الإثنين 28 سبتمبر 2026
  • الرئيسية
  • عبدالناصر.. زعامة تجاور الأجيال و تتمدد في أطناب التاريخ..!

عبدالناصر.. زعامة تجاور الأجيال و تتمدد في أطناب التاريخ..!

عبدالناصر.. زعامة تجاور الأجيال و تتمدد في أطناب التاريخ..!

أكتب هذه المقالة بمناسبة الذكرى الـ 56 لرحيل الزعيم الخالد جمال عبدالناصر - 28 سبتمبر 1970 - لا لنبش الرماد ولا للاستغراق في حنين عاطفي لماضٍ تولّى، بل لاستدعاء البوصلة في أشد لحظات الأمة تيهاً وانكساراً.
تمر هذه الذكرى الخالدة والشعوب العربية تتجرع مرارة الخنوع الرسمي، بينما تتجلى شخصية ناصر كفكرة عصية على الموت؛ فكرة تقول إن هذه الأمة قادرة على امتلاك إرادتها، وأن التبعية ليست قدراً محتوماً، وأن الكرامة ليست سلعاً تُباع وتُشترى في أسواق الاستكبار.

جنازة جمال عبدالناصر
جنازة جمال عبدالناصر
•••
في زمن التزييف المعلّب، وحين تغدو الحقيقة جثة يُعاد تشريحها بأقلام المأجورين ومنابر التضليل، تُمارَس على ذاكرة هذه الأمة أبشع عملية تجريف تاريخي عرفتها البشرية على الإطلاق..!
إنهم لا يخشون رجلاً وسّده التراب قبل ستة وخمسين عاماً، بل يرهبون الفكرة الفذة التي تجسدت فيه، والرعب المقيم في صدورهم هو أن تتفتح عيون الأجيال اللاحقة على حقيقة ذلك الشامخ الذي جعل من الفلاح الأجير سيداً في أرضه، ومن الأمة المقتادة بنير الاستكانة عواصفاً هادرةً تصنع مجدها بيديها وتكتب مصيرها بدمائها العفية..!
لهذا السبب تحديداً، لا تريد ــ بعض الأنظمة العربية، ودواليبها أو ترساناتها الإعلامية التي كان ناصر يصفها بـ "الرجعية" ــ لا تريد الأجيال أن تعرف عن شخصية جمال عبدالناصر إلا ما تسوقه عبر شاشاتهم المصنوعة في أروقة الاستكبار ودوائر الاستخبارات الأجنبية، صوراً باهتة محشوة بالانكسار والتشويه والافتراء، كي لا يتكرر الحلم، وكي لا تجرؤ يد عربية أخرى على رفع ألوية الحرية والكرامة والسيادة، وكي يظل العربي مسكوناً بهزيمته النفسية قبل الهزائم الثقافية العسكرية والحضارية..!
بيد أن التاريخ الحقيقي لا يُكتب بأحبار الخونة ولا برعايات السفارات، بل بدماء الشهداء، وعرق البناة في الحقول والمصانع، وصوت عبد الناصر الذي ما زال يتردد صداه عبر العقود والدهور ليشق حجب الصمت ويقض مضاجع العروش الواهنة..!
أمام الذكرى السادسة والخمسين أدعو القارئ العربي أن يقف معي لنكنس سويا غبار الزيف، ولنقراء ما ران تحت ذاك الغبار بعضاً من أسفار سيرة جمال الخالدة التي أرادوا محوها، لنرى كيف أحال أبو خالد الأحلام العذراء إلى بواسل من الذهب ونار من الثورة، وكيف أزاح عن صدر أوطاننا كوابيس القرون المظلمة..!
•••

