الأربعاء 30 سبتمبر 2026

عزان وناقدوه: الزيدية والجارودية

في 27 سبتمبر2026، بثّت قناة روتانا خليجية حلقة من برنامج "في الصورة" الذي يقدمه الأستاذ عبدالله المديفر مع الباحث في الفكر الإسلامي والتراث الزيدي محمد عزان تحت العنوان الاستفهامي «هل كل زيدي حوثي؟»، مع وسم «الزيديّةفي الصورة». استمرت الحلقة قرابة الساعتين، وتجاوزت خلال أيام قليلة أكثر مائتين وعشرين ألف مشاهدة، وقد اشعلت جدالات واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي.

محمد عزان
محمد عزان
وأولى الملاحظات المركزية على المقابلة والنقاشات التي أعقبتها حول "الزيدية" هو أن الجدل لم يتركز على تعريفات يمكن اختبارها أو أطروحات تقوم على تفسير نسقي، بل كانت أقرب إلى محاولات متنافرة لتثبيت ملكية المذهب، فمن يَملِكه، ومن يقبع في عمقه، وما هو الطارئ من الأصيل والجوهري؟ ومن الطبيعي في نقاشات كهذه، وفي أجواء شديدة التوتر والتكالب، أن تتصارع الثنائيات الحادة التي يقف كل منهما على طرفيّ نقيض: ثنائية الفصل التام التي يُمثِّلها عزان، ويحاول أن يستنطق الأدبيات الزيدية، وبذاكرة مدهشة ومعرفة واسعة بالتيارات والفرق الإسلامية، لاستخراج بعض الاقوال والاقتباسات وتقديمها كـ"بوكيهات ورد" لإظهار القطيعة التامة مع النسخة "الجارودية" المتطرفة. وإذ يُطالب بإعادة قراءة نسقية للتاريخ (الواقعي) الكالح والممتد لأكثر من ألف عام والذي يَعِزُ عليه تقديم أي نوع من أنواع الورود، وقد نوافقه في مثل هذه المبادرة، لكن كان لا بد من قراءة نسقية أيضاً للإرث المذهبي، والسياسي منه على وجه التحديد، فالخطاب السياسي المراوغ قد لا يبخل بتقديم الكثير من بوكيهات وبساتين الورود في لحظات الحاجة، كما قد يستعين بالخطاب المراوغ لتحقيق غايات "غير وردية"، وكما فعلت الحركة الحوثية في بدايتها إلى ٢٠١٤ عن طريقة تصدير خطاب (شديد الوردية) كان على رأسه المُلحد علي البخيتي!
تقوم أطروحة المعسكر المناوئ، ومعظم أصحابها من الاتجاهات السلفية، على المطابقة التامة بين الزيدية والجارودية، فالزيدية – عندهم – ما هي إلا المشروع السلالي ذاته، والحركة الحوثية عبارة عن استيقاظ الوعي السلالي في سبيل استكمال المهمة التاريخية والأبدية. تقوم هذه الأطروحة على عزل التاريخ الاجتماعي والثقافي واليومي الذي تشكّل ويتشكل داخل الحواضن الزيدية أو على هوامشها على مدى عشرة قرون، واتخذ أشكالاً مختلفة، وترى فيه تاريخياً خارج التاريخ، تاريخ من القهر والهيمنة والاقصاء الكلي دون أن يكون هناك أدنى مستويات التفاعل والتمايز. ومثل هذه الثنائيات تحاول أن تُعطِل إحداهما الأخرى، وكلاهما يتعامل مع "الزيدية" بوصفها كائناً مكتملاً متجانساً بالإمكان تنقيته من الشوائب بسهولةٍ، أو تقطيعه وإقصاؤه بسهولةٍ أيضاً، وبوصفه كلاً.
