فشل التنسيق العسكري في معارك الساحل الغربي
لم يسقط الساحل الغربي لأن الحـ..وثي كان أقوى، بل سقط لأننا كنا أضعف في التنسيق وأضعف في الثقة وأضعف في تحديد من هو العدو الحقيقي. وسقوط المخا وحيس والخوخة وجزر البحر الأحمر في سبتمبر 2026، لم يكن هزيمة عسكرية فقط، بل كان فشل منظومة كاملة بنيت منذ 2015 على المجاملات لا على العقيدة القتالية. ونتساءل عما هي أسباب هذا الفشل؟
فتكون أول تلك الإجابات التناقضات داخل الشرعية التي تعتبر رأس الفشل وسببه المباشر. والمعروف أن الشرعية ليست جيشًا واحدًا، بل هي 5 جيوش بلا قيادة موحدة وجيش وطني في مأرب وتعز يتبع وزارة الدفاع وقوات طارق صالح "حراس الجمهورية" تمول ذاتيًا وتأتمر بأمره شخصيًا، وألوية العمالقة تتبع المجلس الرئاسي وعقيدتها جنوبية، وقوات تهامية مهمشة بلا دعم، وتشكيلات قبلية موسمية، ولا توجد غرفة عمليات موحدة، ولا يوجد تنسيق ناري، ولا يوجد اتصال عملياتي موحد، وفي معركة المخا كان كل لواء يقاتل على تردد لاسلكي مختلف عن اللواء الآخر، والنتيجة أن أي لواء ينسحب دون أن يعلم اللواء الذي بجانبه، وهذا هو السبب الجوهري، وعدم الانسجام داخل الشرعية هو أم الفشل، وهو الفشل بحد ذاته.
وثاتي الأسباب المؤدية لذلك الفشل الصراع داخل التحالف نفسه، الذي تبنى الشرعية منذ 2015، وهو التحالف الذي أدخل نفسه في صراع مصالح ومصالح القوى الدولية المتصارعة، والسعودية تريد جيشًا وطنيًا يحمي حدودها ويؤمن باب المندب، والإمارات عندما خرجت عسكريًا من اليمن، ظلت على علاقة مباشرة مع تشكيلات الساحل المتمثلة بطارق صالح والعمالقة، عبر الدعم اللوجستي والمالي غير المباشر، ومن ثم أصبح الساحل الغربي يدار من غرفتين: غرفة الرياض وغرفة أبوظبي، وكل غرفة تعطي أوامر مختلفة، وطارق صالح لا يتلقى أوامره من وزارة الدفاع في مأرب، بل يتلقى الأوامر من داعميه السابقين. والنتيجة قرار انسحاب فردي لم يتم التنسيق فيه مع العمالقة ولا مع محور الحديدة ولا مع أي محور آخر يتبع الشرعية، والتحالف لم يعرف عدوه من صديقه في اليمن لاعتماده على ولاءات شخصية لا على مؤسسات موثوقة.
وثالث تلك الأسباب هذا السؤال: هل الإمكانيات والأموال لم تكن كافية؟ وهناك من يجعل من هذا السؤال أحد تلك الأسباب، وهذه كذبة كبيرة، لأن الأموال كانت موجودة وبالدولار والسعودي وغيرها من العملات، ورواتب قوات الساحل بالريال السعودي، وتفوق رواتب الجيش الوطني بأربعة أضعاف، ومستودعات المخا كانت مليئة بالذخيرة والسلاح الثقيل ومعدات وعتاد بلا حدود، والدليل فيديوهات النهب بعد الانسحاب التي عرضت عربات مدرعة وذخائر بكميات كبيرة تركت غنائم للحوثي.
ومما ذكر نستنتج أن الفشل ليس في قلة المال، بل في فساد توزيع المال، والجندي في الخطوط الأمامية بلا تغذية وبلا ذخيرة كافية، بينما القيادات في فنادق عدن والقاهرة والرياض تتقاسم المخصصات، وتستلم الإعاشات، وشهادات الجنود العائدين إلى رأس العارة أكدت أنهم قاتلوا 3 أيام بلا إمداد، لأن قياداتهم تركت الأسلحة في المخازن في مدينة المخا، وهذه من الخيانات الأخرى التي يتوجب على القيادة والتحالف التحقيق فيها، وبحث أسبابها ومن يقف وراء ذلك. ولقد كان المال موجودًا، لكنه لم يصل للمقاتل في الخطوط الأمامية.