أولاً : الإنجازات الوطنية والعدالة الاجتماعية

1 _ إن إنجازاته السياسية والوطنية لم تكن مجرد قرارات إدارية، بل كانت صاعقة حطمت قيود التبعية وأعادت صياغة الكرامة المصرية والعربية.
إذ أسقط النظام الملكي الإقطاعي الذي حكم لما يقارب من 200 سنة وخلعه من جذوره الغائرة في الفساد، ليمحو زمن الاستعباد والتبعية ويقيم على أطرافه صرح الجمهورية الفتية التي جعلت الإرادة الشعبية هي مصباح الحكم وسلطته الأحدية.
2 _ أنهى الاحتلال الإنجليزي للبلاد والذي امتد 74 عاماً عجافاً، فلم يكن جلاء المستعمر مجرد انسحاب بروتوكولي لجنود غزاة، بل كان انكساراً تاريخياً لقيد طالما خنق أنفاس النيل الشريف.
فهل عرف التاريخ الحديث قائداً أحال أوهام المستعمرين العتيقة إلى سراب..؟
أم هل رأيت مجداً يضاهي كسر قيد الاستعمار الذي رهن الأمة لعقود متطاولة..؟!
3 _ أمم قناة السويس ورجع ملكيتها الكاملة لمصر بعدما كانت دولة غاصبة داخل الدولة، في لحظة فارقة من التاريخ الإنساني انبعث فيها الصوت الناصري ليشق فضاءات الشرق والعالم، ليعيد للماء العربي مجراه، وينزع الممر التاريخي الشرياني للتجارة العالمية من أنياب الشركات الاحتكارية العابرة للبحار، ليعود الدم الزاكي إلى عروق الجغرافيا المغتصبة ويغذي الخزانة الوطنية بدم الاستقلال والسيادة الناتجة عن عرق الجباه.
تأميم قناة السويس
تأميم قناة السويس
4 _ قضى على سيطرة الأجانب والنفوذ الرأسمالي المعولم على الاقتصاد المصري، محولاً شريان الحياة الاقتصادي من أيدي المرابين والبنوك الأجنبية الغاصبة إلى أفئدة وأيدي أبناء الوطن الجياع للكرامة والحرية والعيش الكريم.
5 _ قضى على الطبقة العميلة للاستعمار التي كانت تسيطر على مقدرات اقتصادية وسياسية واجتماعية، بكل مميزاتها وإمكانياتها ورتبها الطبقية الموروثة من بكوات وباشوات وأمراء الإقطاع، ليذوب الشمع الزائف الذي طالما اعتلى الرؤوس، وتنكشف عورة الإقطاع أمام شمس العدالة الاجتماعية الساطعة في مصر.
6 _ أعاد بناء الهندسة الاجتماعية للمجتمع المصري وفكك التحالف الطبقي بين الرأسمالية المستغلة والإقطاع، وبنى الطبقة الوسطى التي تشكل عماد الاستقرار والتنمية، ودعم الفقراء وحقق لهم أقصى درجات ممكنة؛ إذ أعطى للفلاح الذي كان ظهره قد تقوس منحنياً لقرون حق امتلاك الأرض عبر قوانين الإصلاح الزراعي، ليتنفس طين مصر من جديد عبق الحرية مع كل حبة قمح تشرق في أفق الوطن وتروي أرض المحروسة.
7 _ أقر حقوقاً أصيلة ورصينة للفقراء في التعليم والعمل والتأمينات والعلاج الشامل، فأصبحت مدرجات الجامعات تزينها جباه أبناء العمال والمزارعين بعد أن كانت حكراً مطلقاً على النخبة المستعلية؛ فبينما كان أكثر من سبعين بالمائة من الشعب المصري يسير حافي القدمين في الأزقة والقرى، ولا يعرف من العالم ما بعد مركز قريته، إذا به بعد ثورة يوليو المجيدة يخرج إلى ما هو أبعد من معرفته بالقاهرة والإسكندرية، فيتأثر ويؤثر في مجرى الحضارة المعاصرة بأكثر مجالاتها العلمية والثقافية والاقتصادية والطبية.
•••

