جمهورية المكيفات وجبهة الشمس
في اليمن السعيد، لدينا نوعان من الوطنية:
وطنية خمس نجوم، مكيفة، فول بورد، مع إطلالة على برج المملكة. ووطنية أخرى حافية، مغبرة، تحت شمس مأرب وتعز.
النوع الأول يمثله الرئيس رشاد العليمي، الذي قرر أن يعلن النفير العام لتحرير اليمن، من قصره المريح في الرياض. المشهد مهيب: فخامته في غرفة باردة درجة حرارتها 18، يرتدي بدلة مكوية، وخلفه علم كبير، ويقول للشعب: انفروا، قاتلوا، اصمدوا، ثم يغلق المايك ويذهب لتناول الغداء.
النوع الثاني من الوطنية يمثله وزراء الشرعية. هم أيضًا في حالة نفير، لكن نفير من نوع آخر. نفير للحصول على حجز في فندق أفخم، ومكيف أبرد، وبدل سفر أكبر. بعضهم لم يرَ اليمن منذ 2017. يعرفون اليمن عبر خرائط جوجل وتقارير الواتساب. ومع ذلك، هم حريصون جدًا على الوطن. حريصون عليه وهو بعيد، لأن القرب قد يسبب لهم ضربة شمس.
وفي وسط هذه الوطنية المبردة، ظهرت وزيرة.
الوزيرة أشواق المقطري، وزيرة الشؤون القانونية ، قررت أن ترتكب حماقة كبيرة: أن تذهب إلى الجبهة. نعم، إلى الجبهة الحقيقية، حيث لا يوجد سجاد أحمر ولا تكييف مركزي ولا عصير بارد في اللوبي. ذهبت تحت الشمس، بين الجنود الذين يقاتلون ببطون خاوية وأحذية ممزقة.
يا للعار، كيف تجرؤ وزيرة أن تفسد علينا نظرية الحكومة عن بعد.
لقد أربكت البروتوكول. المفروض أن الوزير يزور الجبهة عبر زووم، أو يرسل تغريدة، أو على الأكثر يتصل بمراسل "الجزيرة". أما أن تذهب بنفسها، وتجلس مع الناس، وتسمع أنين الجرحى، فهذا تطرف. هذا خروج عن الإجماع الفندقي.
الآن أصبح لدينا مشكلة حسابية.
عندنا رئيس يعلن الحرب من الرياض، ووزراء يديرون المعارك من القاهرة وإسطنبول وعمان وعواصم اوروبية، ووزيرة واحدة فقط قررت أن الحرب في اليمن وليست في قاعة المؤتمرات بفندق الريتز.
المفارقة ليست مضحكة، هي مبكية.
الجندي في الخندق يسمع النفير من مكيف في الرياض، فيسأل نفسه: هل أقاتل لأعود إلى جمهورية يحكمها من لم يذق حرها.
والمواطن النازح يسمع وزيرًا يتحدث عن الصمود من تحت الدوش الساخن في فندق خمس نجوم، فيضحك، ثم يبكي.
شكرًا للوزيرة أشواق. ليس لأن زيارتها ستحرر اليمن، بل لأنها فضحتنا. ذكرتنا أن الوطنية ليست بيانًا يُقرأ من قصر بعيد، بل خطوة تمشى تحت الشمس.
أما الباقون، فنتمنى لهم إقامة سعيدة، ومكيفات لا تنطفئ أبدًا، ونفيرًا عامًا لا يزعج نومهم.