حاول عزان في المقابلة أن يبلور تمييزاً فاصلاً بين المذهب والحركة الحوثية، بين الجينية السياسية للعقيدة (حصر الإمامة في البطنين) ونموذج "صمام الأمان" المُبرر لتكرار الجارودية. غير إن الإنجاز على أهميته النظرية، ومشروعيته الأخلاقية، سيظل إنجازاً خطابياً لا عملياً، لأن الجارودية ليست طوراً من أطوار حياة الزيدية، بل قد تبدو منطقها السياسي الأمتن. وليس عزان هو أول من حاول التمييز بين المذهب والحركة، فهناك عدد من الدراسات التي رأت بأن "معتقدات الحوثيين تمثّل قطيعة راديكالية مع التقليد الزيدي"، وبأن الملازم تجاوزت "الكتب الكلاسيكية الزيدية في السلطة السياسية والدينية"، وحاولت الحركة – بحسب هذه الدراسات التي تأثرت بأطروحة اوليفيه روا - أن تبتكر مساراً يقترب من الحركات الجهادية والثورية الإسلامية المعاصرة، فلذا فهي حركة مُعاصرة بامتياز. وإذا كان لمثل هذا الرأي بعض الوجاهة، لكنه قد لا يكون دقيقاً بما فيه الكفاية فيما يتعلق ببعض الحركات كالحركة الحوثية؛ فالراديكالية سمة تاريخية لا تنفصل، بل هي إحدى شروط الإمامة (مبدأ الخروج)، كما إن الاسم (الهاشمي) يعمل قبل كل شيء كـ"حقل سلطة" أكثر مما يكون "حقل إيمان"، والجينية السياسية هي ميثاقٌ حكم نخبة حاكمة سبق الحركة الحوثية بكثير. وبلغة أوضح، بات الاسم أداة لإعادة تموضع سياسي؛ نخبة تستحوذ على الاسم ثم تستثمره مع جغرافيات متعددة، من تمرّد صعدة إلى اختراق الدولة (الرواية الخطيرة التي ذكرها الدكتور عبد الغني الإرياني بأن الرئيس علي عبد الله صالح اجتمع في العام ٢٠١٢ بأعيان الزيدية وأشار عليهم الالتحاق بعبد الملك الحوثي باعتباره – صالح – أخر رئيس زيدي). على العموم، بعد ثورة ١٩٦٢، وإسقاط حكم الأئمة، لم تسقط النخبة، بقيت عائلات تتوارث الاسم وتوزعه على أتباعها، وأعلن أئمةٌ جدد في الستينات والسبعينات والثمانينات أنفسهم امتداداً للسلالة، بمعنى أن الاسم الذي نجا من سقوط الدولة ظل يُشرعِن للنخبة باستمرار.
قرر عزان أيضاً – استناداً إلى قرون من الرصد – أن خطاب الآخرين هو الذي يولِّد النسخة الجارودية الأكثر تطرفاً دون أن يتعني بإجهاد تأملاته في النسق الإمامي الكلي؛ فهي وفق وجه نظره تظهر فقط "عند الخصومة وتضمحّل عند الاستقرار"، وإن معادلة "كل زيدي حوثي" جعلت "صوت الجارودية هو الأعلى". وطبعاً هذه الأطروحة ليست بعيدة من حيث فكرتها العامة عن الصواب، بل هي أحد الثيمات الرئيسية التي اشتغلت عليها النظريات الاجتماعية والثقافية والسياسية في النصف قرن الأخيرة (من سارتر "الآخرون هم الجحيم"، وليس انتهاءً بأمين معلوف: " نميل في أغلب الأحيان لأن نتعرف على أنفسنا في انتماءاتنا الأكثر عرضة للخطر"). لكن الاستعانة بهذه الأطروحات الحداثية قد يكون في غاية الأهمية في سبيل كبح فواعل ومسببات الصراعات الهوياتية الضارية، إلا أنها تحتاج إلى تدقيق أكبر حول طبيعة السياق وتاريخه، وهل اشتغلت الخصومة في هذه الحالة كـ"عامل مولِّد" أم كـ"عامل مُسرِّع"؟ لقد تكررت النسخة الجارودية عبر قرون، وفي فتراتٍ لم يَعرِف "خطاب الآخر" وجوداً؛ العصر القاسمي (عصر الدولة لا عصر المقاومة) والدولة الهادوية (الجارودية كنظام حكم لا كتفاعل مع خصمٍ)، والدولة المتوكلية (بعد الاستقلال عن الدولة العثمانية). وقد مثّلت مأساة المطرفية على يد الإمام عبد الله بن حمزة باعتبارها خصومة زيدية داخلية ودفاعاً عن "أهل البيت" ضد من خالفوه، وليست بوصفها نتاجاً لخطاب خصومة. وعزان نفسه، وبدون أن يشعر، يُسلِّم بالمنطق العميق للتكرار، فقد وصف الجارودية بكونها "صمام أمان" الخصومة، وصمام الأمان لا يعمل إلا داخل بُنيةٍ مُعدّةٍ. وما يوفره خطاب الآخرين هو الجمهور (التمترس) لا المتون التي اُعِدت عبر قرون من نخبة تحكم حصريا بالاسم، وبحيث تتحول كل أزمة (طرد العثمانيين، سقوط الإمامة، الحروب، التحوّل بعد ٢٠١١) فرصة لهذه النخبة لإعادة شحن الاسم لانتزاع موقعها المُستحق بالحق الإلهي. وبغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف مع أطروحة أوليفييه روا ذائعة الصيت، التي ترى أن جميع الحركات الإسلامية الحديثة هي ظاهرة حداثية بامتياز، تبدو الحركة الحوثية، بوصفها جزءاً من سلسلة التمردات المتكررة في مرتفعات اليمن الأعلى، ظاهرةً بحاجة إلى مزيد من الدراسة والتعمق؛ فكل نسخة جديدة (الدولة القاسمية، الدولة الهادوية، الدولة المتوكلية، الحركة الحوثية اليوم) لها بالتأكيد شروطها وحيثياتها الزمنية المرافقة، لكن هذا التكرار الدؤوب هل يمكن تفسيره في كل مرة بأنه عبارة عن "ردّة فعل" أم هو "آلية تتجدد"؛ وهل نعتبر كل نسخة منها "جارودية جديدة" أم أن الجارودية تحاول أن تتكيف لتُعيد إنتاج نفسها بثوب عصرها؟ فالنخبة الحاكمة، لا الأقلية التي تنتظر ساعتها، هي مفتاح لغز هذا التكرار المستدام، بمعنى أن الجارودية هي النخبة التي تمتلك زمام اللحظة، ولهذا لا تضمحل ما دام الاسم (الماركة) أداة حكم. والمفهوم الذي يُفسِّر هذه الملكية هو مفهوم الزمن؛ ففي العقيدة الزيدية الإمام هو من "يظهر في الزمن المناسب" – اللحظة التي يجعل فيها ظهوره "حُكماً". لهذا تُصبح الخصومة، وفق هذا المنطق، ليست سبباً أو مبرراً للجارودية، بل مجرد مادة خام لها، النخبة لا تنتظر الخصومة، بل تصنع "اللحظة المنشودة" منها.
بدر الدين الحوثي وابناءه
بدر الدين الحوثي وابناءه
في المقابل، يأتي خطاب المعسكر المناوئ الذي يرى بأن الزيدية (المعروفة) في اليمن ليست كما تدّعي، وهي قائمة فعلاً على النسخة الجارودية وبدونها لن يكون لها معنى، وهي نفسها النسخة التي تقوم عليه الحركة الحوثية، وتستمد منها شرعيتها التاريخية وجذورها السياسية والفكرية، مضافاً إليه الارتباطات ومصادر التأثير المعاصرة، لدرجة يرى بعضهم بإن العلاقة مع إيران كانت أحد الممكنات لإعادة إحياء نموذج الإمامة التاريخي. وبالتالي فهذا التيار – كما عند الباحث زايد جابر وآخرون - يرى بأن الزيدية مشروع سلالي، ويستشهد بكلام للإمام عبد الله بن حمزة يقول فيه: "ليس في الأئمة بعد زيد بن علي إلا جارودي"، والحوثية أداة "عسكرته"، وينسب إلى هذا الموروث كل العنف والتعصب منذ إطلاق أول رصاصة في جبال صعدة.