ثانياً : البناء الاقتصادي والصناعي الشامخ

1 _ إن الإنجازات الاقتصادية التي سطرها جمال عبدالناصر لم تكن مجرد خطط تنموية أو تدابير مالية عابرة، بل كانت زلزالاً هدم عروش الظلم وأعاد كتابة تاريخ الإنتاج القومي، مقتلعاً جذور التبعية للأسواق الأجنبية ومُحدِثاً تغيرات إيجابية وشاملة ما زالت آثارها ممتدة وشاهدة حتى يومنا هذا.
2 _ بلغت المصانع في عهده نحو 1000 مصنع عملاق، وشيد مجمع الحديد والصلب بحلوان كأكبر مصنع في الشرق الأوسط وقارة أفريقيا حينها، ومصانع "السيماف" لسكك الحديد، ورسخ القواعد الأولى لمجمع ألومنيوم نجع حمادي، حيث امتزج صهيل الحديد مع صدى الأناشيد الوطنية والتنمية الشاملة، لتتحول مصر من مجرد مزرعة قطن خلفية للغزاة ومصانع مانشستر إلى قلعة صناعية مستقلة يشار إليها بالبنان.
3 _ أسس شركة "النصر للسيارات" كرمز للتصنيع الثقيل، ومصانع الأجهزة المنزلية كـ "إديال"، وشركات الأغذية الوطنية كـ "قها" و"إدفينا"، وأنأنشأ مجمعات الكيماويات والسماد كشركة "كيما" بأسوان، وطوّر مصانع الغزل والنسيج بالمحلة الكبرى والفرما، محققاً طفرة نادرة ومتفوقة في معدلات النمو الاقتصادي بشهادة المؤسسات الدولية في الخطة الخمسية الأولى (1960 - 1965).
4 _ تحدى الحصار الغربي والاستعمار الاستكباري وبنى السد العالي وعدداً من السدود الملحقية، فوقى مصر شر الفيضان وشر الجفاف القاتل وولّد الطاقة الكهربائية الهائلة التي أنارت ظلمة الريف المصري لأول مرة في التاريخ.
لحظة وضع حجر الأساس لبناء السد العالي
لحظة وضع حجر الأساس لبناء السد العالي
كان السد العالي ـ كما وصفه الروائي المصري العظيم صنع الله أبراهيم في روايته " زهرة أغسطس" التي خصصها عن السد العالي ـ قصيدة من الجرانيت والتحدي صيغت في وجه البنك الدولي والقوى العظمى، ملحمة هندسية وإرادية أوقفت طغيان النهر وشيدت ناطحات السحاب المائية لتنير ظلمة القرى الصابرة.
صنع الله إبراهيم
صنع الله إبراهيم
فمن ذا الذي يطال هامته في إرادة التحدي والإنجاز..؟
وما أعظم أن تنهض الأمة بفضل عزيمة رجل لا يلين ولا يداهن..!
•••

ثالثاً : النهضة التعليمية والأكاديمية الفذة

1 _ أقر مجانية التعليم الشاملة والكاملة في كافة المراحل التعليمية بما فيها التعليم الجامعي والدراسات العليا، فتحول العلم من حكر على القادرين وذوي النفوذ إلى حق مقدس كالمقومات الفطرية كالماد والماء والهواء، يرفع مكانة أبناء الفلاحين والعمال ويصنع قدراتهم المتكافئة.
2 _ أحدث طفرة غير مسبوقة بإنشاء Mالمدارس بمعدل مدرسة جديدة يومياً، ليمحو ظلمات الأمية الموروثة عن الاستعمار وينشر ضياء المعرفة في أقصى القرى والأقاليم والمراكز النائية.
3 _ أنشأ جامعة أسيوط عام 1957 كأول منارة علمية وأكاديمية في صعيد مصر، وأسس جامعة القاهرة فرع الخرطوم لتعزيز الروابط القومية والإستراتيجية مع الشعب السوداني الشقيق، وتعميق الامتداد الإفريقي لعلوم الضاد.
4 _ أصدر قانون تطوير الأزهر الشريف عام 1961، محولاً إياه من مجرد معهد ديني إلى جامعة حديثة شامخة تضم كليات الطب والهندسة والزراعة والتجارة والعلوم، إلى جانب العلوم الشرعية واللغوية، وفتح أبواب التعليم الأزهري العالي للفتيات لأول مرة.
5 _ زرع النواة الأولى للجامعات الإقليمية الكبرى بكليات الطب والعلوم والهندسة في المنصورة وطانطا والزقازيق والمنوفية، والتي أضحت اليوم صروحاً أكاديمية وتطويرية قائمة بذاتها ترفد الوطن بالأفذاذ.
6 _ أسس الكليات المتخصصة والنادرة ككلية الاقتصاد والعلوم السياسية، وكلية الألسن، والتوسع في المعاهد الصناعية والتطبيقية لتخريج الفنيين المهنيين لدعم نهضة التصنيع الوطني.
جامعة القاهرة
جامعة القاهرة
وكل الجامعات المصرية التي انتشرت في جميع محافظات مصر في السبعينيات والثمانينيات كانت قد تأسست أنويتها في عهد ناصر ككليات فتطورت إلى جامعات بعد رحيله.
7 _ أقر سياسة التعيين الحكومي المباشر لكافة الخريجين الجامعيين والمعاهد، مما ضمن التكافؤ الحقيقي للفرص والحراك الاجتماعي التصاعدي السريع لكافة أبناء الشعب دون تمييز طبقي.
فمن ذا الذي أتاح نبع العلم للجميع دون تمييز مثل هذا القائد الخالد..؟
وما أعظم أن تتزين جبهة الوطن بعلم أبنائه الكادحين..!
•••

