بين طموحات الأمس وتحديات اليوم
ماذا تعني ثورة 26 سبتمبر للمواطن اليمني؟
تُمثّل ثورة 26 سبتمبر 1962 في الذاكرة الوطنية اليمنية اللحظة الفارقة التي نقلت الشعب اليمني من ظلمات القرون الوسطى إلى رحاب العصر الحديث. لم تكن الثورة مجرد تغيير في نظام الحكم، بل كانت إعلان ميلاد جديد للمواطن اليمني وإعادة اعتبار لآدميته وكرامته. ولثورة سبتمبر ذكرى خالدة في وجدان كل يمني يؤمن بتحقيق أهدافها وبإقامة الدولة اليمنية الموحدة على أسس العدل والمساواة ومشاركة كل فئات وشرائح المجتمع دون إقصاء أو تهميش، وهذا لا يتحقق إلا إذا أطراف الصراع جنحوا للحوار وتحقيق السلام والاستقرار.
ثنائية العزلة والمعاناة
عاش المواطن اليمني قبل عام 1962 في ظل الحكم الإمامي الفردي حالة من الحرمان الشامل، حيث اتسمت تلك الفترة بعوامل قاسية كبلت المجتمع وعزلته جغرافيا وثقافيا عن بقية العالم، فالنظام الإمامي فرض سياجاً من العزلة المطبقة على اليمن، مانعاً أي تواصل مع العالم الخارجي أو التطورات الحضارية التي كان يعيشها الإقليم أو دول العالم المتقدم، فقد خلت البلاد تماماً من أدنى مقومات الحياة الحديثة؛ فلا مستشفيات تقدم رعاية صحية، ولا مدارس حديثة تستوعب تطلعات الأجيال، ولا شبكات للكهرباء أو المياه الصالحة للشرب. وفي ظل هكذا أوضاع ساد ثالوث التخلف، حيث تفشت الأوبئة والأمراض الفتاكة في ظل غياب الطب الحديث، وانتشرت الأمية بنسب مهولة، وعانى المواطنون من الفقر المدقع نتيجة الوضع الاقتصادي المتخلف وفرض الإتاوات والضرائب القاسية، وكانت الطرقات وعرة ووسائل المواصلات والاتصالات بدائية، مما جعل التنقل بين المدن والقرى مشقة بالغة ترخص معها الأرواح.
تحولات الثورة
شكل قيام الجمهورية نقطة الانطلاق لبناء الدولة الحديثة، ورغم العثرات والتحديات التي واجهت النظام الجديد في عقده الأول، إلا أنه منذ بداية السبعينيات من القرن الماضي، كان له تأثيرا إيجابيا ومباشراً على التنمية والخدمات وحياة المواطنين اليومية. فانتشرت المدارس في كافة المحافظات والمديريات، وتحسنت كثيرا معدلات الالتحاق في التعليم العام بين الذكور والإناث مع تفاوت بينهما، وتأسست الجامعات ومؤسسات التعليم العالي، مما فتح آفاق المعرفة أمام أبناء الشعب دون تمييز. وأُنشئت المستشفيات والمراكز الصحية في عموم المحافظات، وتم توفير الأدوية واللقاحات التي حدت من تفشي الأوبئة وأسهمت في تحسين مستوى الصحة العامة بين الناس. إضافة إلى ذلك، حدث تطور في البنية التحتية والاتصالات، حيث شُقّت الطرقات الإسفلتية والمعبدة التي ربطت المحافظات مع بعضها ومع الأرياف، وتوفرت شبكات المياه والصرف الصحي، وأُنشئت محطات الكهرباء، ووصلت وسائل الاتصالات الحديثة لكافة المناطق. وتوج ذلك بالانفتاح على العالم وخرجت اليمن من عزلتها لتبني علاقات دبلوماسية واقتصادية وثقافية مع الدول والمنظمات الدولية والإقليمية، واتسع حجم التجارة الخارجية ونمت حركة التبادل العلمي والثقافي مع معظم الدول الشقيقة والصديقة،
تتويج الأهداف الوطنية
توجت أهداف ثورة 26 سبتمبر وأختها ثورة 14 أكتوبر بتحقيق الوحدة اليمنية في 22 مايو 1990، حيث أسفرت عن تشكيل كيان سياسي وجغرافي واقتصادي مستقل، وقيام دولة موحدة تمثل كافة أبناء الشعب اليمني وتعزيز موقع اليمن الاستراتيجي المكلل بالمنافذ البحرية والممرات الدولية المهمة "مضيق باب المندب"، وإتاحة حرية التنقل والاستثمار والعمل للمواطنين في كافة أرجاء الوطن الواحد، وتحقق بذلك أحد أهداف ثورتي سبتمبر وإكتوبر في العمل على إعادة تحقيق الوحدة الوطنية، وبذلك فإن الوحدة اليمنية شكلت محطة تاريخية وإنسانية كبرى في حياة المواطن اليمني، إذ لم تكن مجرد دمج لكيانين سياسيين، بل كانت تجسيداً لآمال وطموحات شعب ظل يعاني عقوداً من التجزئة والحروب والمعانات. واقترن قيام دولة الوحدة بإقرار الدستور الجديد الذي كفل التعددية الحزبية، وحرية الصحافة والتعبير، وحق التظاهر، والتداول السلمي للسلطة عبر الانتخابات الديمقراطية الحرة. كما فتحت الوحدة الباب لإنهاء الحقبة الشمولية والصراعات الأيديولوجية في الشطرين، ونقل البلاد نحو مفهوم "دولة القانون والعدالة والمواطنة المتساوية". وأنهت عقوداً من الصراعات العسكرية والحروب الحدودية المتكررة بين الشمال والجنوب (مثل حروب 1972 و1979) والتي كانت تستنزف طاقات الشعب وثرواته. ولذلك، تظل الوحدة والمواطنة المتساوية في وجدان المواطن اليمني رمزا للقوة والتكامل والعيش المشترك بعيداً عن التشظي والصراعات المناطقية.
