تعز التي لا تُختزل: نبراس سبتمبر وحصن الجمهورية
تعز تحتفل بستة وعشرين سبتمبر.. تعز تشعل ثورة الجمهورية.. تعز، وليس كمثلها، حاضنة وطنية تذوب في قلبها كل الانتماءات والمذاهب والآراء.. تعز التي تجمع الشمال والجنوب وتحيي قيمة ثورية لا تموت.. تعز نبراس الثورة ودرعها الوطيد.. تعز التي تناضل من أجلنا جميعًا ومن أجل الجمهورية..

حين تحتفل تعز بذكرى السادس والعشرين من سبتمبر، فإنها لا تحتفي بمجرد حدث تاريخي عابر، بل تجدد باحتفالها عهدًا وطنيًا لم ينقطع في هذه المدينة، وبأن الجمهورية ما تزال فكرة حية، وأن اليمن الذي حلم به الأحرار لم يمت رغم كل ما تعرض له من انقلابات وحروب وتمزق.
تعز ليست مجرد محافظة يمنية، بل حالة وطنية استثنائية، هي المدينة التي تذوب فيها الهويات الصغيرة أمام الهوية اليمنية الجامعة، فتلتقي فيها مختلف الانتماءات والمذاهب والمدارس الفكرية حول قيمة واحدة، وهي فكرة الجمهورية. ولهذا لم تكن تعز يومًا مدينة لفئة أو حزب أو منطقة، وإنما ظلت فضاء وطنيًا يحتضن الجميع، ويؤمن بأن الاختلاف لا يهدد الوطن، بل يثريه، مادام سقفه الدولة والجمهورية. ولعل هذا ما يفسر لماذا بقيت تعز، رغم الحصار والحرب والمعاناة، أكثر المدن تمسكًا بروح سبتمبر، فهي تدرك أن الدفاع عن الجمهورية ليس دفاعًا عن حدث تاريخي، بل عن مشروع الدولة الحديثة التي تقوم على المواطنة المتساوية، وسيادة القانون، ورفض الحكم السلالي والطائفي والمناطقي وكل أشكال الاستبداد.
إن الجمهورية التي تنادي بها تعز ليست جمهورية الشمال في مواجهة الجنوب، ولا جمهورية فئة ضد أخرى، بل جمهورية يمنية تتسع لكل أبنائها، شماليين وجنوبيين، ولكل من يؤمن بالدولة الجامعة التي لا تميز بين مواطنيها على أساس السلالة أو المذهب أو المنطقة أو الانتماء السياسي. ومن هنا تبدو المفارقة المؤلمة في مناطق أخرى، وفي مقدمتها صنعاء، حيث تقام مظاهر الاحتفال بذكرى الثورة، بينما تقمع في الوقت نفسه رموزها الحقيقية. فكيف يمكن الحديث عن الجمهورية في ظل ملاحقة من يهتف لها أو يرفع علمها؟ وكيف يمكن الاحتفاء بثورة قامت لإسقاط الإمامة، بينما يعاد إنتاج مفاهيم الامتياز السلالي بأشكال جديدة؟ إن الاحتفال الذي يخلو من قيم الجمهورية ليس سوى محاولة لإفراغ المناسبة من مضمونها، وإعادة كتابة الذاكرة الوطنية بما يخدم مشروعًا قام أصلًا على الانقلاب على الدولة والجمهورية. لهذا، لا تمثل تعز مدينة تقيم احتفالًا سنويًا، بل تمثل ضمير الجمهورية، فهي تذكر اليمنيين بأن سبتمبر لم يكن انقلابًا على أشخاص، وإنما ثورة على الاستبداد، ومنظومة قيم تمارس في الواقع، قيم تبدأ بحرية الإنسان وتنتهي بدولة المواطنة والعدالة.
ولعل تعز هي أكثر المدن اليمنية التي دفعت، وما تزال تدفع، ثمن هذا الموقف الوطني الأوحد على مر الزمان، فمنذ اندلاع الحرب، كانت تعز في مقدمة الجبهات التي واجهت المشروع الانقلابي، وتحملت حصارًا طويلًا، وقصفًا مستمرًا، وآلاف الضحايا من المدنيين، فضلًا عن الدمار الذي طال البنية التحتية ومقومات الحياة. ولم يكن استهداف تعز مجرد معركة عسكرية للسيطرة على الجغرافيا، بل كان أيضًا استهدافًا لرمزية المدينة بوصفها أحد أبرز معاقل الفكرة الجمهورية.
وحتى اليوم، لا تزال وطأة المعركة تشتد على تعز كلما اشتدت محاولات فرض مشاريع تناقض الدولة والجمهورية، وكأن المدينة تعاقب لأنها رفضت الانكسار، وأصرت على أن تظل صوتًا للجمهورية في زمن تتنازع فيه اليمن مشاريع التمزيق والاستبداد. ورغم ذلك، لم تتخلَّ تعز عن رسالتها، ولم تساوم على هويتها الوطنية، بل بقيت تؤكد بالفعل قبل القول، أن الدفاع عن الجمهورية ليس خيارًا سياسيًا عابرًا، وإنما قضية وجود ومستقبل لليمن بأكمله.
لذلك ستبقى تعز، مهما اشتدت المحن، نبراس الثورة، وحصن الجمهورية، وعنوان اليمن الذي يرفض أن يختزل في جماعة أو سلالة أو منطقة، وستظل رسالتها واضحة أن اليمن لا يبنى إلا بجمهورية حقيقية، تجمع أبناءه جميعًا تحت راية وطن واحد، لا غالب فيه إلا الدولة، ولا سيادة فيه إلا للقانون، ولا انتماء يعلو على الانتماء لليمن.



