26سبتمبر ...صراع الذاكرة
يحضر شهر سبتمبر، الحاضر في الذاكرة الجمعية لليمنيين، حاملًا في طياته مشاريع التحرير والثورة والجمهورية. ويحمل سبتمبر، والسادس والعشرون منه على وجه الخصوص، الكثير من الرمزية؛ حتى يبدو السادس والعشرون من سبتمبر أحد اهم شعائر اليمنيين الجمهورية.
إلا أن السادس والعشرين من سبتمبر، خلال السنوات الماضية، لم يعد يحضر بوصفه لحظة جامعة للاحتفال فحسب، بل أصبح، كلما حلّ موعده، يعيد إلى الساحة سؤالًا أكثر عمقًا: من يملك حق تعريف الوطن وتمثيله في الحاضر؟
هنا لا يجري التعامل مع السادس والعشرين من سبتمبر بوصفه مجرد تاريخ، وإنما بوصفه جزءًا من ذاكرة اليمنيين، وجزءًا من ذاكرة الجمهورية؛ الحاضنة الزمنية للحظة تأسيس المشروع السياسي والاجتماعي اليمني الذي ما زال حاضرًا في وجدان اليمنيين، رغم كل ما أصابه بعد ذلك.
لكن ماذا يحدث لذاكرة مشروع لم تكتمل ولادته، ثم يأتي من يريد محو الذاكرة نفسها؟
هنا تصبح الذاكرة الجمهورية موضوعًا للصراع بين الأطراف. فمنذ الحادي والعشرين من سبتمبر 2014، حين سيطرت جماعة الحوثي على العاصمة صنعاء، انتقلت المسألة من مجرد استدعاء الذاكرة وإحيائها إلى صراع على الذاكرة الوطنية نفسها؛ صراع على التمثيل، وعلى ما الذي يحمله سبتمبر، ومن يملك حق تعريفه وتقديمه لليمنيين.
وفي هذا السياق يمكن التعامل مع السادس والعشرين من سبتمبر 2023 باعتباره لحظة تحولت فيها الذاكرة إلى فعل مقاومة رمزية. فقد انتقل التعامل مع السادس والعشرين من سبتمبر من مجرد اختلاف سياسي حول تفسير التاريخ ومآلات الجمهورية، إلى محاولة مباشرة لمنع اليمنيين من ممارسة التعبير عن علاقتهم بهذا التاريخ.
يعمل الحوثيون منذ سيطرتهم على العاصمة صنعاء على صياغة تراتبية تاريخية و رمزية مختلفة تعيد تشكيل الذاكرة الوطنية وفق رؤيتهم، إذ عمدت الجماعة منذ احتكامها على العاصمة صنعاء على الحاق ال26 من سبتمبر باحتفاليتها الخاصة ب ال 21 من سبتمبر، إلا أنه وفي السادس والعشرين من سبتمبر 2023 تحديدًا، تقاطعت ثلاثة استدعاءات احتفالية مختلفة: المولد النبوي، والحادي والعشرون من سبتمبر، والسادس والعشرون من سبتمبر. وفي هذا التقاطع حاول الحوثيون إعادة ترتيب الأحداث والذاكرة الوطنية بالنسبة لليمنيين، مستفيدين من إضفاء الطابع الديني على بعض الاحتفالات، وإلحاق السادس والعشرين من سبتمبر بالحادي والعشرين منه والمولد النبوي، ودفعه إلى موقع باهت وهامشي داخل هذا الترتيب.
إلا أن الخروج المجتمعي في السادس والعشرين من سبتمبر 2023 أعاد ترتيب الذاكرة من جديد؛ فقد أعاد الاحتفال الوطني الحاضر في وجدان الجمهوريين داخل مناطق سيطرة الحوثيين استدعاء السادس والعشرين من سبتمبر من خارج السردية التي أرادت الجماعة فرضها على المجال العام.
وهنا بدا أن الذاكرة الجمهورية لم تختفِ، وأن المجتمع ما زال قادرًا على استدعائها وإعادة ترتيب المشهد من خارج التراتبية التي أرادت جماعة الحوثي فرضها على الاحتفال والذاكرة.
كان خروجنا في هذا التاريخ وفي قلب سلطتها خروج عن السردية التاريخية الحوثية التي تعاملت معه باعتباره حالة خروج عن السلطة وإرادتها ففقدت قدرتها على التعامل مع الحدث فردت سلطة الجماعة على هذه اللحظة من خلال عمليات القمع والاعتقال والترهيب؛ فامتلأت بنا معتقلاتها وسجونها، واكتظت شوارع العاصمة بملاحقاتها، ولا زال العديد يقبع خلف قضبان حتى اللحظه. ومُنع المجتمع من ممارسة حقه في التعبير عن علاقته بهذا التاريخ، وتحولت ممارسة الاحتفال بذكرى الجمهورية إلى فعل يحمل كلفة الخوف والاعتقال.
وفي مقابل ذلك، تعمل جماعة الحوثي في الواقع على إعادة إحياء الاحتفال بالسادس والعشرين من سبتمبر بصورة حصرية وباهتة سنويا في ميدان التحرير، في محاولة لاحتكار تمثيله الرمزي، بعد أن تعاملت مع الاحتفال المجتمعي به بوصفه خروجا عن السردية التي تريد تثبيتها.
وفي الذكرى الرابعة والستين لسبتمبر، تعيد الحالة المجتمعية استدعاءه بأكثر من لغة احتفالية، مؤكدة فشل كل محاولة لاحتكار تعريف الذاكرة، وقدرة المجتمع على استعادتها، بل وحتى دفع الثمن حين تصبح ممارسة الذاكرة نفسها فعلًا مكلفًا.
وهكذا فإن الجمهورية التي ولدت في السادس والعشرين من سبتمبر، أصبح الاحتفال بذكراها يحتاج إلى أكثر من شعائر احتفالية فحسب، بل إلى لحظة مواجهة مباشرة مع كل المشاريع المنفصلة عن امتدادات سبتمبر الوطنية ومعناه الجمهوري.