إنتكاسات وتعثرات
لم تكن طريق النظام الجمهوري بعد ثورة 26 سبتمبر 1962 مفروشة بالورود؛ بل رافقتها سلسلة من الانتكاسات السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية، التي أعاقت تحقيق كامل أهداف الثورة وتطلعات المواطن اليمني. فقد اندلعت عقب قيام الثورة مباشرة حرب طاحنة بين الملكيين والجمهوريين. استنزفت هذه الحرب، التي استمرت ثماني سنوات، طاقات اليمن البشرية والاقتصادية، وعطلت مشاريع التنمية والاستقرار في سنوات التأسيس الأولى، وانتهت بحصار السبعين يوماً للعاصمة صنعاء عام 1967 قبل الوصول إلى المصالحة الوطنية عام 1970. كما شهدت البلاد سلسلة من الانقلابات والاغتيالات السياسية، كان أبرزها اغتيال الرئيس الشهيد إبراهيم الحمدي عام 1977، والذي شكّل مشروعه التنموي والمدني فرصة تاريخية لبناء دولة مؤسسات حديثة، لكنه أجهض من قبل قوى النفوذ القبلية والعسكرية والتدخلات الخارجية.
ورغم المكتسبات التنموية، عانى النظام الجمهوري من تعثرات اقتصادية هيكلية، تمثلت في سوء إدارة الموارد الوطنية، وارتفاع معدلات الفقر والبطالة والمديونية، وضعف بناء البنية التحتية الضرورية لإنعاش الاقتصاد الوطني واستمرار الاعتماد على القروض والمساعدات الخارجية. ومن جانب آخر، استمرت مراكز النفوذ والقوى التقليدية في فرض هيمنتها على قرار الدولة، مما أدى إلى إضعاف مؤسسات القانون والعدالة لصالح العُرف القبلي والولاءات الشخصية، وتحول المحسوبية وشراء الولاءات إلى أداة لإدارة الحكم، مما حدّ من فرص الكفاءات وأسهم في تفشي الفساد المالي والإداري.
ولم تستقر الأوضاع بشكل كامل، بل تخللتها مواجهات مسلحة بين الشطرين في المناطق الوسطى في السبعينيات والثمانينيات، كما أندلعت حرب صيف 1994، بعد قيام الوحدة. ورغم أهميتها في تثبيت دعائم الوحدة الوطنية والمحافظة على كيان اليمن الواحد، فقد كان لها تبعات سلبية على النسيج الاجتماعي والسياسي، مما ولد مظالم واحتجاجات شعبية، كما دخلت البلاد في حروب صعدة والتي أدت إلى توترات داخلية وصولاً إلى الأزمة والحرب الحالية.
تحديات الواقع المعاش
تعرضت مكتسبات عقود من التنمية في البلاد لانتكاسة كبرى إثر اندلاع الحرب في عام 2015، حيث ألقت بظلالها الثقيلة على حياة المواطن اليمني، وزادت من معاناته المعيشية والأمنية، وتدهورت الأوضاع الاقتصادية وانقطعت المرتبات، مما أدى إلى ارتفاع معدلات الفقر والنزوح الداخلي وانعدام الأمن الغذائي. كما ولدت الحرب التشظي السياسي والجغرافي وتسببت في انقسام البلاد إلى كيانات ومناطق نفوذ متصارعة (بين صنعاء وعدن والمحافظات الأخرى)، مما عمق من تشتت المؤسسات وإعاقة حركة المواطنين والتجارة وتضررت البنية التحتية والمرافق الصحية والتعليمية وشبكات الكهرباء والمياه جراء الصراع المستمر. وفي ظل الواقع المعاش، فإن استمرار الحرب على مختلف خطوط التماس يعمق الأزمة الإنسانية والاقتصادية ويزيد من عزلة اليمن إقليميا ودوليا، ويوسع عدد الضحايا من طرفي الصراع، ويوسع المأسي بين المواطنين، ويحد من فرص السلام والاستقرار،
تطلعات نحو الغد
رغم مرارة الواقع والأزمات المتعاقبة، يبقى المواطن اليمني متمسكاً بروح ثورة 26 سبتمبر وقيمها في الحرية والكرامة. ويمكن تلخيص طموحات اليمنيين اليوم وغداً في نقاط محورية:
- إيقاف الحرب وتحقيق السلام الشامل، من خلال الحوار وإنهاء النزاع المسلح واستعادة مؤسسات الدولة الوطنية الجامعة.
- الأمان والاستقرار المعيشي، وتحسين الأوضاع الاقتصادية، وتوفير فرص العمل، وإعادة بناء الخدمات الأساسية من صحة وتعليم وبنية تحتية.
- الدولة الوطنية العادلة القائمة على الأسس الديمقراطية وتجسد دولة القانون والمواطنة المتساوية التي تكفل للشعب حريته وتضمن للأجيال القادمة مستقبلاً آمناً ومزدهراً.