قد يكون هذا الخطاب أولى كل تركزه على تاريخ النسخة الحاكمة، وأخذها مأخذ الجد، الجاردوية كنظام حكم، ووثيقة الحق الإلهي، أو كما يُشار إليها باللغة الشعبية الساخرة "حق جدّي"، ميثاقاً مُقدّساً أقدم من الحركة الحوثية. وإن حاول هذا الخطاب أن يَكسِر الرواية المريحة السائدة عن "الزيدية" بتسليط الضوء على المصلحة الحاكمة والكامنة خلف الاسم (الماركة)، إلا أنه يقع في فخٍ هوياتي خطير بإدانة الكل بالمطابقة، ويرى فيهم نسخة وحيدة متطرفة، وهذا الجمع يحجب التعدد الداخلي الذي ظهر على مدار التاريخ، فالمطرفية وبغض النظر عن مصيرها المأساوي كانت تطوراً داخلياً، بشكلٍ أو آخرٍ، فضلا عن تيارات أحدثت قطيعة واسعة مع الإرث الزيدي نفسه (ابن الوزير، الشوكاني، المقبلي). وبالعودة إلى ملف المطرفية باعتباره قضية جدلية كبيرة، لا يعني أن التنازع قام على أساس "سلالي"، ولو كانت الزيدية "مشروعاً سلالياً" بهذا الاكتمال والحدّة، لاحتاجت الإبادة التي قامت بها "يدٌ زيدية" إلى تفسير تعجز هذه الأطروحة عن تقديمه، فالمطرفية لم تكن منافساً سلالياً بل طائفة في فضاء الزيدية، ولا بد من التمييز بين الصراع على السلطة ومآلاته وبين فعل الإبادة، وهو فعلٌ نادرٌ ما يحدث داخل السلالات ذاتها، وباسم السلالة. ربما قد يُنظر له هنا بطريقةٍ مختلفةٍ، ففعل العنف ذاته – إبادة المخالف العقدي باسم أهل البيت – يؤشر على أن الاسم ذاته تحوّل إلى عقيدة احتكار (احتكار المُعتقد) لا مشروع سلطة فحسب.
والطريق إلى الحل بطبيعة الحال لن يكون لاهوتياً (بين التكفير والتبرئة)، ولا سياسياً بالمعنى البسيط (الإزالة أو التقبّل باسم التعايش)، بل ينبغي أن يكون عن طريق نضال قوي وجريءومتواصل ضد "ملكية الاسم" وتجريده من وظيفة الاستخلاص والاحتكار، ومن داخل المراكز الزيدية ذاتها. ضرورة فصل "النسب المُقدّس"؛ بما هو تراث مشترك لهوية تجعل من كل "زيدي" يملكه وبطريقةٍ تلقائيةٍ ولو دون حُكم، عن الحق الطبيعي في الحكم الذي يحدده العقد السياسي القائم على الرضا والكفاءة والمحاسبة. هناك من يرى بأن جوانب من هذا الفصل الذي ينبغي الاشتغال عليه قابعٌ بين دفات الأدبيات الزيدية ذاتها، خصوصاً فيما يتعلق بالمساعي نحو سحب بساط الشرعية الدينية من تحت أقدام عبد الملك الحوثي لكونه لا يُحقق "شروط الإمام" وفق المذهب، لكن الخوف أن مثل هذه المساع قد تجعل مشروعية الإمامة مفتوحة مصراعيها على الزمن، وتنتظر فارسها القادم في كل عصر. إذا تأملنا عميقاً في طبيعة التمردات التي حدثت على طول التاريخ، سنجد أن المراكز الزيدية كان لها دوراً كبيراً في عملية إنتاج وبروز آئمةٍ جددٍ في كل عصر، ولا أدري هل لو تم مأسسة المرجعيات الدينية كإنشاء مجلس زيدي عام فاعل، وتتحقق فيه شروط المرجعية الدينية، ويتبنى خطاباً معتدلاً وتنويراً ينتصر لفكرة المواطنة، يمكن أن يعمل أو يساعد على تجفيف البؤر التي تعمل كبنية تحتية في جسد الزيدية لإنتاج التمردات الدائمة، مع الإقرار بالصعوبة البالغة في تأطير مذهب كالمذهب الزيدي.
المراجع:
- Olivier Roy, The Failure of Political Islam, Harvard University Press, 1994