رابعاً : الإنجازات الثقافية والفنية الخالدة

1 _ أسس أول وزارة مستقلة للثقافة والإرشاد القومي بقيادة المفكر الفذ ثروت عكاشة، لترسم خريطة البنية التحتية للوعي والفكر والفن العربي الأصيل.
ثروت عكاشة
ثروت عكاشة
2 _ أنشأ أكاديمية الفنون عام 1959 والتي ضمت معاهد السينما، والكونسرفتوار، والباليه، والمسرح، والموسيقى العربية، لتغدو القاهرة كعبة الفنون الجميلة والإنتاج الإنساني في الشرق الأوسط برمتها.
3 _ أطلق إذاعة "صوت العرب" لتكون المنبر الإعلامي والثقافي الأول لتحرير الشعوب الثائرة في إفريقيا وآسيا، وأسس "إذاعة القرآن الكريم" عام 1964 لتوثيق وتلاوة المصحف المرتل وتسجيله بأصوات كبار القراء وحمايته من التحريف.
4 _ أطلق مشروع "ألف كتاب" لترجمة أمهات الكتب الفكرية والعلمية العالمية، وأنشأ قصور الثقافة في كافة المحافظات والقرى لتقديم المسرح والفكر والسينما لكل مواطن محتشد بالوعي.
5 _ أمم وأسس المؤسسة المصرية العامة للسينما، فرعت الدولة روائع السينما الكلاسيكية الوطنية، وازدهر المسرح القومي بكاتبات وكتاب عظام أثروا الفكر العربي وأعادوا صياغة الوعي التحرري.
6 _ دعم الأغنية الوطنية والقومية التي أذكت روح النضال والكرامة بصوت كوكب الشرق أم كلثوم، وعبد الحليم حافظ، وموسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب، وفريد الأطرش، كمال الطويل، ورياض السنباطي، وبليغ حمدي، وعادل حمودة، وفايدة كامل، ومحمد قنديل، وكارم محمود، ونجاح سلام، والشاعر أحمد شفيق كامل،وصالح جودت، وصلاح جاهين،محمد كمال بدر، وعشرات غيرهم من المبدعين ممن تجاوزت ابداعاتهم شعرا وتلحينا، وغناء حدود التعبير عن مصر وتطلعانها إلى حمل هموم التطلعات العربية في الجزائر واليمن بشطريه حينها، وتونس وسوريا وليبيا ولبنان وفلسطين، وحتى لدول الخليج.
أم كلثوم
كلثوم
7 _ قاد الملحمة الدولية بالتعاون مع اليونسكو لإنقاذ معابد النوبة وأبو سمبل من الغرق أثناء تشييد السد العالي، مخلداً الآثار المصرية الشامخة وشاهداً على احترام ثورة يوليو للتاريخ الحضاري.
أفلا يحق للقاهرة أن تكون قلعة الفكر والثقافة ومنارة الأحرار..؟
يا لها من حقبة ذهبية يتوهج أثرها في ذاكرة الدهر..!
•••

