جحيم الساعة الإضافية وضريبة الدم: متى ينتهي انتظار اليمنيين؟
حين يتابع اليمني أخبار الجبهات، لا يحتاج إلى كثير من الشرح ليدرك أن الحرب لم تنتهِ، وأن الصراع لم يتحول إلى مجرد ذكرى من الماضي. فالمواجهات المسلحة عادت إلى الواجهة، واتسعت رقعة التصعيد على أكثر من جبهة، فيما يدفع المدنيون مجدداً ثمن العنف والنزوح والخوف. وقد حذرت الأمم المتحدة في سبتمبر 2026 من مخاطر اتساع نطاق النزاع، مع اشتداد القتال في عدد من المحافظات اليمنية.
لكن خلف أخبار الجبهات والتحركات العسكرية، هناك سؤال لا يجد إجابة واضحة لدى ملايين اليمنيين: إلى متى سيستمر هذا الوضع؟ وإلى متى ستبقى الحرب دائرة في حلقة من الهجمات والرد عليها، والتقدم والتراجع، والخسائر والانتظار، من دون أن يتحول هذا الصراع إلى مسار واضح ينهي الانقسام ويعيد للدولة حضورها ومؤسساتها؟
بالنسبة إلى السياسيين، قد يبدو الزمن مساحة للمناورة وإعادة ترتيب الأوراق وانتظار الظروف المناسبة. أما بالنسبة إلى اليمني الذي يعيش في منطقة تسيطر عليها جماعة مسلحة، فالزمن شيء آخر تماماً. الساعة ليست رقماً في جدول سياسي، وإنما ساعة خوف، وساعة انتظار، وساعة حرمان، وساعة أخرى تمر من عمر طفل بعيد عن مدرسته، أو أسرة لا تعرف متى تعود إلى بيتها، أو موظف ينتظر راتباً لا يأتي.
ولهذا فإن استمرار المواجهة لا يعني بالضرورة أن المأساة متوقفة في مكانها. فكل يوم إضافي يترك أثراً جديداً في المجتمع. وكل شهر يمر في ظل اقتصاد منهك، وتعليم متعثر، وخدمات متراجعة، وقيود على الحريات، يضيف طبقة جديدة إلى أزمة سيجد اليمنيون أنفسهم مضطرين إلى معالجة آثارها لسنوات طويلة.
وفي مناطق سيطرة الحوثيين، لا يتعامل المدني مع الحرب باعتبارها خريطة عسكرية فقط. الحرب بالنسبة إليه تدخل في تفاصيل حياته اليومية. نقطة تفتيش قد تعني ساعات من الاستجواب أو الاحتجاز، وموقف سياسي قد يتحول إلى مصدر خوف وملاحقة، ومنشور على وسائل التواصل قد يضع صاحبه تحت المراقبة، والحديث عن الحقوق والحريات قد يصبح مخاطرة لا يستطيع الجميع تحمل تبعاتها.
ولا يتوقف أثر ذلك عند الشخص المستهدف. فالخوف ينتقل إلى أسرته، والتهديد يتحول إلى عبء على زوجته وأطفاله، والاحتجاز لا يسلب حرية الفرد وحده، وإنما يترك أسرة كاملة في مواجهة القلق والانتظار. وهكذا تصبح الحياة اليومية نفسها مساحة للحذر، ويتحول الصمت لدى كثيرين من خيار شخصي إلى وسيلة لحماية الذات والأسرة.
أما النزوح، فهو الوجه الآخر لهذه المعاناة. فعندما يفقد الناس الشعور بالأمان أو يصبح البقاء في منطقتهم محفوفاً بالمخاطر، قد لا يبقى أمام الأسرة سوى المغادرة. لكنها لا تغادر وحدها؛ تترك وراءها المنزل ومصدر الرزق ومدرسة الأطفال وشبكة العلاقات الاجتماعية، وتبدأ حياة جديدة في ظروف غالباً ما تكون أكثر هشاشة. ولهذا فإن النزوح لا يمثل مجرد انتقال جغرافي من مكان إلى آخر، بل بداية لسلسلة جديدة من الاحتياجات والمخاطر.
وفي مقدمة من يدفعون ثمن هذا الواقع يأتي الأطفال. فالطفل لا يختار الحرب، لكنه يكبر داخل نتائجها. وقد يفقد مدرسته، أو يضطر إلى ترك التعليم، أو يعيش في بيئة من الفقر والنزوح والخوف. ومع مرور السنوات، لا يعود الضرر متعلقاً بحاضر الطفل فقط، بل بفرصه المستقبلية أيضاً. فالانقطاع عن التعليم لا يعني خسارة عام دراسي فحسب، بل قد يضعف فرص الطفل في مواصلة تعليمه والوصول لاحقاً إلى فرص أفضل في العمل والحياة.
