عيد الكرامة.. لماذا نحتفل بسبتمبر وأكتوبر رغم كل هذا الخراب؟
يحتفل أحرار اليمن كل عام بذكرى 26 سبتمبر و14 أكتوبر، ليس حنيناً للماضي، بل لأنهما اليومان الوحيدان اللذان قرر فيهما الإنسان اليمني أن يكون سيد نفسه.
ليس هناك من يجهل ولا يليق بأحد محترم أن يتجاهل حال اليمن قبل 26 سبتمبر 1962 و14 أكتوبر 1963 فقد كان الشمال يرزح تحت إمامة كهنوتية مستبدة ظالمة قسمت الناس إلى سادة وعبيد...
بلاد استوطنها الجهل والفقر والمرض، وجعلت منه الإمامة موطناً مقدساً لهذا الثالوث البغيض، ورابعه الإمامة نفسها.
كان في الشطر الشمالي من الوطن قبل بزوغ فجر نور سبتمبر يُقال لليمني:
إنما خُلقت لتُقبّل الركب وتتقرب إلى الله بأن تقول لإمامك الذي يستعبدك حاضر "سيدي ومولاي".
وفي الجنوب جثم استعمار بريطاني بغيض لـ 129 عاماً، حول عدن إلى قاعدة عسكرية، وكان اليمني فيها مجرد عامل باليومية في وطنه.
فجاء فجر الـ 26 من سبتمبر 1962 ليقول:
انتهى زمن العبودية، وأعلن فيه الشعب ثورته بقيادة المشير عبد الله السلال، ودفع ثمنه شباب وفتية في عمر الورد مثل الشهيد البطل علي عبد المغني، وزميله الشهيد البطل محمد مطهر زيد ورفاقهما وتبعهم على نفس الخطى في الدفاع الأسطوري عن الثورة ونظامها الجمهوري الفريق حسن العمري، وأحمد عبد ربه العواضي ومعهم عدد من الفتية الذين آمنوا بربهم وبالثورة والجمهورية، وفي مقدمتهم الشهيد عبد الرقيب عبد الوهاب نعمان ذلك الشاب البطل الذي قال في حصار السبعين كلمته الشهيرة: "الجمهورية أو الموت".
وبعد بزوغ ذلك الفجر العظيم بعام، انطلقت رصاصة البطل راجح بن غالب لبوزة ورفاقه من جبال ردفان في 14 أكتوبر 1963 لتقول: "برع يا استعمار برع"، وقدم الجنوبيون العديد من الشهداء حتى رحل آخر جندي بريطاني.
26 سبتمبر و14 أكتوبر إنهما عيدا الكرامة لأنهما بالنسبة لليمنيين نعمة وفضل من الله كنعمة وفضل الإسلام عليهم سواء بسواء.!.
ولكن.. ماذا لو قُدر لأولئك الأبطال صناع الثورة وشهداؤها أن يعودوا إلى الحياة؟
ويرون ما نحن عليه وبلادنا اليوم؟!
تخيلوا المشهد: يُفتح القبر، يخرج السلال ببدلته العسكرية، وخلفه علي عبد المغني الشاب النحيل، وبجانبهما عبد الرقيب بثوبه المرشوش بدم السبعين، ومن جهة ردفان يصعد لبوزة حافي القدمين ببندقيته العتيقة. ووقفوا كلهم على نقيل يسلح، ونظروا إلى صنعاء وعدن. وسكتوا طويلاً من هول الصدمة.
السلال ورفاقه الأبطال الذين حملوا رؤوسهم على أكفهم فجر السادس والعشرين من سبتمبر وأسسوا الجمهورية وصمدت في عهده خمس سنوات أمام حرب الملكيين وفي صفهم القوى الصهيونية التي كانت تآزرهم بل وتقف معهم جنباً إلى جنب، وعبد الرقيب ورفاقه الأشاوس الذين صمدت صنعاء ببطولاتهم في حصار السبعين يوماً عام 1967 في عهد الرئيس الإرياني أمام جيوش الملوك والمرتزقة، سيسقطون على ركبهم وهم يرون صنعاء وقد سقطت ويعرفون انها سقطت في نصف يوم عام 2014... وسيتساءلون في وجل واندهاش كيف سقطت الجمهورية في 21 سبتمبر 2014 بورقة تفاهم؟
من فتح الباب من الداخل؟
علي عبد المغني الذي استشهد حتى لا تعود الإمامة، سيرتجف وهو يسمع نفس صرخة الكهوف، من أعاد الإمامة بعمامة جديدة؟
أنا استشهدت؛ لأن الثورة كانت من أجل القبائل في صعدة والجوف ومأرب وحجة وعمران وصنعاء وذمار بالذات، فمن يضللهم اليوم ويفتري عليهم أن الجمهورية ضدهم؟!