خامساً : الثورة الصحية والرعاية الاجتماعية

1 _ أطلق مشروع إنشاء الوحدات الصحية والمجموعات المجمعة في أرياف مصر وقراها، مقدماً الرعاية الطبية والعلاجية مجاناً للفلاحين والمحرومين والمستضعفين.
2 _ سن قانون التكليف الإجباري للأطباء وهيئات التمريض بالخدمة المباشرة في القرى والمناطق النائية فور تخرجهم، محققاً التغطية الصحية الشاملة وأنسنة المهن الطبية.
3 _ تأسيس الهيئة العامة للتأمين الصحي عام 1964 كأول نظام تأمين اجتماعي وشامل يحمي الموظفين والعمال وعائلاتهم من نوائب المرض والعجز.
الهيئة العامة لتأمين الصحي
الهيئة العامة لتأمين الصحي
4 _ شيد المستشفيات العامة والمركزية والمستشفيات التعليمية والتخصصية كالمؤسسة العلاجية ومستشفيات الحميات والصدر لمكافحة أمراض الدرن والمتوطنة.
5 _ أمم وأسس قطاع الدواء الوطني بإنشاء المؤسسة المصرية العامة للأدوية وشركات "سيد"، و"مصر"، و"النصر للكيماويات الدوائية"، و"النيل"، لمنع ارتهان العلاج للشركات الاحتكارية.
6 _ رفَع نسبة الاكتفاء الذاتي من الأدوية المصنعة محلياً من 15% إلى نحو 80% مع تسعيرها بأسعار رمزية حماية للطبقات الفقيرة والكادحة.
7 _ أنشأ معاهد أبحاث البلهارسيا والملاريا وأطلق حملات التطعيم الإجباري الشامل للأطفال، مما خفض معدلات الوفيات وأسس لبنية صحية ورعائية صلبة.
فهل رأيت رعاية جعلت من صحة المواطن حقاً مقدسياً يكفله الوطن بدلاً من كونه تجارة..؟
إنها العدالة الاجتماعية حين تتحول إلى بلسم يضمد جراح المحتاجين..!
•••

سادساً : الحراك الإقليمي والدولي وتحرير الشعوب

1 _ لم يقتصر نطاق حراكه الفكري والسياسي على حدود مصر الجغرافية، بل جاوزها ليصنع فارقاً تاريخياً على المستوى الإقليمي والدولي؛ فقد قاد حركة تحرير أفريقيا والعالم الثالث من ربقة الاستعمار التقليدي، وكانت القاهرة تحت قيادته قبس النور ومقراً لكثير من حركات التحرر التي تدعمها مصر عسكرياً وسياسياً وإعلامياً، حتى صار صوته ملجأ لكل من ثار على الظلم والعبودية من أدغال إفريقيا إلى سهول آسيا.
2 _ دعم الثوار بالمال والسلاح والإعلام في الجزائر، واليمن بشطريه، وليبيا، وفلسطين، والثورات الناهضة في إفريقيا وآسيا ودول العالم الثالث.
ساهم بذخيرته ودم أبناء جيشه وفكره في نصرة ثورة المليون ونصف المليون شهيد بالجزائر، وسكب نور الحرية في ربوع اليمن وفلسطين المحتلة، ودعم حركات التحرر في أفريفيا وآسيا واميركا اللاتينية، إلى حد أنه كان ملهما لكثير من ثورات تحررية كبرى كثورة الكونغو الديمقراطية وغيرها في افريفيا، كما أكدت مذكرات وشهادات من زعماء عالميين كأرنست تشي جيفارا، وفيدل كاستروا، والفنزويلي تشافيز، وغيرهم مما لا يتسع المقال هذا لذكرهم.
عبدالناصر وياسر عرفات
عبدالناصر وياسر عرفات
3 _ ساهم بشكل مباشر في تراجع واضمحلال الإمبراطوريتين الفرنسية والبريطانية بعد حرب 1956 وبعد تحرر الكثير من الدول على يديه؛ حيث حطم غرور السويس وأعاد تلك الإمبراطوريات التي كانت لا تغيب عنها الشمس إلى حجمها الطبيعي، متراجعة أمام إرادة الشعوب الحرة.
4 _ أسقط النظام الإمامي اليمني الممتد لمئات السنوات من الظلم والكهنوت والجهل، ودعم ثورة 26 سبتمبر و14 أكتوبر، وسيطر على مضيق باب المندب وحوله لجمهورية عربية تعمل لصالح الملاحة العربية والأمن القومي، فكانت خطوته نحو اليمن والجنوب العربي صياغة جديدة لجغرافيا البحر الأحمر، محولاً المياه الدافئة إلى درع عربي حامٍ لكتلة الأمة الإستراتيجية.
جمال عبدالناصر اثناء زيارة تعز
جمال عبدالناصر اثناء زيارة تعز
5 _ أسس مع جواهر لال نهرو وجوزيف تيتو وأحمد سوكارنو حركة عدم الانحياز التي كانت رمانة ميزان العالم بين المعسكرين الشرقي والغربي، رافضاً الارتهان للأحلاف الأجنبية، ومبتكراً خيار القوة الثالثة التي تجبر الكبار على احترام كرامة الشعوب الناهضة.
6 _ غير قواعد التسلح في الشرق الأوسط باتفاقية الأسلحة التشيكية عام 1955، كاسراً الاحتكار الغربي والسلاح المشروط، ومطلاً بالأمة على آفاق التكافؤ العسكري والاستقلال السياسي.
7 _ أسقط حلف بغداد عام 1958، مجهضاً أوهام المحاور المشبوهة التي أرادت ارتهان المنطقة العربية لربقة المستعمر القديم.
8 _ منع الغزو التركي لسوريا عام 1957 والعراقي للكويت عام 1961، جاداً الخطوط الحمراء لحماية الأمن القومي العربي من أي تغول إقليمي أو شقيق أضلته الأطماع والتجاوزات.
•••

