تصبح غدًا جزءًا من الواقع نفسه. ولهذا فإن السؤال ليس لماذا تتحدث النساء عن حكومة بينما اليمن في حرب، بل لماذا لا نستعد جميعًا لليمن الذي سيأتي بعد الحرب؟
قد تفشل هذه التجربة، وقد تنجح، وقد تحتاج إلى تعديل كبير حتى تجد طريقها. لكن هذا شأن كل تجربة سياسية ومدنية. ما ينبغي ألا يحدث هو أن نحكم عليها قبل أن تبدأ، أو أن نحول مشاركة النساء فيها إلى مادة للسخرية بدل أن نسأل عن مضمونها ونتائجها. فاليمن لا يحتاج فقط إلى من يتنافس على السلطة عندما تحين اللحظة، وإنما يحتاج أيضًا إلى من يستعد لتحمل مسؤولية السلطة قبل أن تأتي تلك اللحظة.
وربما تكون قيمة «حكومة النساء اليمنية» في النهاية ليست في أن تصبح حكومة حقيقية، وإنما في أن تكون مساحة تتعلم فيها النساء كيف يفكرن في الدولة، وكيف يصنعن السياسات، وكيف يختلفن، وكيف يقدمن البدائل، وكيف يستعددن للمشاركة في بناء اليمن عندما تتاح الفرصة الحقيقية. فالمستقبل لا يبدأ عندما يصل، بل يبدأ عندما نقرر أن نستعد له.