والاقتصاد ليس بعيداً عن هذه الدائرة. فالتاجر الذي يفقد قدرته على الاستمرار، والعامل الذي تتراجع فرص عمله، والموظف الذي ينتظر راتبه، والمزارع الذي تتقلص قدرته على الإنتاج، والأسرة التي تعجز عن توفير احتياجاتها الأساسية، جميعهم يدفعون جزءاً من فاتورة الصراع. ومع استمرار الأزمة، يصبح الفقر أكثر من نتيجة للحرب؛ إذ يتحول إلى عامل يزيد هشاشة المجتمع ويعمق آثار الأزمة ويجعل التعافي أكثر صعوبة.
وفي الوقت نفسه، تتقلص مساحة الحياة العامة. حين يخشى الصحفي من الكتابة، والمثقف من التعبير، والناشط من العمل، والمواطن من الحديث عن مشكلته، يخسر المجتمع جزءاً من قدرته على الدفاع عن حقوقه ومراقبة من يملكون السلطة. والأخطر أن الخوف يمكن أن يتحول مع الوقت إلى ثقافة عامة، وأن يصبح الصمت سلوكاً متوارثاً لدى أجيال لم تعرف من الحياة العامة إلا القيود.
لكن أمام هذا الواقع تبرز مسألة أكبر من مجرد استمرار المواجهات: ما الهدف النهائي منها؟
إن التصدي للهجمات وحماية المدنيين والمناطق الخاضعة لسلطة الحكومة مسؤولية قائمة، لكن من حق اليمنيين أن يسألوا عن الغاية النهائية من هذا المسار. هل يقتصر الأمر على منع التصعيد وإبقاء خطوط التماس على حالها؟ أم أن هناك تصوراً واضحاً لإنهاء واقع، واستعادة مؤسسات الدولة، وبناء دولة يحتكم فيها الجميع إلى القانون؟
هذا السؤال يصبح أكثر إلحاحاً كلما طال أمد الحرب. فالمواجهة التي لا تقود إلى نهاية واضحة قد تتحول إلى دورة مفتوحة من الاستنزاف: هجوم، ورد، وخسائر، ونزوح، ثم جولة أخرى. وفي هذه الدائرة لا يكون المدني مجرد متفرج، وإنما هو الطرف الذي يدفع الثمن في كل مرة. فكل يوم إضافي يعني مزيداً من الأعباء على التعليم والاقتصاد والخدمات والحياة العامة، ويجعل آثار الحرب أكثر عمقاً وأصعب على المعالجة.
ومن هنا، فإن الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى الحكومة اليمنية والقيادة السياسية وشركائها الإقليميين والدوليين ليست دعوة إلى حرب بلا حساب، ولا تجاهلاً لكلفة العمليات العسكرية على المدنيين. إنها مطالبة بأن يكون إنهاء الصراع واستعادة الدولة وحماية اليمنيين جزءاً من غاية واضحة لأي مسار سياسي وأمني، وألا تتحول إدارة الصراع إلى بديل دائم عن إنهائه.
فاليمنيون في مناطق سيطرة الحوثيين لا يريدون أن يعيشوا إلى أجل غير مسمى بين الخوف والانتظار. يريدون دولة تحميهم، وقانوناً يضمن حقوقهم، ومؤسسات عامة تقوم بوظائفها، ومستقبلاً يرتبط بالتعليم والعمل والفرص، لا بالانقسامات المسلحة والسياسية. ولذلك لم يعد السؤال بالنسبة إليهم مقتصراً على موعد توقف المواجهات، بل أصبح مرتبطاً بما سيأتي بعدها: هل ستقود نهاية القتال إلى واقع مختلف، أم إلى دورة جديدة من الانتظار؟
وبالنسبة إلى من يعيش تحت الخوف، قد تكون الساعة وقتاً كافياً لتغيير حياة كاملة: احتجاز إنسان، أو نزوح أسرة، أو توقف طفل عن التعليم، أو فقدان مصدر رزق. ولهذا فإن الزمن في اليمن ليس محايداً؛ فكل ساعة إضافية من الأزمة تضيف كلفة جديدة إلى حياة الناس، وتخصم من أعمار جيل كامل اضطر إلى أن يكبر في بيئة من الخوف والانقسام والحرمان.
وفي نهاية المطاف، ليست القضية كم ساعة يستطيع اليمنيون أن ينتظروا، وإنما كم ساعة أخرى يستطيع الوطن أن يخسر من حياة أبنائه قبل أن يصبح ثمن الانتظار أثقل من أن يُحتمل.
فكل ساعة إضافية لا تقرّب اليمن من نهاية الحرب واستعادة مؤسسات الدولة وحياة آمنة ومستقرة، هي ساعة أخرى تُخصم من عمر وطن كامل.
ولهذا يبقى السؤال الذي لم يعد يحتمل التأجيل:
متى ينتهي انتظار اليمنيين؟