ورابع أسباب الفشل دور الإمارات بعد الخروج، الحليف الذي بقي في الظل، والسؤال الأخطر: هل من كانوا مع الإمارات هم من أحدثوا الهزيمة؟ والإجابة هو أن دولة الإمارات خرجت عسكريًا، لكنها أبقت شبكة مصالح مع قادة ألوية الساحل، وهؤلاء القادة هم القادة الذين كانوا محسوبين على "آل البيت" حسب بعض التسريبات، وعادوا بعد 2017 بحجة الهروب من صنعاء، وهم أنفسهم من أعطوا أوامر الانسحاب المفاجئ حسب التسريبات، ولا يعفى طارق صالح مما حدث، ولو وجدت مثل تلك التسريبات والاتهامات ليست موجهة لدولة الإمارات كدولة، لكن الاتهام موجه للشبكة التي تركتها وتركت سلاحًا ومالًا بيد قادة ولاؤهم عائلي أو مناطقي أو قروي وليس وطنيًا، وبهذا زرعت الإمارات قنبلة موقوتة انفجرت في المخا.
وخامس تلك الأسباب هذا السؤال: هل كان الحوثي.. الطباخ الماهر والنار مولعة؟
كما يقول المثل المصري: "إذا لقيت النار مولعة.. اطبخ". وحقيقة الأمر أن الحوثي لم يكن أقوى عدة وعتادًا، لكنه كان الأذكى تنسيقًا، ويمتلك قيادة واحدة موحدة في صنعاء، وقرارًا واحدًا، وعقيدة قتالية واحدة، واستغل الحوثي كثرة الطباخين في مطبخ الشرعية: طباخ سعودي وطباخ إماراتي وطباخ إصلاحي وطباخ مؤتمري وطباخ جنوبي، وكل واحد من أولئك الطباخين يريد طبخة مختلفة عن طبخات غيره، وتقدمه في الساحل لم يكن بمعركة، بل كان باتصال هاتفي: "انسحبوا، المكان لنا". وهذا ما تؤكده تقارير رويترز عن توجيه مباشر من الحرس الثوري الإيراني لاستغلال ثغرة الساحل.
وسادس تلك الأسباب نقل المعركة من "هرمز" إلى "باب المندب"، وهنا البعد الدولي الأخطر، حيث تتعرض إيران لضغط أمريكي غير مسبوق في مضيق "هرمز"، وقصف لمنشآتها النووية، وحصار لنفطها. فما كان منها إلا أن نقلت المعركة بعيدًا عن أراضيها، وسيطرة الحوثي على باب المندب تعني أن إيران أصبحت تملك ورقتي ضغط: "هرمز" و"باب المندب"، تهدد الملاحة العالمية، وتجبر السعودية على تحويل نفطها عبر البحر الأحمر، وتجبر أمريكا على التفاوض، وتصبح اليمن ضحية للصراع الإيراني -الأمريكي، واليمنيون يدفعون ثمن الصاروخ الذي لم يطلقوه.
وسابع تلك الأسباب التجاذبات الدولية والصمت الأمريكي، إذ تريد الولايات المتحدة الأمريكية باب المندب آمنًا، لكنها لا تريد أن تدفع ثمن حمايته، وتركت السعودية والإمارات تتصارعان على الساحل، وتركت الشرعية تتآكل، وكل تصريح أمريكي عن "حرية الملاحة" في مضيق باب المندب، هو في الحقيقة ضوء أخضر للحوثي لابتزاز العالم.
والخلاصة: من المسؤول عن كل ذلك الفشل؟ لتكن الإجابة بأن
المسؤول ليس جنديًا هرب من موقعه، بل هناك منظومات فشل متعددة متمثلة بشرعية بلا جيش موحد، وتحالف بلا رؤية موحدة، ومال بلا رقابة، وحليف خرج من المشهد وبقيت شبكاته، وعدو واحد منظم استغل فوضانا وتعدد مصادر قراراتنا. والحقيقة أن
معركة الساحل لم تخسرها البندقية، خسرها التنسيق. وإذا لم نشكل غرفة عمليات موحدة حقيقية، بقيادة يمنية واحدة، ودعم سعودي واضح، وقطع كل الارتباطات المشبوهة، فإن باب المندب سيكون هو السقوط التالي، وليس الأخير.
والسؤال الذي يجب أن تجيب عليه لجنة تحقيق علنية: من أعطى أمر الانسحاب؟ ولماذا؟ ومن قبض الثمن؟