سابعاً : الصمود في وجه التحديات والخلود التاريخي

1 _ قاوم الحصار الأمريكي الاقتصادي الشديد ولم يرضح لشروط البنك الدولي التعسفية، متصدياً لسياط التجويع والابتزاز المالي، مفضلاً كرامة الرغيف المستقل على ذل الارتهان للخارج، كما دعم الثوار الأحرار في كل أصقاع الأرض.
2 _ عندما ألمت بالأمة النكبة وواجهت المحنة القاسية، رفض الاستسلام والركوع عام 1967، وأعاد بناء الجيش المصري من الصفر على أسس علمية وميدانية، وخاض حرب الاستنزاف المجيدة وخطط لحرب تحرير شاملة.
لم تكن النكسة عنده نهاية المطاف، بل كانت وقوداً لإعادة بناء الإنسان والمقاتل العربي، فتحولت الرمال المنكسرة إلى جبهة يثور منها جحيم الاستنزاف على ضفاف القناة، ووضع البذرة الحقيقية والنواة الصلبة لنصر أكتوبر العظيم الذي خطط كل تفاصيله، وبنى حائط الصواريخ قبل أن يرحل.
أفلا يحق للشعوب أن تتغنى باسمه دهوراً..؟
يا لها من سيرة مضيئة لا تطالها مدالهمات الأيام ولا محاولات الإلغاء..!
3 _ إن المحاولات الخبيثة والمحمومة التي تُبذل اليوم عبر المنصات والمؤسسات الممولة لغسيل الأدمغة وتزوير شواهد التاريخ وتشويه إرث هذا الرجل العظيم لن تزيد شرفاء هذه الأمة إلا تمسكاً بذكراه؛ فهم لا يستهدفون شخصه بقدر ما يرومون تجريف وعي الأجيال، وتجريد الشعوب من خيار المقاومة، كي يتقبل الجيل الجديد الهزيمة والتطبيع والتبعية كأنها قدر محتوم، وكي ينسى كيف بنينا الصناعة الوطنية وكيف كانت القاهرة كعبة للأحرار.
4 _ لكن هيهات أن يفلح زيفهم أمام نور الحق الجلي، فكل حجر في السد العالي، وكل مصنع للحديد والصلب، وكل أرض تمشي عليها أقدام أبناء الفلاحين الأحرار في مصر والعالم العربي تصرخ باسم عبد الناصر: إن هذه الأمة قادرة على أن تصنع معجزتها وتفض عن كاهلها غبار المذلة متى ما امتلكت الإرادة الوطنية الحرة.
5 _ ستبقى ذكرى رحيله في الثامن والعشرين من سبتمبر محطة سنوية لتجديد العهد مع المبادئ التي عاش ومات من أجلها، ليظل جمال عبد الناصر منارة تهتدي بها الأجيال الشغوفة بالحرية والكرامة والاستقلال، ورمزاً عصياً على المحو والنسيان، وزلزالاً يرتعد منه عروش الظلمة ومخططو التبعية حتى بعد عقود طويلة من رحيله الشريف..!
•••

