الثلاثاء 29 سبتمبر 2026

ظلال باهتة لأشخاص كنّاهم يوماً

هذه المرة لن أكتب مقالاً، ولن أشغلكم بحكاياتي، لكني سأسرد عليكم بعضاً من الفقدانات ولحظات التيه التي يعيشها اليمنيون خلال العقد الأخير من الصراع الذي يبدو أن عقداً جديداً منه سيستمر. أبطال هذا السرد يمنيون انتزعت منهم سنوات الحرب الكثير من الأشياء الكامنة في النفس والروح. بعضهم لا يزال مذهولاً غير مصدّق للكارثة التي حلّت به فجأة، ومنهم من ظنّ أن ذلك ما هو إلا كابوس سيُفيق منه ليغسل وجهه صباحاً ليعيش يومه وأحلامه وطموحاته من جديد... سأترككم مع حكاياتهم، فلكل واحد منهم طريقته الخاصة في أن يُسلب منه شيء لا يُعوَّض.

كنتُ صحفياً وكاتباً ورئيساً لصحيفة أهلية مستقلة، أفنيت سنوات من عمري لأجعل منها منبراً للناس جميعاً بعيداً عن الاستقطاب والانحياز. لكن الصراع اقتلع مني مهنتي ومصدر دخلي، وبدّد كثيراً من الأصدقاء والأهل بعدما زرع بيننا المسافات والتيه. أما أقسى ما تركني عارياً منه، فلم يكن مكتبي الخالي ولا الأصدقاء الغائبين، وإنما تلك الصورة الطيبة الآمنة التي كنت أحملها عن أناس أحاطوني يوماً بالتشجيع والرعاية، وأخبروني أنني أعبّر عن صوتهم وأحلامهم. صعد كثير منهم إلى مواقع النفوذ والقرار، وهبطتُ أنا إلى مجرد ذكرى بعيدة لا تستحق سؤالاً عابراً عن الحال. عندها أدركت أن أعمق ما انتُزع مني لم يكن في خزائني، بل كان في إيماني بالناس أنفسهم؛ ولا فقدان أوجع من أن تكتشف أن الثقة كانت وهماً جميلاً.
أما أنا فقد كنت موظفاً في عدد من المنظمات الدولية، وفي لحظة دهشة تبخّرت أجمل سنوات العطاء التي كان يُفترض أن أهبها لوطني بعد عمر من الكفاح وبناء الاسم والمكانة والتأثير. تهت في دروب الشتات والغياب، وانتُزعت من وجداني باقة الأحلام التي خبأتها طويلاً لوطن حر، أحلام سقيتها بسنوات من المثابرة والسهر والخوف والسجن. وكما تبدّدت أحلامي، تبدّد حق أطفالي في أن يكبروا بين أهلهم وذكرياتهم الأولى، فاتّسعت المسافة بين مكان ميلادهم ومكان استقرارهم حتى بدا الوطن نفسه غريباً عنهم. بقيت أترقب ليالي الصواريخ وارتجاف المدينة على وقعها، وأتساءل في كل مرة إن كانت الرسالة التالية التي ستصل إلى هاتفي ستحمل نبأ وفاة صديق، أم خبر وفاتي أنا.
وإن كان بعضنا خسر وطناً من بعيد، فثمة من خسر أمانه وهو لا يزال بين ظهرانَي أهله. "عملت طويلاً في المجال الحقوقي والإنساني، وفجأة تسرّب مني شعور الأمان الذي كنت أعيشه، وتهاوى المستقبل الذي كنت أبنيه في اليمن حلماً فوق حلم. حتى وجوه عائلتي التي لم أرها منذ اثني عشر عاماً محَتها الغربة من ذاكرتي، فصار الحنين لهم وجعاً يومياً لا يهدأ، وأضحت الذكريات بديلاً باهتاً عن العناق واللقاء. تحوّل القلق إلى رفيق دائم، والانتظار إلى أسلوب حياة. أما أفدح ما نهبه الصراع فليس البيوت ولا الأموال، وإنما ذلك الجزء المضيء من الروح الذي كان يؤمن أن الغد قريب، وأن الوطن الذي حلمنا به وكافحنا لأجله ينتظرنا عند نهاية الطريق".
ومثلما يُسلب الأمان، تُسلب الكرامة أيضاً بصمت. "كتبت الشعر والنثر والأدب، وإذا بي أعيش حياة لا تليق بآدميتي. تلاشى فرحي البسيط وأنا أرى عملي ودوري ومكاني في المجتمع يُنزع مني قسراً، وتحوّلت من شاعر يطارد الكلمات إلى رجل يطارد احتياجات يومه بصعوبة، مثقلاً بالعجز والخذلان، مبعثر الأفكار والمعرفة والإبداع. شاهدت الثقة والطمأنينة تتآكلان بين الناس حتى صار كل شيء هشاً ومؤقتاً، ووجدت نفسي عاجزاً أمام أحلام أطفالي الصغيرة: لعبة يطلبونها، رحلة إلى حديقة، أو مقعد دراسي لا أستطيع توفيره لهم. الصراع لم يكتفِ بأعمارنا وأحلامنا، بل امتدّ إلى ما هو أعمق وأخطر: إنسانيتنا نفسها. تحوّلنا تدريجياً إلى ظلال باهتة لأشخاص كنّاهم يوماً، نعيش على هامش الحياة بينما يواصل تجار الحروب بناء أمجادهم فوق أنقاض أرواحنا".
وفي الطرف الآخر من هذا الألم، كان هناك من لم يكن يملك الكثير أصلاً حتى يخسر الكثير. "كنت بسيطاً، أخرج كل صباح أدفع عربتي في الشوارع بحثاً عن قوت يومي، وأعود آخر النهار بما يكفي لأطعم أطفالي وأنام مطمئناً بأن الغد سيكون شبيهاً بالأمس. أما الآن فقد تسرّبت مني هذه الطمأنينة البسيطة، وصار الرزق أصعب، والناس أفقر، والطرق التي كنت أعرفها امتلأت بالخوف والحواجز والوجوه الغريبة. عجزت عن أن أعد أطفالي بشيء، حتى خجلت أحياناً من فراغ يدي، ومن أنني غريب في حياتي نفسها، أركض كل يوم خلف لقمة العيش، بلا أفق يلوح لأولادي كما كنت أتمنى".
هذه ليست ست حكايات منفصلة، بل حكاية واحدة تتكرر بوجوه مختلفة: وجه الصحفي، والمغترب، والحقوقي، والشاعر، وبائع العربة. كلهم فقدوا أشياء مختلفة، لكنهم خسروا الشيء نفسه في النهاية: الإيمان بأن الغد سيكون أرحم من اليوم. ومع ذلك، فبين ركام هذا الفقد كله، ما زال بعضهم يخرج كل صباح، يدفع عربته، يكتب مقاله، يترقب رسالة هاتفه؛ ليس لأن الأمل عاد إليهم، بل لأنهم – ببساطة – لم يجدوا طريقة أخرى ليبقوا بشراً.
ربما يكون هذا في زمن الحرب، أعظم صور المقاومة التي بقيت لنا: أن نستمر رغم كل شيء، حتى لو لم ننتصر لأ

على الفقد، لكننا تعلّمنا أن نحمله ونمشي... انه فعل مقاومة لا يرى .