هل يريدوننا أن نموت بصمت؟
من لم يمت بالحرب، يموت جوعًا أو مرضًا.
لم تعد الحرب وحدها هي التي تقتل اليمنيين؛ فهناك موتٌ آخر يسير بيننا ببطء، لا يسمع له الرصاص صوتًا، ولا تلتقط له الكاميرات صورًا: موتٌ اسمه الجوع، والمرض، والعجز عن توفير أبسط متطلبات الحياة.
ارتفاعٌ جنوني في الأسعار؛ ما تشتريه بالأمس، تشتريه اليوم بزيادة عشرين أو خمسة وعشرين في المائة، وما كان في متناول اليد قبل عام، أصبح اليوم من النوادر. كل يوم يرتفع السعر، وكل يوم نزداد شدًّا على بطوننا؛ نحذف وجبة، ونقلل من أخرى، ومن لم يستطع... فعليه بالصوم وما أكثر الصائمين.
ولا ندري أيهما أقسى: أن تكون جائعًا، أم أن تضطر إلى الصمت عن جوعك؛ لأنك تخشى أن تطالب بحقك في راتبك، فيُقطع عنك حتى الفتات الذي يصل إليك.
والمفارقة الموجعة، أن الجوع نفسه أصبح تهمة؛ فمن يقول "أنا جائع" لا يجد من يسد جوعه، بل من يصطاد في عكر جوعه، ويُصنّف كلامه في خانة النفاق هنا، والخيانة هناك، وكأنه وجب محاسبته لأنه تجرأ وقال إنه جائع، بينما من أوصله إلى الجوع يُعتبر رمزًا وطنيًا لا يُمس.
حياتنا أصبحت كدًّا ونكدًا؛ جوعٌ في النهار، وآهاتٌ في الليل. الكهرباء تحولت إلى رفاهية، والدواء إلى أمنية، واللحم والدجاج والسمك إلى أشياء نراها في الصور أكثر مما نراها على موائدنا.
آهات... وآهات...
آهٍ من بطنٍ يصرخ ولا يجد من يسمعه.
وآهٍ من طفلٍ ينام وهو يحلم برغيف خبز.
وآهٍ من أمٍّ تضع الماء على النار لتوهم أطفالها أنها تطبخ، حتى يغلبهم النوم.
وآهٍ من أبٍ يعود آخر الليل بكيسٍ فارغ، ووجهٍ يملؤه الخجل، لأنه لم يستطع أن يحمل إلى بيته ما يسدّ جوع أطفاله.
هذه ليست حكايات عابرة، بل حياة يومية يعيشها كثير من اليمنيين، في بلدٍ أنهكته الحرب، وأثقلته الأزمات، وتراجعت فيه قيمة الإنسان أمام صراع المصالح والنفوذ.
لقد ضاعت رواتب، وارتفعت أسعار، وتراجعت القدرة على شراء الغذاء والدواء، بينما يُطلب من المواطن أن يتحمل المزيد، وأن يصبر أكثر، وكأن الصبر أصبح بديلًا عن الحقوق، وكأن الجوع قدرٌ لا يجوز السؤال عنه.
لكن إلى متى؟
إلى متى يبقى المواطن هو الحلقة الأضعف، يدفع ثمن الحرب، ويدفع ثمن الانقسام، ويدفع ثمن الفشل، ثم يُطلب منه أن يصفق لمن يتحدثون عن الانتصارات، بينما هو يبحث عن رغيف، أو دواء، أو راتب، أو ساعة كهرباء؟
أي انتصارٍ هذا الذي لا يشعر به المواطن في بيته؟
وأي إنجازٍ يمكن أن يسبق إنقاذ الإنسان من الجوع والمرض والخوف؟
الوطن ليس جبهة قتال فقط، وليس خريطةً وشعاراتٍ وخطبًا؛ الوطن هو الإنسان الذي يعيش فيه، وكرامته، وراتبه، وغذاؤه، ودواؤه، وأمنه، وقدرته على أن ينام دون أن يفكر: ماذا سأطعم أطفالي غدًا؟
إن استمرار هذه الحال يعني أن الحرب لا تنتهي بانتهاء الرصاص وحده؛ فقد تستمر آثارها في بطون الجائعين، وأجساد المرضى، وبيوت الفقراء، وأحلام الأطفال.
نحن لا نريد أن نموت بصمت؛ نريد أن نعيش بكرامة.
لا نريد صدقاتٍ تُسكِت جوعنا مؤقتًا، بل نريد حقوقًا تحفظ لنا إنسانيتنا.
لا نريد أن نكون وقودًا لصراعات الآخرين، ولا أرقامًا في بيانات الانتصار والهزيمة.
نريد وطنًا يستطيع فيه الأب أن يعود إلى بيته وفي يده ما يكفي أسرته، وتستطيع فيه الأم أن تطهو لأطفالها دون أن تتحول إلى ممثلةٍ أمامهم، ويستطيع فيه المريض أن يجد دواءه، والموظف أن يحصل على راتبه، والطفل أن يحلم بمستقبلٍ لا برغيف خبز.
فمن لم يمت بالحرب، لا ينبغي أن يُترك ليموت جوعًا أو مرضًا.
ولا ينبغي أن يصبح الصمت هو آخر ما تبقّى لنا من الحياة.
فلا نحن أحياء فنُحسب مع الأحياء، ولا نحن أموات فنستريح... نحن فقط أشباح جوعى تمشي على الأرض.