ثامناً : البون الشاسع بين العنفوان والاندحار

1 _ تظل تجربة جمال عبد الناصر في الذاكرة الجمعية نقطة فارقة، وقلعة شامخة، وسداً منيعاً يجسد تطلعات الأمة نحو الحرية والاستقلال، بعيداً عن أوزار الحقبة وعثراتها أو اختلاف القراءات الحزبية حول أخطاء عهده المفهومة في سياق الصراع العنيف مع الاستكبار.
2 _ فمن شائب المظانّ ومستحيل الفِكْرِ أن يتسرب البُغْضُ لجمال عبد الناصر أو أن يُستبدَلَ به إجلالٌ أو احترامٌ لرموز زمن الهوان والاندحار من الحكام الراهنين الذين فرطوا في الأرض والسيادة والكرامة.
عبدالناصر
عبدالناصر
3 _ يشخص الشارع العربي اليوم بمرارةٍ وألم أمام مذابح الإرهاب والعدوان الصهيوني التي تستبيح أهلنا في غزة وفلسطين تحت بصر العالم المتبلد والأنظمة المنبطحة.
4 _ وتتضاعف الفجيعة وتتزايد مرارة الواقع بهذا الصمت المخزي، والانبطاح الخنوع، والتواطؤ الرسمي للمنظومة العربية المستتر بخلفيات التنسيق مع الهيمنة الأمريكية والكولونيالية الغربية، حيث تُباع القضايا المصيرية في المزاد العلني.
5 _ فكيف يُرجَى تقديم أدنى احترام لحكّامٍ تسربلوا بالعار وتجردوا من الشرف والكرامة إذا ما قورنوا بشموخ زمن جمال عبد الناصر الذي قدم سلاحه ودمه لإنقاذ كل شبر عربي..؟
6 _ إن البون الشاسع والفجوة العميقة بين كبرياء الناصرية وعجز وضعة الاستكانة المعاصرة تجعل الانحياز لكل من ناهض التبعية، ودك أركان الظلم، والوفاء لنهجه المناهض للاستعمار خياراً عقائدياً وثابتاً لا يُساوَمُ عليه ولا يتبدل إطلاقاً..!
•••

تاسعاً : البعد الرمزي ورؤية المستقبل

1 _ لم يكن عبد الناصر ظاهرة عابرة في جغرافيا الشام ومصر والجزيرة واليمن والمغرب العربي، بل كان شرياناً تجري فيه دماء العنفوان القومي من المحيط إلى الخليج.
2 _ أسس لوعي يرفض الهوان، وجعل من العروبة حقيقة سياسية وميدانية تتصدى لغزوة الإمبريالية وصنيعتها الصهيونية.
أفهل يملك الخنوع المعاصر أن يطمس ضياء ذلك الشموخ الذي أشرقت به ظلمات الاستعمار..؟
3 _ صاغ بفكره ونضاله معالم الشخصية العربية المتحررة التي تنظر إلى أفق المستقبل بعيون ملؤها الثقة والأنفة والتحدي، لا بعيون الخوف والهرولة والتسول على أبواب السفارات.
4 _ جعل من ثقافة المقاومة والاعتماد على الذات منهاج حياة وممارسة يومية، وبنى صروح العلم والمصانع والجيش الحامي للثغور والمدافع عن كرامة الإنسان العربي.
5 _ إن الوفاء لجمال عبد الناصر في ذكراه الـ 56 ليس اندياحاً في عاطفة الماضي، ولا استغراقاً في رثائية مجردة، بل هو تمسك عملي بالنهج المقاوم وبوصلة حقيقية للاستقلال الوطني والقومي والسيادة الكاملة على المقدرات.
6 _ ستبقى كلماته ومشاعله الهادية منارة تحث الخطى نحو الفجر الموعود، وتذكر الأمم الحرة بأن إرادة الشعوب أعتى من كل إمبراطوريات البغي والعدوان.
فأين موقع أرباب التبعية والاندحار اليوم من القامة النضالية والتاريخية لأبي الخالدين هذا العملاق..؟
شتان بين من يبني السدود والقلاع ويكسر القيود ويصنع الكرامة الوطنية، وبين من ينبطح لقوى الاستكبار ويرتضي الهوان وينقاد كالأجير في أسواق الهزيمة..!
•••

أخيراً.. سيبقى جمال عبد الناصر ثورةً متجددة تجتاز عقود الرحيل، وشاهداً يصفع زيف الراهن بوهج الإرادة، والمخرز المقيم في عيون بغضائه، والجمرة التي تكوي أوهامهم كلما توهموا انطفاء وهجها؛ فلم يكن مجرد رجل ومضى ليطويه الكفن، بل نهج استقلال وكرامة يتنفسه الأحرار، وصاعقة تجرف زيف المنبطحين وشبحاً يطارد خنوعهم عبر السنين، لتظل قامته الشامخة بوصلةً عصية على المحو، ويبقى اسمه وحده كفيلاً بإرهاب سدنة التبعية كلما أشرقت شمس الحرية واستدعى المستقبل إرادة الأباة.