عبد الرقيب سيسأل:
"أين الجمهورية التي دافعنا عنها و سلمناكم إياها وعلم ونشيد وكرسي في الأمم المتحدة؟ حولتموها إلى كانتونات؟"
ثم يتقدم لبوزة، ينظر إلى عدن، لا يرى علم الاستقلال يرفرف وحده، يرى أعلاماً كثيرة ويسمع لغات كثيرة. سيضع بندقيته على الأرض ويبكي: "يا أولادي.. أنا لم أستشهد في ردفان حتى يُدار مطار عدن بتصريح من الخارج، لقد استشهدت من أجل أن يكون قرار عدن في عدن."
حينئذٍ لم يكن بوسع آباء الجمهورية وهم مقهورون إلا أن يلوموننا جميعاً، ولكن بالدرجة الأولى سيوجهون اللوم بعنف على من خان جوهر وحدوية الثورة اليمنية.!
سيوجهون اللوم الكبير لمن سلّم الشمال للحوثي. ولمن استخدم شعار الولاية ليُعيد فكرة "السيد والعبد" التي ثرنا عليها!
لمن قال "سأستخدم الحوثي لأحرق خصمي" فأحرق نفسه واحرق معه الوطن كله!
وسيوجهون اللوم الكبير ايضاً لمن جلب الأجنبي إلى الجنوب. لمن نسي أن لبوزة ورفاقه استشهدوا ليطردوا الجندي البريطاني، لا ليستبدلوه بوصاية أجنبية أخرى.
لمن حول الاستقلال الذي كان لكل اليمن، إلى موانئ ومطارات تدار من الخارج، وقرار غير وطني باسم اليمن يُكتب خارج اليمن. لمن قال "سأستخدم الخارج لأحمي مشروعي" فباع القرار وارتهن للأجنبي.
كلاهما ارتكب نفس الخطيئة بلباسين مختلفين.
ولو نطق أبطال الثورة اليمنية وصُناعها قبل أن يعودوا إلى قبورهم، لقالوا لنا بصوت واحد:
"ما قمنا بثورة ضد بيت حميد الدين ليحكمنا بيت آخر،
ولا طردنا لندن لتحكمنا عواصم أخرى. سلمناكم وطناً، فأعدتموه غنيمة.
يا أحفادنا.. نحن لم نستشهد من أجل كرسي، استشهدنا من أجل أن لا يركع يمني لأحد. فإن رأيتم اليمني يركع اليوم، فاعلموا أن ثورتنا لم تكتمل، وأن أمانتنا لا تزال في أعناقكم. لا تبكوا علينا.. أكملوا ما بدأنا."
ولهذا فأحرار اليمن يحيون ذكرى واحدية الثورة اليمنية بسبتمبر وأكتوبر اليوم، لأن الاحتفال بها هو مقاومة بحد ذاته، وإعلان أن الفكرة لم تمت، وأن اليمن لا يحكمه إلا اليمنيون، ولا ولن يكون حراً إلا إذا استمر جمهورياً.
ومن جانب آخر فلو قُدّر للإمام والبريطاني أن يحييا اليوم ويريا اليمن في وضعه الحالي مدمرا وحال المواطن فيه مشرداً لاجئاً جائعاً مقهوراً لسجدا شكراً فرحين مسرورين بما آل إليه من دمار، ولقبّلا رؤوس القادة والساسة والنخب الذين سلّموا صنعاء للحوثية وريث الإمامة، وحاولوا بفسادهم ومحسوبياتهم ان يُكَرِّهوا الناس في الجمهورية، وسلّموا عدن وميناءها ومطارها للأجنبي ومزقوا الجنوب، ثم لتصافحا فوق خراب اليمن وقالا:
شكراً لكم، أنتم عملتم في اليمن وباليمن وشعبه ما عجزنا عنه شكراً لكم شكراً .
ورحم الله القردعي القايل:
قدهم على شور واحد سوى
متآمرين كلهم سيد ونصراني
لكن على الجميع أن يعوا أن سبتمبر وأكتوبر ليسا تاريخاً على جدار، بل جمر تحت الرماد.. وإن تواطأ السيد والنصراني، فالشعب باقٍ، والجمهورية فكرة حية، لا ولن تموت، وإن طال أمد سحائب الغيوم، فإن شمس سبتمبر وأكتوبر ستعود بقوة من جديد لا محالة.
والله غالب على أمره.



